إنفجار ٤ آب وسقوط الأبنية في طرابلس.. الجريمة واحدة!/عماد جعاره
المحامي عماد جعاره:
من انفجار ٤ آب إلى طرابلس: الإهمال الممنهج، واجب الادعاء العام، وضرورة رفع الحصانات وإنصاف المتضرّرين
لم تعد الكوارث التي تصيب اللبنانيين أحداثًا منفصلة أو طارئة، بل باتت تشكّل مسارًا واحدًا من الإهمال الرسمي الممنهج الذي بلغ ذروته في انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب الذي قام به العدوّ، ويتكرّر اليوم في مدينة طرابلس مع سقوط الأبنية المتصدّعة على رؤوس ساكنيها، مخلّفًا عشرات الجرحى وعددًا ضئيلًا جدًا من الناجين.
إنّ المقاربة القانونية السليمة تفرض اعتبار هذه الوقائع وحدة التواطؤ الجرمي جريمة واحدة متكاملة، لأن الفاعل واحد، والتقصير واحد، والنتيجة واحدة: انتهاك صارخ للحق في الحياة والسكن الآمن، وتخلّي الدولة اللبنانية عن واجبها الأساسي في الحماية.
أولًا: انفجار ٤ آب وسقوط الأبنية في طرابلس – وحدة الجريمة
لقد ثبت بالوقائع والمستندات أنّ انفجار ٤ آب لم يكن حادثًا فجائيًا، بل نتيجة علم مسبق بخطورة المواد المخزّنة في مرفأ بيروت، وامتناع متعمّد عن اتخاذ القرار المناسب. والأمر ذاته يتكرّر في طرابلس، حيث تُترك أبنية مصنّفة آيلة للسقوط مأهولة بالسكان، رغم التقارير الهندسية والتحذيرات الرسمية.
في الحالتين، تتوافر العناصر ذاتها:
• علم بالخطر
• سلطة قادرة على التدخّل ولم تفعل
• امتناع أو تقاعس
• نتائج دموية وتهجير قسري
وهو ما يرقى قانونًا إلى جرائم قتل وإيذاء ناتجة عن الإهمال الجسيم، بل والقتل الاحتمالي في بعض الحالات.
ثانيًا: حقوق السكن والملكية – المالك والمستأجر ضحيتان للدولة
لم تقتصر نتائج هذه الجرائم على فقدان الأرواح، بل طالت جوهر الاستقرار الاجتماعي، أي الحق في السكن والملكية، ما أوقع ظلمًا مزدوجًا طال المالكين والمستأجرين القدامى معًا.
فالمالكون حُرموا من ترميم ممتلكاتهم أو الانتفاع منها بسبب الزيادات غير المدروسة ، وتركوا المالك والمستأجر بلا تعويض عن أضرار جسيمة ناتجة عن إهمال الدولة، رغم أنّ الملكية الخاصة مصونة دستورًا كما أن حق السكن هو كذلك.
أما المستأجرون القدامى، فقد فقدوا مساكنهم أو سيفقدونها ووُضعوا أمام خطر الإخلاء والتشرّد، في انتهاك واضح للحق في السكن اللائق، الذي لا يسقط بالفقر ولا بتقادم العلاقة الإيجارية.
إنّ العدالة لا تكون بالانحياز لطرف على حساب آخر، بل بتحمّل الدولة لمسؤوليتها بصفتها المتسبّب الأساسي بالضرر، وعدم نقل عبء الجريمة إلى علاقة تعاقدية خاصة بين مالك ومستأجر.
ثالثًا: واجب النيابة العامة التمييزية – من الصلاحية إلى الالتزام
في هذا السياق، تبرز مسؤولية النيابة العامة التمييزية، التي لا يقتصر دورها على تلقي الشكاوى، بل تتحمّل واجبًا قانونيًا مباشرًا في تحريك الدعوى العامة تلقائيًا، ورفع كل الحضانات، كلما تعلّق الأمر بجرائم تمسّ السلامة العامة والحق في الحياة.
إنّ سقوط الأبنية المتصدّعة يشكّل جرمًا مستمرًا، لا يسقط بمرور الزمن، ولا يتوقّف عند وقوع الانهيار، ما يفرض:
• فتح تحقيقات شاملة وفورية
• توسيع دائرة المسؤولية لتشمل كل من علم وتقاعس
• اعتبار الامتناع عن التدخّل فعلًا جرميًا بحدّ ذاته
ولا يجوز تحميل الضحايا عبء المبادرة القضائية، خصوصًا في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية قاهرة.
رابعًا: رفع الحصانات – شرط العدالة لا استثناء عليها
إنّ أي مسار قضائي لا يُفضي إلى رفع جميع أنواع الحصانات يبقى مسارًا شكليًا، لأن الحصانات لا تُنشئ حقًا بالإفلات من العقاب، ولا تحمي من المسؤولية عن القتل أو الإيذاء الناتج عن الإهمال الجرمي.
وعليه، فإنّ المحاسبة الحقيقية تقتضي:
• رفع الحصانات النيابية والوزارية والإدارية
• الادعاء على كل مسؤول أو موظف عام يثبت تورّطه أو تقصيره أو تواطؤه
• إخضاع الجميع لمبدأ المساواة أمام القانون
ففي الجرائم التي تمسّ الحق في الحياة، لا حصانة تعلو على العدالة.
خامسًا: نداء قانوني وحقوقي
إنّ ما جرى في ٤ آب، وما يجري اليوم في طرابلس، يشكّل عنفًا بنيويًا تمارسه الدولة بحق مواطنيها، ويضع لبنان أمام مسؤولية داخلية ودولية.
وعليه، نتوجّه بنداء واضح إلى:
• النيابة العامة التمييزية لتحمّل مسؤولياتها كاملة من دون تردّد
• السلطات الرسمية لوقف سياسة الإهمال والتمييز
• المجتمع المدني لتكثيف الضغط القانوني والإعلامي
• المنظمات الدولية لمراقبة هذه الانتهاكات ومساءلة الدولة اللبنانية
وختامًا ، إنّ الأبنية التي تنهار، والمرافئ التي تنفجر، لا تفعل ذلك بفعل القدر، بل بفعل دولة قصّرت وتواطأت وأخفقت في حماية مواطنيها.
فالعدالة ليست خيارًا سياسيًا،
ورفع الحصانات ليس استثناءً،
وإنصاف المالك والمستأجر، وحماية الحق في الحياة، واجب لا يحتمل التأجيل.
“محكمة” – الاثنين في 2026/2/9



