أبحاث ودراسات

التحكيم بين سلطان الإرادة وقيود القانون/ميشال الخوري

المحامية ميشال طنوس الخوري:
“التحكيم هو قضاءُ الإرادة، لكن الإرادة تقف عند حدود القانون.”
لقد عرفت جميع الشعوب التحكيم وذلك منذ العصور ما قبل الميلاد لا بل منذ نشأة البشرية، حيث اشتهر التحكيم في الحضارتين اليونانية والرومانية وحتى في الحضارة الإسلامية بالرغم من ثقافة إستيفاء الحق بالذات. فالطبيعة البشرية ومنذ نشأتها، تسعى إلى حل نزاعاتها بواسطة شخص غريب عن النزاع، إمّا شيخ العائلة، أو رئيس القبيلة، أو العشيرة، أو المختار، وحتى في عصرنا الحالي وبالرغم من وجود السلطة القضائية ما زال المتنازعون في القرى والبلدات يلجأون إلى المختار لحل نزاعاتهم وخاصة العائلية منها.
وبعد نشأة السلطة القضائية، إتجهت الشعوب لحل نزاعاتهم بواسطة هذا الجهاز المنظم والشرعي الذي ضمن لهم إلزامية الحكم الصادر وإمكانية تطبيقه. ومن منطلق آخر، فإنّ التطور الذي حصل نتيجة الثورة الصناعية وازدهار العمل التجاري والعولمة التي جعلته يتخطى حدود الدولة الواحدة وتنوع المعاملات بين الأفراد، نتج عنها عدة نزاعات، إلا أن بطء العمل القضائي بالإضافة الى العديد من السلبيات التي رافقته ادت الى استياء اصحاب الحقوق من اللجوء الى القضاء للمطالبة بحقوقهم.
ولهذا السبب عاد التحكيم ليبرز مجدداً كآلية فعّالة لحلّ النزاعات خارج القضاء التقليدي، وبدأت المنظمات الإقليمية والدولية(1) على حد سواء بوضع التشريعات والإتفاقيات لتنظيم قواعد التحكيم. ولم تكتف هذه المنظمات بوضع تشريع داخلي فقط، بل تجاوزته لتشمل التشريع الدولي أيضاً نظراً لتطلب اللجوء إلى التحكيم في المعاملات التجارية التي تربط أطراف من دول مختلفة.
ولقد برز الإهتمام التشريعي الدولي المنظم للتحكيم(2) منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ففي العام 1923 صدر بروتوكول جنيف في شأن التحكيم. وفي العام 1927 صدرت إتفاقية جنيف الخاصة بتنفيذ أحكام التحكيم وذلك عن عصبة الأمم.
أما بعد زوال عصبة الأمم ونشوء الأمم المتحدة، أبرمت إتفاقية نوييورك لعام 1958 في شأن الإعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية. أما في العام 1965 فأبرمت معاهدة واشنطن لإنشاء المركز الدولي لفض النزاعات الناشئة عن الإستثمار. عدا عن ذلك، في العام 1976 تم إقرار قواعد للتحكيم الدولي (Uncitral) التي قامت لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي بإعداده. أما على الصعيد العربي فقد صدرت إتفاقية عمان العربية للتحكيم الدولي للعام 1987.
وبالإنتقال إلى الصعيد الداخلي في لبنان، لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من كافة الأحداث العصيبة التي مر بها البلد منذ نشأته وحتى اليوم، إلا أنه لم يفقد عزمه في العمل التشريعي. ففي عصر الإنتداب الفرنسي صدر قانون اصول المحاكمات المدنية للعام 1933 الذي ورد فيه فصل مختصر عن التحكيم، بيد أنه لم يتم الإشارة إلى كيفية إعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي حتى العام 1967.
أما في العام 1983، فقد صدر قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد الذي تضمن تفصيلاً وافياً عن التحكيم، لا بل كان السبّاق في ما بين القوانين العربية، ولم يكتف فقط بتنظيم التحكيم الداخلي، بل ذكر أيضاً التحكيم الدولي(3) . وقد وردت أحكام التحكيم في قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني من المادة 762 حتى المادة 821.
إلا أنّه، ورغم عودة التحكيم ليشكّل حلاً لسلبيّات اللجوء إلى القضاء ولضمان سرعة الفصل وصون حقوق المتداعين، فإنّ له حدوداً واضحة، إذ لا تُعدّ جميع النزاعات قابلةً للخضوع للتحكيم.
قبل الإنتقال إلى مناقشة المواضيع القابلة للتحكيم يقتضي أولاً تعريف التحكيم. لقد عرف إبن خلدون والمجلة العدلية العثمانية التحكيم بأنه: “إتخاذ الخصمين حكماً رضائياً للفصل في خصومها ودعواها”.
لم يعط المشرع اللبناني تعريفاً للتحكيم، بل عرف عقد التحكيم في المادة 765 ا.م.م.(4) على أنه: “العقد التحكيمي عقد بموجبه يتفق الأطراف فيه على حل نزاع قابل للصلح ناشىء عن طريق تحكيم شخص أو عدة أشخاص.”
أجاز المشترع اللبناني للأطراف فصل نزاعاتهم عن طريق التحكيم، غير أنّ ذلك محصور في نطاق المنازعات المدنية والتجارية التي تقبل الصلح، عملاً بأحكام المادتين 762 و765 من قانون أصول المحاكمات المدنية.
