علم وخبر

إنتهاك فاضح للدستور/رئيف خوري

الدكتور رئيف خوري*:
نشر الاستاذ الجامعي ومستشار أحد الوزراء الدكتور عصام اسماعيل ، على موقع مجلة “محكمة” الالكتروني ، بتاريخ السادس من ايلول 2025 ، مقالة بعنوان: “المقاومة من القضايا المصيرية التي يخرج التقرير بشأنها عن اختصاص مجلس الوزراء”.
المغالطات الدستورية
تضمن المقال بعض النقاط المثيرة للنقاش لما يعتريها من مغالطات دستورية ، حيث جاء طرحها على خلفية سياسية بحتة وإن غلفت بغلاف دستوري ، ومنها النقاط التالية :
– ” للمقاومة جمهور وازن يؤمن بمشروعيتها المستمدة من وثيقة الوفاق الوطني التي ميزت بين المقاومة والميليشيا حيث كان واضحاً هذا التمييز في التفسير الوارد في محاضر مجلس النواب ” .
– تتالت ” البيانات الوزارية لحكومة سليم الحص والرئيس عمر كرامي المعلنة تأييدها للمقاومة “.
– إن ” وثيقة الوفاق الوطني اقرت بوجود المقاومة وميزتها عن ميليشيات الحرب ، ولهذا لا يصح عند الحديث عن حصر السلاح وسحبه من المقاومة أن تسند الحكومة قرارها الى وثيقة الوفاق الوطني، فهذا ادعاء في غير محله واسناد غير موفق ” .
– ” جمهور وازن من الشعب اللبناني يرى ان استمرارية المقاومة مرهون باستمرار الاحتلال او بجهوزية الدولة للدفاع عن مواطنيها ” .
– ” من هذه الوجهة لم يكن ممكناً التعاطي مع المقاومة على انها شأن تنفيذي يمكن لمجلس الوزراء ان يتصدى له ، بل هي من القضايا المصيرية ” .
– وثيقة الوفاق الوطني ” قد اخرجت النظر بالقضايا المصيرية من صلاحيات الحكومة لأنها قد لا تكون مؤهلة للنظر في القضايا الكبرى ، لهذا قررت عدم منح صلاحية التقرير بشأنها الى مجلس الوزراء ، بل نصت صراحة على انه يدخل ضمن صلاحية مجلس الشيوخ البت في القضايا المصيرية”
– ” ولما كانت قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بسحب السلاح ظاهرها قرارات بريئة ، وفي مضمونها هي مشروع خطير لما قد يؤدي الى صدام داخلي لا احد يتكهن الحدود التي يمكن ان يصل اليها ، بحيث تكون قرارات مجلس الوزراء في مضمونها قضية مصيرية تتصل بمسألة مهددة للكيان كله “.
– ” فإن هذه القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تتعدى كونها توصيات غير ملزمة، وعلى الحكومة رفع تقريرها وتوصياتها الى مجلس الشيوخ للبت بها بصفته المرجع الدستوري المناط به حصرا النظر في القضايا المصيرية ” .
– ” وحيث إنّ مجلس الشيوخ لم يتشكّل حتى تاريخه ، فإنّ الصلاحية تعود الى مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية الاصيلة المنبثقة مباشرة عن الشعب والمناط به دستوريا صلاحية التشريع في كافة الميادين ” .
البيانات الوزارية إعلانات سياسية لا قيمة دستورية لها
يستند المقال المشار اليه الى البيانات الوزارية التي تعلنها الحكومات في بداية الجلسات العامة لمجلس النواب المخصصة لنيل الثقة ، ليستنتج استنتاجات غير دستورية ، ومنها ما استنتجه الكاتب حول شرعية غير دستورية تتعلق بالانتقاص من سيادة الدولة على اراضيها ، والانتقاص من واجبها بـبسط سلطتها ، وتنفيذها للقانون بقواها الذاتية من دون اي شريك لها.
