علم وخبر

الادعاء الصادر عن حاكم مصرف لبنان: بين حدود الصفة ومبدأ المساواة في الملاحقة الجزائية/كميل معلوف

المحامي كميل حبيب معلوف:
في سابقة قانونية ذات أبعاد مؤسسية، تقدّم حاكم مصرف لبنان، السيد كريم سعيد، بصفته الرسمية كحاكم للمصرف المركزي، بادعاء أمام القضاء بحق كل من الحاكم السابق رياض سلامة، والرئيس التنفيذي لمصرف عوده السيد سمير حنا، على خلفية أفعال يُشتبه بأنها تُشكّل جرائم تبييض الأموال، الإثراء غير المشروع، واستغلال الوظيفة لمنافع خاصة، وذلك عملاً بأحكام قانون العقوبات اللبناني، لا سيما المواد 351 وما يليها، وبمقتضى قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 2015/44، وقانون الإثراء غير المشروع رقم 1999/154.
إن هذا الادعاء، وإن صدر عن سلطة نقدية لا قضائية، إلا أنه يُعدّ قانونًا بمثابة إخبار شخصي صادر عن متضرر معنوي، له مصلحة وصفة في تحريك الدعوى العامة، عملاً بالمادة 25 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تجيز لكل شخص متضرر من جرم أن يتقدّم بإخبار إلى النيابة العامة المختصة. وتُستمد صفة الحاكم هنا من كونه الممثل القانوني للمصرف المركزي، والمؤتمن على سلامة النظام النقدي، ما يمنحه مصلحة مباشرة في ملاحقة أي أفعال من شأنها الإضرار بالثقة العامة أو المساس بالمال العام النقدي.
أما حصر الادعاء بشخصي سلامة وحنا دون سواهما، فلا يُعدّ انتقائية بقدر ما هو تقيّد بمبدأ شخصية الملاحقة، إذ لا يجوز للمدعي أن يوسّع نطاق ادعائه خارج حدود ما يتوافر له من أدلة ومعطيات. فرياض سلامة، بوصفه موظفًا عامًا خاضعًا لقانون الإثراء غير المشروع، يُلاحق على أساس المسؤولية المباشرة عن إدارة المال العام، فيما يُلاحق سمير حنا بصفته شريكًا مفترضًا في تسهيل عمليات مالية مشبوهة، ما يندرج ضمن المساهمة التبعية في الجرم الأصلي، وفقًا للمادة 219 من قانون العقوبات.
وتكمن القيمة القانونية لهذا الادعاء في كونه يُعيد تفعيل مبدأ المحاسبة في مواجهة الحصانات المصرفية، ويُحرّك القضاء نحو فتح تحقيق قضائي مستقل، قد يُفضي إلى توسيع دائرة الملاحقة، متى توافرت عناصر الجرم بحق فاعلين آخرين.
كما يُشكّل هذا الادعاء، من حيث المبدأ، خطوة تأسيسية نحو مساءلة مالية جنائية، طالما كانت غائبة في ظل منظومة الإفلات من العقاب.
إن مبادرة الحاكم كريم سعيد، وإن لم تصدر عن سلطة قضائية، إلا أنها تستند إلى صفة قانونية أصيلة، وتُعبّر عن إرادة مؤسسية في استعادة هيبة الدولة، وتكريس مبدأ سيادة القانون على جميع الفاعلين، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.
“محكمة” – الخميس في 2026/1/8

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.