وبالرغم من أنّ المبدأ يقضي بجواز الصلح في مختلف الحقوق، إلا أنّ ثمة منازعات تخرج بطبيعتها عن دائرة الصلح، وبالتالي عن دائرة التحكيم. فيندرج ضمن هذه الفئة النزاعات المتصلة بالأحوال الشخصية، والمنازعات الجزائية كون الدولة تعد طرفاً فيها لحماية الحق العام، والمنازعات المتعلقة بالحقوق غير المالية التي لا تُعدّ مالاً بين الناس، كالحقوق المعنوية للمؤلف، والحقوق المرتبطة بالحريات والضمانات الفردية كحق الترشح والانتخاب.
أمّا في ما يتعلّق بالمنازعات التجارية، فإن مبدأ قابلية التحكيم لا ينسحب على جميعها، إذ تبقى بعض الدعاوى محصورة باختصاص القضاء العدلي دون غيره. ويأتي في طليعة هذه الدعاوى الإفلاس، الذي يُعدّ نظاماً قانونياً ذا طبيعة خاصة، يترتّب على إعلانه في بعض الحالات تجريد التاجر من بعض حقوقه المدنية، ما يجعل الفصل فيه من المسائل التي تستوجب رقابة قضاء الدولة حصراً، ولا يجوز إحالتها إلى التحكيم.
كما يُحظر اللجوء إلى التحكيم في الدعاوى التي تمسّ النظام العام، باعتبار أنّ هذا الأخير يُعدّ من القيود الأساسية التي ترد على مبدأ سلطان الإرادة. ورغم أنّ معظم التشريعات تتفق على استبعاد المسائل المرتبطة بالنظام العام من نطاق التحكيم، إلّا أنّ مفهوم النظام العام يختلف باختلاف الدول، إذ إن ما يُعدّ من النظام العام في دولة معيّنة، قد لا يُعد كذلك في دولة أخرى، نظراً إلى الطبيعة المتحوّلة لهذا المفهوم في الفقه والاجتهاد.
ومن هنا تبرز الإشكالية عند التقدّم بطلب تنفيذ قرار تحكيمي أجنبي في دولة ما. فلو افترضنا أنّ النزاع خاضع للتحكيم وفقاً لمفهوم النظام العام المعتمد في دولة مقرّ التحكيم (seat of arbitration)، إلا أنّ موضوعه يُخالف النظام العام في الدولة المطلوب تنفيذ الحكم فيها، فإنّ هذا التعارض يثير مسألة جوهرية تتعلق بمدى قابلية الاعتراف او تنفيذ قرار تحكيمي اجنبي مخالف للنظام العام الوطني.
لقد عالجت هذه الإشكالية الاتفاقياتُ الدولية التي ترعى التحكيم، والتي انضمّ إليها عدد كبير من الدول، ومن ضمنها لبنان. تنصّ اتفاقية نيويورك(5) بوضوح على أن مسألة قابلية النزاع للتحكيم يجب تقييمها استناداً إلى “قانون الدولة” التي يُطلب فيها الاعتراف بالحكم أو تنفيذه. وبالتالي، تُحسم أي مسألة تتعلق بعدم قابلية النزاع للتحكيم وفقاً لقوانين تلك الولاية القضائية. بالإضافة الى ذلك، فإن قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي لعام 1985 (المعدّل عام 2006)(6) ، والذي اعتُمد في أكثر من 90 دولة كقانون واجب التطبيق على التحكيم، ينصّ أيضاً على أن القانون الواجب اعتماده هو قانون الدولة التي يُطعن فيها بقرار التحكيم أو التي يُطلب فيها الاعتراف بالحكم أو تنفيذه.
واخيراً، يتضح مما تقدم ان قابلية النزاعات للتحكيم ما زالت مقيدة بقواعد النظام العام الوطنية خصوصاً عند تنفيذ او الاعتراف بقرارات تحكيمية اجنبية. وهنا تطرح الاشكالية التالية، هل ممكن تحقيق التوازن ما بين ارادة اطراف النزاع وخصوصية احكام النظام العام الوطنية؟ وهل يمكن توحيد مفهوم قابلية النزاعات للتحكيم، أم أنّه سيبقى استنسابياً خاضع للقوانين الوطنية؟
* مصادر ومراجع:
1- الياس ناصيف، العقود الدولية التحكيم الإلكتروني، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأول 2012، ص.8.
2- مصطفى محمد جمال، عكاشة محمد عبد العال، التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والداخلية، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 1998، ص. 8.
3- المادة 809 أ.م.م. :”يعتبر دوليا التحكيم الذي يتعلق بمصالح التجارة الدولية. يحق للدولة ولسائر الاشخاص المعنوين العامين اللجوء الى التحكيم الدولي.”
4- المادة 765 أ.م.م.: “العقد التحكيمي عقد بموجبه يتفق الأطراف فيه على حل نزاع قابل للصلح ناشىء عن طريق تحكيم شخص أو عدة أشخاص.”
5- المادة V الفقرة 2 من اتفاقية نيويورك: “يجوز أيضاً رفض الاعتراف بحكم التحكيم أو تنفيذه إذا تبيّن للسلطة المختصة في الدولة المطلوب فيها الاعتراف أو التنفيذ ما يلي:
(أ) أن موضوع النزاع غير قابل للتسوية عن طريق التحكيم وفقاً لقانون تلك الدولة؛ أو
(ب) أن الاعتراف بالحكم أو تنفيذه من شأنه أن يُخالف النظام العام في تلك الدولة.”
6- المادة 34(2)(ب)(1) والمادة 36(1)(ب)(1) من قانون الأونسيترال النموذجي.
“محكمة” – الخميس في 2025/11/27

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.