استقلالٌ لم يكتمل في وطن ما زال يُدار بالوكالة/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
منذ أن رُفعت الرايات فوق بيروت في يومٍ قيل إنّه يوم الاستقلال، لم يعرف اللبنانيون طعماً حقيقياً للحرية. نلنا شكلاً بلا روح، اسماً بلا مضمون، استقلالاً مُعلَّباً كُتب على غلافه “لبنان حرّ”، فيما المضمون ظلّ مسرحاً مفتوحاً لكل لاعب خارجي يمدّ يده، يلوّح بعصاه، أو يغرس سكيناً في خاصرة لبنان.
لقد اخذ العالم درساً بليغاً من تجربتنا، يمكن لوطنٍ أن يولد دولة على الورق، ويبقى قاصراً في إدارة ذاته، يتعثّر بسيادته كطفلٍ يتعلّم المشي. فما أكثر الذين دخلوا بيتنا بلا استئذان ، دولٌ تُمسك بخيوط سياستنا، وأُخرى تشرف على اقتصادنا، وثالثة تهمس في آذان زعمائنا بما يجب أن نقول وما لا يجب، حتى بات الهواء الذي نتنفّسه مشروطاً بمزاج عواصم القرار.
نحن، لم نتقن بعد فنّ إدارة البيت الداخلي. كل فريقٍ يجرّ البلاد من طرفه، وكل زعيم يبحث عن راعٍ خارجي يحميه من شقيقه قبل أن يحميه من عدوّه. صارت السيادة شعراً نكتبه ونخون سطوره في اليوم نفسه، وصارت الحرية شعاراً نعلّقه فوق المباني بينما تُقيَّد إرادتنا في دهاليز السياسة المظلمة.
لبنان اليوم ليس دولةً فاقدة الاستقلال فحسب، بل شعبٌ أدمن الوصاية، ونخبةٌ سياسية رضيت أن تكون وسيطاً بين الخارج وناسها، لا ممثّلةً لإرادة الوطن. ولهذا، ما زلنا نقف عند عتبة الرشد، نراقب أقدارنا تُصاغ في أماكن لا نعرفها، ونعيش في وطنٍ يشبه تمثالاً جميل الوجه، مكسور الجسد، لم يكتمل نحتُه منذ ثمانين عاماً.
سيأتي يومٌ نكتب فيه استقلالنا الحقيقي بأيدينا… لكن ذلك لن يحدث ما دمنا نخشى أن نكبر.
“محكمة” – الأحد في 2025/11/23