واذا كانت الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور قد نصت بانه ” على الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها ” ، الا انه لا يوجد اي نص في الدستور اللبناني يضفي على البيانات الوزارية أيّ قيمة دستورية ، بحيث تبقى خاضعة لتقدير أكثرية نواب المجلس النيابي السياسي وليس الدستوري.
فوفقاً للمادة 70 من الدستور يجوز لأغلبية ثلثي مجلس النواب ان تتهم الحكومة والوزراء بالاخلال بواجباتهم المترتبة عليهم ، لكن النص الدستوري لم يربط الاتهام بمخالفة هؤلاء للبيان الوزاري الذي يبقى بجوهره اعلاناً سياسياً خالصاً لا يتمتع بأيّ قيمة دستورية محددة له .
من المسلم به علما انه في ” دولة الحقوق ” تخضع جميع اعمال الدولة للرقابة القضائية.
فقوانين المجلس النيابي تخضع لرقابة المجلس الدستوري ، واقرار مجلس النواب لنظامه الداخلي أصبح أيضاً يخضع في الدول الديمقراطية للرقابة القضائية (حتى ان تلزيم الكافيتريا في البرلمان يخضع للرقابة القضائية).
كما ان قرارات مجلس الوزراء واعماله تخضع للرقابة القضائية في لبنان ، وفي فرنسا على سبيل المثال، وصلت الرقابة القضائية لاخضاع بعض اعمال رئيس الجمهورية .
غير ان البيانات الوزارية تـتـفـلت من اي رقابة قضائية ما عدا رقابة مجلس النواب السياسية ليس الا. فلا يمكن الاعتداد بأي قيمة دستورية لها للنفاذ من خلالها لاضفاء الشرعية الدستورية على اي عمل يتولاه اي تنظيم ينتقص من سيادة الدولة .
كما ان البيانات الوزارية تتغير بتغير الظروف السياسية الداخلية والاقليمية ، بينما يتمتع النص الدستوري بثبات نسبي خلال الزمن لا سيما عند وجود دساتير جامدة غير مرنة. بحيث تتبدل البيانات الوزارية بتبدل الحكومات ، وإثر ما يلحق الاكثرية النيابية من تغيير من مجلس لآخر ، لا بل احياناً مع تبدل سياسة البرلمان الواحد كما حصل مع المجلس النيابي المنتخب في العام 1972 الذي أقرّ إتفاق 17 أيّار بأكثرية موصوفة وعاد هو ذاته فألغاه.
على ذات المنوال إن تصريحات النواب (تم ذكر تصريح النائب زاهر الخطيب) سواء المؤيدة او المعارضة منها لأي عمل من اعمال الحكومة، أو لأي موقف عام ، تعتبر ذات طابع سياسي بحت لا قيمة دستورية لها ، ولا يمكن الاستناد اليها لاضفاء الشرعية الدستورية على عمل يتولاه تنظيم ما.
إن البيانات الوزارية التي تعد الحكومة البرلمان بتنفيذها هي في جوهرها عناوين عامة عريضة فضفاضة لا تتضمن التفاصيل الدقيقة ، وينقصها الوضوح ، ولا تتضمن الخطط المطلوب تحقيقها من حكومة مبتدئة جديدة جرى تأليفها قبل 30 يوماً. كما ان البرلمان لا يصوت على مضمونها ومحتوياتها بنداً بنداً، وعلى كل عنوان على حدة ، بل يصوت مجلس النواب عليها كمادة ” خام ” يحتاج كل عنوان عريض أدرج فيها الى اعادة النظر او الى مشاريع قوانبن لبلورتها ووضعها موضع التنفيذ، لدرجة ان بعض البلدان العريقة بالديمقراطية كفرنسا وبريطانيا تنتقص حتى من القيمة “السياسية” للبيان الوزاري وتقلل حتى من اهميته السياسية.
