إضراب المساعدين القضائيين بين الحق المشروع وضرورة استمرارية المرفق/وليد حدرج
المحامي د. وليد حدرج:
يشهد القطاع القضائي اللبناني أزمة متفاقمة تتجلى في إضرابات المساعدين القضائيين المتكررة، والتي تعكس صراعاً عميقاً بين حقوق العاملين في هذا القطاع الحيوي من جهة، وضرورة استمرار مرفق العدالة كخدمة أساسية للمواطنين من جهة أخرى. هذه الأزمة تطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين الحق في الإضراب وواجب ضمان سير العدالة، وتستدعي حلولاً مبتكرة تحفظ كرامة العاملين وتضمن حقوق المتقاضين.
يمثل المساعدون القضائيون الجهاز العصبي للمنظومة القضائية اللبنانية، حيث يتولون مهاماً جوهرية تشمل إدارة الملفات، تنظيم الجلسات، تبليغ الأحكام والمراسلات القضائية، وحفظ السجلات. دونهم، تتوقف عجلة العدالة بالكامل، إذ لا يمكن للقضاة ممارسة عملهم بفعالية في غياب هذا الدعم الإداري والتنظيمي الحاسم. رغم أهميتهم البالغة، يعاني المساعدون القضائيون من تدهور في أوضاعهم المعيشية والمهنية. فقد أدى الانهيار الاقتصادي اللبناني إلى تآكل قيمة رواتبهم بشكل دراماتيكي، حيث لم تعد كافية في مرحلة معينة لتغطية الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية. يضاف إلى ذلك غياب الحوافز والتعويضات العادلة، وتدني ظروف العمل، وانعدام آفاق التطور الوظيفي، ما دفعهم إلى اللجوء للإضراب كوسيلة وحيدة للتعبير عن مطالبهم.
من منظور حقوقي، تندرج مطالب المساعدين القضائيين ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. الحق في أجر عادل يضمن حياة كريمة، الحق في ظروف عمل لائقة، والحق في الضمان الاجتماعي والصحي، جميعها حقوق كرستها المواثيق الدولية والدستور اللبناني. عندما تُنتهك هذه الحقوق بشكل منهجي، يصبح الإضراب حقاً مشروعاً وأداة ضغط ديمقراطية معترفاً بها دولياً.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل التأثير الخطير لهذه الإضرابات على المتقاضين ومرفق العدالة ككل. فالعدالة المؤجلة هي عدالة منقوصة، والتأخير في البت بالقضايا يعني تراكم الملفات، وتعطيل حقوق المواطنين، وإطالة أمد معاناتهم. هناك فئات محددة تتضرر بشكل خاص من تعطل مرفق العدالة، منها الموقوفين الذين ينتظرون البت في قضاياهم، كما أن التعطيل المستمر يقوض ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية ويعزز اللجوء إلى وسائل بديلة غير رسمية لحل النزاعات.
المعضلة الحقيقية تكمن في إيجاد صيغة توازن بين حق المساعدين القضائيين في ظروف عمل كريمة وحق المواطنين في الوصول إلى العدالة. هذا يتطلب رؤية شاملة ومقاربة متعددة الأبعاد تعالج جذور الأزمة بدلاً من أعراضها.
أولاً، يجب على الدولة اللبنانية الاعتراف بأن الاستثمار في القطاع القضائي ليس ترفاً بل ضرورة وطنية. إن تحسين رواتب وظروف عمل المساعدين القضائيين يجب أن يكون أولوية في أي خطة إصلاح، مع ربط الرواتب بمؤشرات غلاء المعيشة لحمايتها من التضخم. كما ينبغي توفير حزمة حوافز شاملة تتضمن التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والبدلات المناسبة.
ثانياً، يمكن استكشاف آليات إضراب جزئي أو متدرج تحفظ الحد الأدنى من الخدمات القضائية الأساسية، مثل القضايا العاجلة والحالات الإنسانية، مع الاستمرار في الضغط لتحقيق المطالب. هذا النموذج، المعتمد في بعض الدول الأوروبية، يتيح للعاملين ممارسة حقهم في الإضراب مع الحد من الأضرار على المواطنين.
