أبرز الأخبارعلم وخبر

“إبتدائية بعبدا” برئاسة القاضي يحيى غبورة تمنح الجنسية اللبنانية لإمرأة مكتومة القيد بعد زواجها من لبناني/علي الموسوي

المحامي المتدرّج علي الموسوي:
لطالما عانى مكتومو القيد من ثقل هذه العبارة التوصيفية المرافقة لحياتهم، أنّى تنفّسوا وتوجّهوا، وكيفما تحدّثوا ومشوا خطوات يومياتهم في دروب دنيا ضاقت عليهم برغم رحابتها، فاستكثرت عليهم انتشالهم من عبء ما هم فيه، ولم تتكلّف عناء النظر إليهم بإنسانية صافية رغم كلّ القوانين الوضعية والمعاهدات والإتفاقيات العالمية، إذ إنّ الجنسية أساس وجود المرء ذكرًا كان أم أنثى، ومهما بلغ من العمر.
ولأنّ مكتوم القيد هو إنسان في الدرجة الأولى، ولا تغيّر الجنسية من أصله وإن كانت ركيزة مهمّة في رحلته الوجودية، فإنّه يفترض التعامل معه من هذا المنطلق الإنساني قبل أيّ شيء آخر بغضّ النظر عن الظروف التي أوجبت وضعه في خانة “مكتوم القيد”، فهو لا يختلف عن أيّ إنسان آخر، لا من حيث اللون، ولا الجنس، ولا لون البشرة، إنّما يفترق عنه بأنّ حوادث تاريخية أوقعته في مكيدة “كتمان القيد” والتباساتها الكثيرة والمثيرة، وبأنّ “فبركات” سياسية أفقدته حقّه بتنفّس الوجود كما أراد الله، وبأنّ الإهمال ساعد على تنشئتها وتنميتها وتطويرها من دون جواز استمرارها إلى ما لا نهاية.
ولا تختلف المرأة المكتومة القيد عن الرجل المكتوم القيد في شيء، ولكنّها قد تنجح في الحصول على الجنسية اللبنانية إذا ما تزوّجت رجلًا لبنانيًا زواجًا نهائيًا وأنجبت منه البنين والبنات، على أن يتصف هذا الزواج بالإستمرارية ولا يكون موقّتًا ولأجل مصلحة نيل الجنسية اللبنانية، لأنّ ذلك يتعارض كلّيًا مع الشروط القانونية المفروضة.
ومن منطلق إنساني بحت، تعاملت المحكمة الإبتدائية في جبل لبنان – بعبدا برئاسة القاضي يحيى غبورة مع إمرأة مكتومة القيد لم تستسلم لواقعها المرير، بل تمكّنت من خلال إصرارها ومثابرتها و”طموحها” على نيل حقّها بالجنسية اللبنانية، بعد زواجها من لبناني وتسجيل هذا الزواج في دائرة النفوس بحسب الأصول، مسهّلة الطريق أمام الكثيرات من مثيلاتها اللواتي لا يزلن يتخبّطن في دوّامة القيد المكتوم والمحروم عنهنّ، لعلّهنّ بزواجهنّ من لبنانيين يستطعن عيش الحياة بهناءة وراحة بال، والحياة تتسع للجميع وما على الإنسان إلّا أن يسعى نحو الأجمل والأرقى ليبرز أكثر في ميدان عمله المفضّل.
وبهذا الحكم الحديث جدًّا، يمكن القول إنّ حلّ مثل هذه النزاعات، صار موحّدًا بين محاكم بيروت وجبل لبنان، وإنْ كانت المحكمة الإبتدائية في بعبدا قدّمت مواقف متقدّمة من حيث التعليل أوصلتها بطبيعة الحال، إلى النتيجة المُرضية، فأكسبت هذه المرأة الجنسية التي راودتها نحو خمس وعشرين سنة منذ أن اقترنت من زوجها وبرغم إنجابها أربعة أولاد منه صار كبيرهم في الرابعة والعشرين من العمر لغاية تاريخ صدور الحكم.
وإذ أكّدت المحكمة أنّ تسجيل الزواج ليس مطلوبًا لذاته، ولكن على الإنسان أن يسعى قدر المستطاع للظفر بما يراه مناسبًا له وإنْ كان ربّ العالمين لا يكلّف نفسًا إلّا وسعها، وليس هناك من مستحيل ما دامت الرغبة الجامحة لنيل المستحقّ ولّادة نشاط وتحفيز وتوثّب، ومتى توافرت الشروط من جدّية في الزواج، ومن ثبات واستمرار فيه بحكم الإنجاب، ومرور سنة على تاريخ تسجيل الزواج في دائرة النفوس وفي الخانة العائدة للزوج، وقيام المديرية العامة للأمن العام بالتحقيقات اللازمة، وبأنّ الأمر ليس صوريًا على الإطلاق، فإنّ الإمساك بالجنسية بات واقعًا حتمًا وطبعًا مع ضرورة إرفاق كلّ هذه الشروط بطلب رسمي يؤكّد نيّة نيل الجنسية.