ففي فرنسا، حيث يعدّ البيان الوزاري ” خطاب السياسة العامة ” لم يعد دستور الجمهورية الخامسة يربط نيل الثقة بالبيان الوزاري . بحيث إنّ الدستور لا يلزم رئيس الحكومة ، بموجب المادة 49-1 من الدستور الفرنسي ، على طرح التصويت لنيل الثقة بحكومته وفقا لما جاء في البيان . فطرح الثقة يبقى حقاً إختيارياً طوعياً لرئيس الحكومة مما يفقد البيان الوزاري حتى من قيمته السياسية الكاملة. كما ان رئيس الحكومة يتمتع بحرية اكبر حيث يمكنه البدء في ممارسة صلاحياته ، وبدء حكومته الجديدة المشكّلة حديثاً بالعمل ، من دون التصويت على الثقة ، أي من دون أي تأثير سياسي لما ورد في البيان الوزاري.
ويقدّم البيان في بريطانيا سنوياً باسم الملك “خطاب الملك ” بعد ان تكون الحكومة قد اعدت كامل نقاطه ، ويتمتّع بطابع احتفالي لعلاقته بالعرف ، بحيث يركز على مقاربة القوانين والمشاريع الجديدة التي ستطرحها الحكومة في الدورة البرلمانية المقبلة من دون اي تصويت على الثقة.
آخراً، من باب الاستفاضة في النقاش النظري ليس الا ، وعلى افتراض ان ثمة حكومة بغيضة ما ، قد تم تشكيلها ” بسقطة ” سياسية معينة بظروف قاسية نتيجة لصراع سياسي حاد غريب في البلاد ، ولم تكن ” حكومة توافقية ” على جري العادة . بادرت وتولت في بيانها الوزاري الى الاعلان بانها ألغت مثلا الفقرة الثالثة من المادة 44 من الدستور ، فقلّصت حصانات رئيس المجلس النيابي الممنوحة له في الدستور ، فأعلنت ان ولايته تمتد لسنة واحدة فقط بدلاً من اربعة سنوات ، لتضيف بان الثقة تطرح به فور الطلب وتنزع عنه بالغالبية البسيطة للحاضرين بدلا من ثلثي اعضاء المجلس النيابي ، فهل يمكن ان يعطى لهكذا ” هرطقة ” سياسية قيمة دستورية لأنّ البيان الوزاري قد تضمنها؟!.
حدد الدستور صلاحية البت بالقضايا المصيرية
لقد اورد الكاتب في مقاله النقاط الآتية:
” لم يكن ممكناً التعاطي مع المقاومة على انها شأن تنفيذي يمكن لمجلس الوزراء ان يتصدى له ، بل هي من القضايا المصيرية”، ليضيف كاتب المقال بأن وثيقة الوفاق الوطني:
” قد اخرجت النظر بالقضايا المصيرية من صلاحيات الحكومة لأنها قد لا تكون مؤهلة للنظر في القضايا الكبرى ، لهذا قررت عدم منح صلاحية التقرير بشأنها الى مجلس الوزراء ، بل نصت صراحة على انه يدخل ضمن صلاحية مجلس الشيوخ البت في القضايا المصيرية ”
ليعود الكاتب فيأتي على ايراد النص التالي:
” فإن هذه القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تتعدى كونها توصيات غير ملزمة ، وعلى الحكومة رفع تقريرها وتوصياتها الى مجلس الشيوخ للبت بها بصفته المرجع الدستوري المناط به حصرا النظر في القضايا المصيرية ” .
ازاء هذه المفاهيم السياسية البعيدة كلّياً عن الدستور، وعن المبادىء العامة الدستورية ، وعن روح الدستور ونصه ، وعن مفهوم سيادة الدولة ، لا بد من توضيح النقاط التالية:
– يتصدّى مجلس الوزراء مجتمعاً لأي شأن تنفيذي بما فيه القضايا المصيرية.
– تناط بمجلس الوزراء وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ، واتخاذ القرارات اللازمة.
– ويناط به السهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل اجهزة الدولة بلا استثناء.
– لقد حددت الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور المواضيع الاساسية اي القضايا المصيرية التي تحتاج لـلبتّ بها الى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء.
