أبرز الأخبارعلم وخبر

إضراب القضاة يدخل شهره الثالث: تعزيز قطاعات وإهمال القضاء.. والمحامون والموقوفون يدفعون الثمن/علي الموسوي

علي الموسوي:
يحار المحامون والمتقاضون في توصيف تغيّب أغلبية القضاة عن العدليات والمحاكم، ويطلقون على ذلك تسميات مختلفة منها “اعتكاف”، و”إضراب”، و”توقّف قسري عن العمل”، و”استنكاف عن إحقاق الحقّ”، وفي جميع الحالات مرفق العدالة معطّل حتّى زيادة الرواتب وتعزيز الأقلام والمحاكم بالقرطاسية والأوراق الضرورية، وإعادة الرونق إلى قصور أغلبها ليس له من هذا الاسم المغري سوى الصفة، فيما واقع الحال لا تليق هذه القصور بالداخلين إليها يوميًا من قضاة “في زمن العزّ والعمل”، ومحامين ومتقاضين.
أمّا مطلب ما يسمّى بـ”استقلالية القضاء” باعتباره سلطة ثالثة فلا يغيب عن البال، لكنّ الممارسة على مرّ السنوات، أثبتت أنّ القضاء خاضع للسياسيين ولا سيّما في الملفّات الكبيرة، وليس مستقلًا إلّا في ما ندر في تصرّفات بعض القضاة!
وفيما دخل اعتكاف القضاة شهره الثالث على التوالي “بنجاح كبير” بعدما بوشر بعرضه في 16 آب 2022، دون أن تعيره السلطة السياسية أيّة أهمّية، يبدو أنّه مستمرّ إلى أجل غير محدّد، لانعدام الحلول والقدرة على التوصّل إلى تفاهمات مرضية.
فالقضاة مصرّون على رواتب عالية، وقد كانت في السابق من الرواتب الكبيرة في الدولة مع أنّ هناك قضاة يقبضون ولا يعملون، وقضاة يرهقون أنفسهم في عقد الجلسات وإصدار القرارات والأحكام ويدفعون الثمن من صحّتهم ويؤمنون بأنّ رسالتهم مقدّسة،
والحكومة غير مستعدة لتلبية هذا المطلب المالي الرئيسي لعدم وجود موارد كافية في “خزينتها المفلسة”، ولعدم قدرتها على الإنفلاش خشية أن تصبح زيادة الرواتب والقبض بالدولار الأميركي مطلبًا لدى بقيّة موظّفي القطاع العام.
وتتكاثر التحليلات لتخلّي الدولة عن القضاء، فيما التاريخ بما يحمل من أمثلة وشواهد عديدة، يقول إنّ لا دولة قوية وقادرة من دون قضاء عادل، وإنّ الأوطان لا تبنى بالشكل السليم إلّا تحت راية القضاء القوي، لذلك وجب السؤال هل يقوم القضاء بعمله على أكمل وجه في الملفّات الكبيرة التي تهمّ الرأي العام والتي تساعد في بناء الدولة القوية كاستئصال الفساد وملاحقة الفاسدين؟!
يؤكّد قضاة أنّهم لن يعودوا إلى “بيت العدالة”، فيما يرى آخرون أنّ القضاء لا يعلن الإضراب، وأنّ العناد لن يوصل إلى نتيجة، فبسبب الاعتكاف تخسر المالية العامة وصندوق تعاضد القضاة الكثير من الأموال، بينما العودة إلى العمل يمكن أن تنعكس إيجابًا على القضاة أنفسهم وبما يعزّز رواتبهم ويصبّ في إزالة النفايات المكدّسة في المحاكم والعدليات.
ويؤكّد قضاة أنّهم لن يقبلوا برواتبهم الضئيلة حاليًا بعد انهيار القدرة الشرائية للعملة الوطنية واستفحال الغلاء، وبأنّهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء “تجويع” أولادهم و”تشليحهم” أمنهم الصحّي، أو صرف ما ادخروه في “زمن العزّ والرزّ”، فيما تمتلئ مواقع التواصل الإجتماعي بصور أسفار قضاة ونزولهم في فنادق فخمة، فكيف بمن لا يمتلك ثمن صفيحة بنزين ليصل إلى محكمة تبعد عن منزله قليلًا أن يشتري تذكرة سفر؟! وطبعًا التعميم غير جائز لأنّ مظاهر الثراء لا تطال كلّ القضاة.