ثالثاً، إنشاء آلية حوار دائمة ومؤسساتية بين ممثلي المساعدين القضائيين والسلطة القضائية والحكومة، تسمح بمعالجة المشاكل قبل تفاقمها واللجوء إلى الإضراب. هذه الآلية يجب أن تكون مزودة بصلاحيات حقيقية وليست مجرد منصة للاستماع دون متابعة.
رابعاً، ضرورة إصلاح هيكلي شامل للقطاع القضائي يشمل رقمنة الإجراءات، تحديث البنى التحتية، وتوفير الموارد اللازمة. هذا من شأنه تحسين كفاءة العمل وتخفيف الأعباء على المساعدين القضائيين، مما يحسن ظروفهم المهنية ويرفع جودة الخدمة المقدمة.
يطرح إضراب المساعدين القضائيين إشكالية دستورية معقدة تتمثل في تصادم مبدأين أساسيين. فمن جهة، يكفل الدستور اللبناني حق العمال في الدفاع عن مصالحهم المشروعة، وهو ما يتضمن ضمنياً حق الإضراب كوسيلة للضغط النقابي. ومن جهة أخرى، ينص الدستور على استقلالية القضاء وضرورة استمرار المرافق العامة الأساسية، والقضاء يُعتبر من أهم هذه المرافق لارتباطه المباشر بحقوق المواطنين وحرياتهم. هذا التضارب الظاهري يستدعي تطبيق مبدأ التوفيق بين الحقوق، حيث لا يجوز أن يُلغي حق حقاً آخر بالكامل. الحل القانوني السليم يكمن في إيجاد معادلة تحترم كلا الحقين، وهو ما يتطلب تشريعاً خاصاً ينظم حق الإضراب في القطاع القضائي بما يضمن الحد الأدنى من الخدمات الأساسية دون إفراغ حق الإضراب من مضمونه.
إن الاستثمار في العاملين بالقطاع القضائي هو استثمار في العدالة ذاتها، وفي استقرار المجتمع وثقة المواطنين بمؤسساتهم. والوقت قد حان لأن تدرك السلطات اللبنانية أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على أكتاف مظلومين، وأن الحفاظ على مرفق العدالة يبدأ بالعدل مع من يديرونه. إن أزمة إضراب المساعدين القضائيين في لبنان ليست مجرد نزاع عمالي عابر، بل هي عَرَض لأزمة أعمق تتعلق بانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين. حين تفشل الدولة في حماية أبسط حقوق موظفيها، وحين يصبح الإضراب الخيار الوحيد للحصول على الكرامة الإنسانية، فإن المشكلة تتجاوز القطاع القضائي لتشمل الثقة في المؤسسات والنظام برمته.
الحل الدائم والمستدام يتطلب إعادة بناء هذا العقد الاجتماعي على أسس جديدة من العدالة والشفافية والمسؤولية. يتطلب إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، وموارد مالية كافية، وتشريعات عادلة، وثقافة مؤسساتية تحترم كرامة الإنسان. يتطلب أيضاً مشاركة فعالة من جميع الأطراف المعنية، من موظفين ومسؤولين ومواطنين، في صياغة رؤية مشتركة لقطاع قضائي عادل وفعال ومستدام. العدالة ليست مجرد قرارات قضائية وأحكام قانونية، بل هي منظومة متكاملة تشمل كل من يساهم في تحقيقها، من القاضي إلى المحامي إلى المساعد القضائي. وحين نعامل أي فئة من هؤلاء بظلم وإجحاف، فإننا نهدم أركان العدالة ذاتها. الطريق نحو قضاء فعال ومستقر يبدأ بالعدل مع العاملين فيه، وبضمان حقوقهم وكرامتهم. وهذا ليس ترفاً أو خياراً، بل ضرورة وطنية ومسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق الجميع.
“محكمة” – الاثنين في 2026/2/2