– كما حددت المادة الدستورية المذكورة بعض القضايا المصيرية ومنها اعلان الحرب والاتفاقات الدولية .
– ولمجاراة الافتراض بأنّ المقاومة هي من القضايا المصيرية ، عندها ايضا يعود لمجلس الوزراء صلاحية البت بشأنها لتعلق امرها واعمالها بموضوع اعلان الحرب ، وبموضوع الاتفاقات التي قد تجرى لاحلال السلم والاستقرار.
– كما انه بعد أن ادرجت اغلب نقاط وثيقة الوفاق الوطني في الاصلاحات الدستورية (المنشأة بالقانون الدستوري الصادر بتاريخ 1990/9/21)، واصبحت نصاً دستورياً تتضمنه المواد الدستورية، اصبح من الواجب الاسناد الى النص الدستوري بحد ذاته، وليس ابداً الاسناد الى وثيقة الوفاق الوطني التي هي بجوهرها اعلان سياسي لا يرقى الى مرتبة النص الدستوري الملزم.
– ولا بأس من التذكير بأن مجلس النواب لم يأخذ بجميع التعديلات والاصلاحات التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني (منها منح المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور)، بل استثنى “سياسياً” بعض ما ورد ضمن هذه الوثيقة ، مما ابقى طابعها السياسي وليس الدستوري.
– لا يستثني النص الدستوري شؤون ” المقاومة ” ويخرجها من صلاحيات مجلس الوزراء ، لا بل يمنح الاخير كامل الصلاحيات للبت بجميع المسائل العسكرية والامنية والادارية والقانونية على مختلف انواعها.
– بكل الحالات لم تخرج وثيقة الوفاق الوطني صلاحية النظر بالقضايا المصيرية من الحكومة ، ولم تعتبر هذه الوثيقة بتاتاً انه من الممكن ان تتشكل حكومات قد لا تكون مؤهلة للنظر في القضايا الكبرى سواء تمت تسميتها ” المواضيع الاساسية”، أو “القضايا المصيرية”.
مجلس الشيوخ غير المتوفر
إسترسل كاتب المقال معتبراً أنّ وثيقة الوفاق الوطني ” قررت عدم منح صلاحية التقرير بشأن القضايا المصيرية الى مجلس الوزراء ، بل نصت صراحة على انه يدخل ضمن صلاحية مجلس الشيوخ البت في القضايا المصيرية “.
ليضيف بأن ” القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تتعدى كونها توصيات غير ملزمة، وعلى الحكومة رفع تقريرها وتوصياتها الى مجلس الشيوخ للبت بها بصفته المرجع الدستوري المناط به حصراً النظر في القضايا المصيرية “.
ليستنتج كاتب المقال بأنه ” وحيث ان مجلس الشيوخ لم يتشكل حتى تاريخه ، فإنّ الصلاحية تعود الى مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية الاصلية المنبثقة مباشرة من الشعب والمناط به دستوريا صلاحية التشريع في كافة الميادين”.
لم يذكر الكاتب وهو الضليع في علم المنهحية واستاذ الابحاث العلمية ورسائل الدكتوراه ، اين في وثيقة الوفاق الوطني ، وكيف اتت الصيغة الخطية؟ اين وكيف ورد النص المانع عن مجلس الوزراء عدم صلاحيته التقرير بشأن القضايا المصيرية ، بينما توخت وثيقة الوفاق الوطني وهدفت الى تعزيز دور مجلس الوزراء واناطت به ، وفقا للمادة 65 من الدستور ، اوسع الصلاحيات الاجرائية؟
وبما ان مجلس الشيوخ لم يتشكل حتى تاريخه ، ولا وجود لقانون انشائه، ولا تحديد لصلاحياته ، كيف يمكن رفع اي مسألة اليه؟ وكيف في ضوء المادة 65 من الدستور اعتبار ” القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تتعدى كونها توصيات غير ملزمة “؟
إن تولي الكاتب ، بتناقض رهيب مع نص المادة 65 من الدستور ، تفسير المادة 22 منه التي تنص على انه مع انتخاب اول مجلس نواب على اساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
ليتوسع كاتب المقال في تفسيره المساق وصولاً الى اعتبار مجلس الوزراء وكأنه مجرد “صندوق بريد” يرفع التوصيات الى مجلس الشيوخ ، غير الموجود وغير المحددة صلاحياته ، للبت بها بصفته المرجع الدستوري المناط به حصرا النظر في القضايا المصيرية . بحيث أقل ما يقال عن هذا الميل بأنّه تفسير مذهل وخطير لا سيما عند اعتبار مجلس الشيوخ ” مناط به حصراً ” النظر في القضايا المصيرية، مما يجعل مجلس الشيوخ سلطة اعلى من السلطة التنفيذية ، وكأن مبدأ فصل السلطات وتعاونها الدستوري قد اصابه اختلال لا بل انقلاب وارتداد مما يحول صلاحيات مجلس الوزراء تحوّلاً جذرياً ينتقص مما جاء في احكام المادة 65 من الدستور.