وتقترح الحكومة أن يقبض القضاة ثلاثة أضعاف رواتبهم الشهرية كما هو حال بقيّة الإدارات والوظائف في القطاع العام، وكما هو وارد في قانون الموازنة العامة، وهو حلّ لا يرضي القضاة في ظلّ تخطّي سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء الأربعين ألف ليرة، وفي ظلّ سخاء الحكومة على موظّفي “مجلس الإنماء والإعمار”، و”مصرف لبنان”، و”شركة طيران الشرق الأوسط”، و”المنشآت النفطية”، و” معهد البحوث”، و”وزارة الإتصالات”، وشركتي الخليوي “تاتش” و”ألفا”، و”إدارة حصر التبغ والتنباك –الريجي” بالليرات والدولارات، وقد زيدت رواتب هؤلاء بشكل كبير ولم تعد تقتصر على الليرة، بل صارت مطرّزة بالدولار الأميركي أيضًا.
وكيف يمكن للحكومة أن تقنع قاضيًا يصل راتبه إلى ستّة ملايين ليرة بالذهاب إلى العمل، فيما راتب موظّف فئة رابعة في “الريجي” يتراوح بين 10 ملايين و12 مليون ليرة و500 دولار أميركي؟!
وكيف السبيل إلى حثّ قاض بالتوجّه إلى عدلية تبعد عن منزله سبعين كيلومترًا مثلًا، ولا تصله أيّة مساعدة إجتماعية، ويعرف بشكل مؤكّد أنّ العسكري برتبة مؤهّل في الجيش اللبناني يتلقّى 17 صفيحة بنزين، وتنخفض إلى 12 صفيحة بنزين للعنصر بالرتبة نفسها في قوى الأمن الداخلي، كما أنّ الملازم في القوى الأمنية ينال 25 صفيحة بنزين(ما يعادل 17 مليونًا وخمسماية ألف ليرة إذا ما جرى احتساب سعر الصفيحة بـ 700 ألف ليرة)، فيما ممنوع على القاضي أن يحظى بصفيحة بنزين واحدة، ويستثنى من ذلك القضاة العدليون العاملون في القضاء العسكري؟ فهل يجوز السخاء على جهات معيّنة والشحّ على القضاء وهو العمود الفقري لقيام الدولة؟!
وليس صحيحًا ما روّج له في بعض مواقع التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام من تخصيص القضاة بـ”بونات بنزين”، فهو خبر سرعان ما تبخّر وتبيّن عدم صحّته ودقّته وأن لا وجود له في الأساس.
ويعتبر قضاة أنّ كرة الحلّ بيد السلطة السياسية التي تتصدّى لمطالبهم بـ”أذنها الطرشاء” وكأنّها لا تريد أن تسمع، مع أنّ نقيبي المحامين في بيروت وطرابلس ناضر كسبار وماري تراز القوّال بذلا جهودًا مضنية مع رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي لحلحة العقد، وإزاء تعنّت الحكومة إندفع القضاة إلى التمسك أكثر باعتكافهم ولو على حساب الموقوفين والملفّات الطارئة والمستعجلة التي فقدت عامل العجلة، فكان أن دفع الثمن المحامون والموقوفون الذين يمكن أن يكون بينهم أبرياء، ويمكن أن يكون بينهم من أمضى محكوميته قبل أن يصدر الحكم في حقّه، ويمكن أن يكون بينهم من يستحقّ أن يخلى سبيله عملًا بالقانون.
فهل من سبيل إلى حلّ يعيد الحياة إلى العدليات ويساعد في إعادة الروح إلى الوطن؟
“محكمة” – الإثنين في 2022/10/17

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!