واللافت للنظر أنّ الدولة اللبنانية ممثّلة بهيئة القضايا في وزارة العدل لم تعترض على نيّة اكتساب الجنسية ما دامت الشروط متطابقة ولا يمكن التغاضي عنها، فالقانون أساس تقدّم الشعوب وهذا القانون وضع لخدمة الإنسانية وتطوير مجتمعاتها وبيئاتها.
صحيح أنّه لا يمكن اعتبار المرأة المكتومة القيد لبنانية أو أجنبية، ولكنّ الصحيح أكثر أنّ الإنسانية تتفوّق دائمًا متى توافرت الشروط للظفر بالجنسية، وهذا هو حال هذا الحكم الذي تطرّق بشكل موجز إلى مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ليخلص إلى التأكيد بوجوب الإلتزام الكلّي لا الظرفي، بحقوق الإنسان وصون كرامته وتعزيز حضوره الإنساني الذي يتقدّم على ما عداه في الحياة.
“محكمة” تتفرّد بنشر هذا الحكم كاملًا لأهمّيته الإنسانية بالدرجة الأولى وللمعالجة القانونية التي وردت في سطوره:
“باسم الشعب اللبناني
إنّ محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان الغرفة الثانية (مقرّها بعبدا) الناظرة في قضايا الأحوال الشخصيَّة، والهيئة برئاسة القاضي يحيى غبورة وعضوية القاضيين يارا سمعان مكلفة ورندلى زغيب؛
لدى التّدقيق والمذاكرة،
تبيَّن أنّه في تاريخ 2022/6/23 تقدَّمت المدعية ن. ح. م.، وكيلها المحامي(…)، باستحضار أمام هذه المحكمة بوجه الدولة اللّبنانيّة، عرضت فيه أنها في تاريخ 2000/6/1 تزوجت من اللبناني خ. ف. ع. المدوّن في محلة(…) سجل رقم /1/، وأنه في تاريخ 2009/6/25 صدر حكم عن القاضي المنفرد في بعبدا الناظر في قضايا الأحوال الشخصية برقم 2009/288 قضى بقيد زواج المدعية المكتومة القيد من المدعو خ. ع. وبتصحيح وضعه العائلي ليصبح متأهلاً منها بدلاً من أعزب، وقد جرى تنفيذ القرار أصولاً على خانته وأدرجت المدعية كزوجة في خانة الملاحظات،
وأدلت في القانون انه يقتضي إكسابها الجنسيّة اللّبنانيّة بالزواج سنداً لأحكام المادة /5/ من القرار 1925/15 المعدّل بالقانون تاريخ 1960/1/11 والتي تنصّ على أن المرأة الأجنبيَّة التي تقترن بلبناني تصبح لبنانيّة بعد مرور سنة على تاريخ تسجيل الزواج في قلم النفوس دون أن تحدّد الآليَّة الواجب اعتمادها للتسجيل المذكور،
وخلصت إلى طلب:
– إصدار القرار بمنحها الجنسية اللبنانية وقيدها على خانة زوجها في محلّة(…) سجّل رقم /1/،
– تضمين المدعى عليها الرسوم والأتعاب والنفقات كافة؛
وتبيَّن أنه في تاريخ 2024/11/14 تقدَّمت المدعى عليها الدولة اللّبنانيّة، ممثّلة برئيس هيئة القضايا في وزارة العدل، وكيلها المحامي(…)، بلائحة جوابية أولى عرضت فيها أنّها تتبنّى مطالعة كل من المديرية العامة للأحوال الشخصية والمديرية العامة للأمن العام لناحية أنه لا مانع من منح المدعية الجنسية اللبنانية؛
وتبيَّن أنه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2025/9/25 حضرت الأستاذة(…) من مكتب الأستاذ(…) عن المدعية ولم تحضر الدولة اللبنانية وهي مبلغة، فتقرّر محاكمتها، واختتمت المحاكمة؛
بناء عليه
حيث إنّ المدعية تطلب الحصول على الجنسية اللبنانية سنداً لأحكام المادة الخامسة من القرار رقم /15/ تاريخ 1925/1/19 المعدلة بقانون 1960/1/11؛
وحيث إنّ المدعى عليها لم تمانع إجابة المحكمة لمطلب المدعية وبالتالي منحها الجنسيَّة اللبنانيَّة كون الشروط التي تفرضها المادة /5/ من القرار المذكور متوافرة؛
وحيث إنّ المادة /5/ من القرار 15 تاريخ 1925/1/19 المعدلة بالقانون تاريخ 1960/1/11 تنصّ على أن المرأة الاجنبيّة التي تقترن بلبناني تصبح لبنانيّة بعد مرور سنة على تاريخ تسجيل الزواج في قلم النفوس بناءً على طلبها،