لا بد هنا من التوقف عند الرغبة السائدة لدى بعض القوى السياسية في لبنان التي تسعى الى الاخلال بالتوازن في ما بين السلطات الدستورية ، وخلق اعراف جديدة . ومنها بعد القول بأن مجلس الشيوخ غير موجود (امر مسلّم به)، والزعم زوراً بأن مجلس الوزراء “غير مؤهل” ومنزوع الصلاحية ، فإنّه من المتوجب أن تعود الصلاحية الى مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية الاصلية المنبثقة مباشرة من الشعب والمناط به دستورياً صلاحية التشريع في كافة الميادين.
إن اساس طرح فكرة انشاء مجلس الشيوخ هو التخفيف من الطائفية المستشرية في النظام السياسي في لبنان ، وانتخاب مجلس نيابي على اساس وطني غير طائفي ، وتسهيل التطبيق المرحلي المنصوص عنه في المادة 95 من الدستور . بينما مع القول ” بتجيير ” صلاحيات مجلس الشيوخ غير الموجود لمنحها الى مجلس النواب يراد بخلفية طائفية محضة خلق اعراف جديدة وايجاد صلاحيات تقريرية للسلطة التشريعية تجعلها تتطاول على صلاحيات السلطة التنفيذية لمجلس الوزراء.
إن عدم تحديد المادة 65 من الدستور القضايا المصيرية لا يعني انها قضايا شمولية “تتغول” على صلاحيات مجلس الوزراء وتتفوق عليه .
فالقضايا المصيرية التي قد تمنح لمجلس الشيوخ عند انشائه وتأسيسه يقصد بها تلك المواضيع التي تهم العائلات الروحية ولحماية خصوصية كل طائفة ، وتلك المواضيع ذات الصلة بالشؤون الداخلية لـكـل طـائـفـة وضمان حماية التشريعات الخاصة بها ، ولـيس ابداً ان يـحـل مجلس الشيوخ العتيد بصلاحية ” ألإشراف والتوجيه ” محل كل من السلطة التنفيذية وأو السلطة التشريعية .
ومما لا شك فيه ان القضايا المصيرية الواردة في نص المادة 22 من الدستور تتطلب تحديداً أدقّ ومفصّل بقانون دستوري لاحق عند المباشرة في تطبيق المادة المشار اليها .
إن من غايات انشاء مجلس الشيوخ ضمان الانتقال غير الطائفي ، وتسهيل المراحل المتبقية من تطبيق مواد الدستور (المادة 95) لا سيما في ما يتعلق بمسار الغاء الطائفية السياسية.
وبالتالي، فإنّ دور مجلس الشيوخ في لبنان يبتعد عن نظرائه في القوانين المقارنة ، كمجلس الشيوخ في الولايات المتحدة أو في المانيا، أو حتى في فرنسا . تلك المجالس القائمة إما على الفدرالية وحماية الولايات أو تمثيلاً لمجالس الاقاليم . بينما دوره في لبنان سيكون اقرب الى دور مجلس الشيوخ في بلجيكا الذي يحمي التوازنات ” الثقافية ” بين المجموعات اللغوية (الفلمنكية والفرنسية والالمانية ) في بلد معقّد نظامه ملكي دستوري، فيدرالي ، برلماني ديمقراطي ، يوجد فيه ست حكومات منها حكومة اتحادية واحدة وخمس حكومات محلية في الاقاليم .
