أترك القضاء.. ولن يفارقني/ساندرا المهتار
القاضي ساندرا المهتار:
اليوم، أطوي آخر صفحات قصّتي مع القضاء.
أحبَبْتُه كرجلٍ شهمٍ أفخَرُ به وأعتزّ، وأُحبّه كَتوأم الرّوح، وسأحبّه، لا لأنّه عشيرتي أو قبيلتي أو طائفتي، بل لأنّه قلب وطني النابض الذي يضخّ الحياة في الشرايين.
ولكن… هذا القلب مُتعَبٌ وقد أتعبني، وهذا القلب سقيمٌ وقد أرهقني، وأخشى على روحي وقلبي أن يصيبَهما السّقم.
أترُكه مُحمّلة بشغفٍ عاقل مسؤول، شغفي للعدالة التي توقد الحياة في الوجدان.
بعد ربع قرنٍ من العمل القضائي والتحرّكات القضائيّة الإصلاحيّة- المعلَنة وغير المعلَنة…
بعد ربعِ قرنٍ من المدّ والجزر، والفرح والحزن، والنجاح والخيبة والصواب والخطأ… أتركه، ولن يفارقني، إذ أختزن ذكريات دافئة هي أقرب للملاذ الآمن، وأثراً راسخاً لا يمحوه تافهون ولا زمن، وقيمةً حقيقيّة لا تُقدَّر بثمن، وصداقات فكرٍ تعكس حلمنا بقضاء ووطن، وآمال لن يسحقها عظم الألم.
لم أحزم أي حقائب قبل الرحيل، فأمتعتي في قلبي وفكري ووجداني، لا تُحزَم، ولا تُسلَب، ولا تهلك.
لم أودّع أحداً، فكلّنا عابرون في هذا السبيل، والزمن أسرع من أن يتوقّف لوداع أو سلام أو أداء طقوس.
وقد عَبَرْتُ، لا كريشة في مهبّ الريح، بل كغيمةٍ بيضاء في فضاء… كقطرات نديّة في ضباب… كبذرةٍ حاولوا دفنها… عَبَرَت!
عَبَرْتُ… ولكن أبقى كما أنا، فالقاضي إرادةٌ وفكرٌ وعلمٌ وقيمٌ ومبادئ وخصال وآداب وإنسانيّة تُعاش وتُرتقى، لا لقب يُمنح ومركز يُعتلى.
وأبقى ممتنّةً لكلّ مَن تقاطعت طريقي بطريقه خلال هذه السنوات من أصدقاء وزملاء ومحامين وخبراء ومساعدين قضائيين وأفراد ضابطة عدلية وعمّال ومتقاضين وطلاب…
فقد أغنى تفاعلكم مخزوني المعرفيّ وارتقى بإنسانيّتي ومنحني شرف المشاركة في صناعة العدالة…. أرجو أن أكون قد أدّيتُ الأمانة ووفيتُ بالقَسَم وتَركْتُ طيب الأثر.
ولا زال في سجل العمر معارك تُخاض وقصص تُعاش وصفحات بيضاء “أكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء”… إلى أن يحين العبور الأخير.
فإلى ذلك الحين…
* صدر اليوم مرسوم إنهاء خدمات القاضي ساندرا المهتار في القضاء العدلي بناء لطلبها بعدما تجاوزت خدماتها العشرين عامًا ووصلت إلى ربع قرن.
“محكمة” – الخميس في 2025/12/4