وحيث إنّ المرأة المكتومة القيد هي قبل كل أمر إمرأة أيّ إنسان يتمتّع بحقوق الإنسان المكرّسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الذي هو جزء من الدستور اللبناني) ولا سيّما المادة 15 منه التي تنصّ على أنّه لكلّ فرد حقّ التمتّع بجنسية ما، وتلك المكرّسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولا سيّما المادة 24 منه، وهي بالتالي إما أن تكون لبنانية أو أجنبية ولا يمكن اعتبارها لا هذه ولا تلك لما في ذلك من افتئات على حقوقها كإنسان بالدرجة الأولى متساوٍ في الكرامة والحقوق مع الجميع،
وحيث يتوافر أحد شرطي المادة 5 المشار إليها أعلاه ويبقى ضرورة التأكد من الشرط الثاني، ألا وهو تسجيل الزواج وانصرام المدّة،
وحيث لا مندوحة من الرجوع إلى سبب اشتراط المشرّع هكذا شرط، فهل هَدَفَ المشرع اشتراط المعاملة الإدارية لذاتها، بحيث لا يمكن لا التحرّر منها ولا الاستعاضة بسواها ممّا يحقّق مراميها، أم أنّ له مأرباً آخر تجسّده المعاملة الإدارية المشترطة؟
وحيث يقتضي الانطلاق أوّلاً من أنّ المحكمة ليست أمام نصّ عقابي بحيث يُحرَّم عليها تفسيره تفسيراً واسعاً أو القياس عليه، بل إنّه يمكنها، لا بل من واجبها، البحث في غائية النصّ والغوص في روحه،
وبالفعل، فإنّه لا يردّ على التساؤل أعلاه سوى أنّ المشرّع أراد أن يجهض محاولات الزواج الصوري بتاريخ غير صحيح، بحيث يأتي الزوجان فيتزوّجان اليوم ويزعمان أنّهما متزوجان منذ ما يربو على السنة، ويوحيان أنّ زواجهما جدّي ومستقرّ، في حين قد يكون هدفه الوحيد اكتساب الجنسية اللبنانية، فتحول عندها معاملة التسجيل الذي يعطي حتماً تاريخاً صحيحاً، وانصرام المدّة بعده، دون محاولات الالتفاف على قواعد اكتساب الجنسية بالزواج، أو أقلّه تخفّف منها،
وحيث، بات معلوماً لدى الكافة أنّ الإدارة لا تسجّل زواج مكتومة القيد، فتلجأ الأخيرة إلى القضاء، فيضع القاضي المنفرد إشارة في النفوس لقيد الزواج وتسجيل الأولاد إن وجدوا، وهذا ما فعلته المدعية،
وحيث، ولئن لم تكن هذه العملية متطابقة كلّياً مع تسجيل الزواج، إلّا أنّها متجانسة معه وتحصل بعد الزواج حتماً الذي يتأكّد القضاء من صحّته وجدّيته، وهذا ما أورده القاضي المنفرد في قراره المبرز في الملفّ، كما أنّه اطلع فعلياً “على ناصية حال الأولاد المطلوب قيدهم”،
وحيث إنّ المدعية قد تزوّجت من خ. ف.ع. اللبناني الجنسيَّة بتاريخ 2000/6/1 وقد تمَّ قيد زواجهما على قيد هذا الأخير بتاريخ 2009/6/25 بموجب قرار صادر عن القاضي المنفرد الناظر في قضايا الأحوال الشخصية في بعبدا برقم 2009/288، ممّا يعنى أنّه قد مضى أكثر من سنة على تاريخ قيد زواج المدعية من زوجها اللبناني، علماً أنّ زواجها منعقد منذ 25 عاماً وقد استولدها زوجها أربعة أولاد، بكرهم عمره 24 عاماً، وإنّ جدّية زواجها واضحة من تحقيق الأمن العام المرفق، فضلاً عن أنّها توسّلت كلّ ما هو متاح أمامها لتسجيل زواجها، فحصلت على القيد القضائي الموصوف أعلاه، فلا تكلّف إلّا وسعها وفق الآية الكريمة المكرّرة بالمثل الفرنسي A l’impossible nul n’est tenu،
وعليه، تكون شروط المادة /5/ من القرار رقم 1925/15 متوافرة بالكامل، ويقتضي بالتالي منح المدعية الجنسيَّة اللبنانيَّة وقيدها على خانة زوجها خ. ف.ع. رقم سجله /1/(…)؛
لذلك،
تحكم بالإجماع:
أولاً: باعتبار المدعية ن. ح. م. لبنانيّة وبقيدها على خانة زوجها خ. ف. ع. رقم سجله /1/(…).
ثانياً: بإبلاغ من يلزم.
ثالثاً: بتضمين المدعى عليها نفقات المحاكمة.
حكماً صدر وأفهم علناً في بعبدا بتاريخ 2025/10/28.
“محكمة” – الإثنين في 2025/11/24
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink).
كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها “الفايسبوك”، و”الواتساب”، و”اكس”، و”الإنستغرام”، و”التلغرام”، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو “ChatGPT”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر.
ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في “محكمة” وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة “محكمة”.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.