بانتظار القانون الدستوري العتيد المنشىء لمجلس الشيوخ ، والمحدد بدقة لصلاحياته ولدوره ، آملين عند صدوره ونشره ان يتحلى بالحداثة والتطور ، وان يخفف هذا القانون الدستوري من غلواء الطائفية السياسية المقيتة والبغيضة والمكروهة.
لا شيء يعلو فوق الدستور
الدستور هو الصك الاعلى الذي يمثل ارادة الامة جمعاء ، والذي وفقاً لمبدأ التسلسل الهرمي يسمو على المبادىء العامة الدستورية وعلى المعاهدات والقوانين والمراسيم والقرارات .
ولا يجوز مع مبدأ سمو الدستور المكرس لسلطة الدولة على اراضيها وعلى شعبها ، التصريح بأنه اذا توفر لتنظيم ما ” جمهوره الوازن ” يعني تلقائياً توفر المشروعية الدستورية لكل ما يتولاه من اعمال حتى تلك المسماة الدفاع عن النفس.
يشير التاريخ الى عدة تنظيمات أيدها ” جمهور وازن ” في بلدانها ، كما حصل في المانيا (النازية) وايطاليا (الفاشية) واسبانيا (فرانكو) وكمبوديا (الخمير الحمر) ، غير ان اعمالها اتسمت بمعاداة الاستقرار الداخلي والسلم العالمي ، واتهمت لارتكابها جرائم ضد الانسانية، فلا يعد الجمهور المؤيد مهما بلغ من وزن مصدراً لإضفاء الشرعبة على اعمال لا يقرها الدستور ولا حتى القانون الدولي .
وارتباطاً بالقانون الدولي، يتجه البعض لتجاوز الدستور بتعمد الاسناد الى ميثاق الامم المتحدة للقول بحق مقاومة الاحتلال وحق الدفاع عن النفس.
بالتسليم المطلق ان اسرائيل دولة توسعية عدوانية ومحتلة ، غير ان المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة التي منحت المشروعية لحق الدفاع عن النفس ، نفت هذه المشروعية عنه عند ” الهجوم الاستباقي” بقصد الدفاع ( حرب الاسناد ) ، وتنص احكامها على ان حق الدفاع قد اعطي للدولة بشكل حصري ومؤقت وليس لتنظيم ما داخل الدولة مهما بلغ حجم ” جمهوره الوازن ” ، وبشرط التناسب والتزامن في ما بين العدوان واعمال الدفاع عن النفس، فأين حرب ” إسناد غزة ” التي جلبت الويلات للبنان من شروط المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة ومن مبادىء القانون الدولي؟!
الخاتمة
تتطلب المواضيع والاشكاليات الدستورية الدقة في الطرح ، والوضوح التام البعيد عن الغايات السياسية والتنظيمية ، ذلك وفقاً للمبادئ لا سيما منها مبدأ سمو الدستور ومبدأ فصل السلطات وتعاونها ، ومبدأ سلطة الدولة على اقليمها وعلى شعبها.
لذا ، عندما يصيب الزميل الدكتور عصام اسماعيل يحسب له رصيد إضافي في عقول الطلاب ولدى الحقوقيين والمتابعين ، فحذار من العثرات والكبوات الدستورية ، لأنه “هيهات منا السقطة “.

انتهاك فاضح للدستور بقلم الدكتور رئيف خوري – كامل المقال بصيغة pdf
* دكتوراه دولة في الحقوق ، دراسات عليا في القانون العام ، دكتوراه في الاقتصاد ، ليسانس في العلوم السياسية والادارية.
“محكمة” – السبت في 2025/12/13

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.