مقالات
التفسير الصحيح للمادة 108 اصول جزائية حول التوقيف الاحتياطي/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
بحكم تدرجي وبقائي عشرات السنين في مكتب المحامي المرحوم اوغست باخوس، رئيس لجنة الادارة والعدل لعدة سنوات، ومن بعدها رئيس هيئة التشريع والتحديث في مجلس النواب بعد عدم توفقه في الانتخابات النيابية، ووفاء من الرئيس نبيه بري له وإيماناً بكفاءته وعلمه وحكمته، بحكم ذلك تابعت حركة التشريع في مجلس النواب حيث كانت القوانين تصاغ بشكل افضل من ايامنا الحاضرة، خصوصاً وان المشترع كان يتكل على آراء ودراسات القضاة والمحامين ورجال الفقه والقانون.
من هؤلاء القضاة، كان القاضي المرحوم جورج غنطوس، الذي اعد مشروعاً متكاملاً لقانون اصول المحاكمات الجزائية، وكنت على اطلاع بجميع تفاصيله بحكم ترددي عليه في مكتبه الكائن في بناية سكنه في المنصورية بطلب من الاستاذ باخوس.
اركز على المادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية. كان الهدف منها عدم ابقاء الموقوفين في التوقيف الاحتياطي الى ما لا نهاية، ومن دون مهلة. كما كان الهدف حث القضاة على التحقيق بالسرعة اللازمة وعدم التأخير في فصل الملفات.
جاء نص المادة 108 أ.م.ج. على الشكل الآتي: (تحديد مدة توقيف المدعى عليه)
“ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الاقل، لا يجوز ان تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين. يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد اقصى في حالة الضرورة القصوى.
ما خلا جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على امن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقا بعقوبة جنائية، لا يجوز ان تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة اشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلل، لقاضي التحقيق ان يقرر منع المدعى عليه من السفر مدة لا تتجاوز الشهرين في الجنحة والسنة في الجناية من تاريخ اخلاء سبيله او تركه”.
نص المادة 108 واضح: اخلاء السبيل بحق ومن دون كفالة. والا لا قيمة لهذه المادة اذا فرضت الكفالة. وعندها قد يفرض القاضي كفالة عالية جداً ويتعطل مفهوم هذه المادة.
يوم صدر قانون الايجارات رقم 92/159 ونص في احدى مواده على انه اذا حددت مدة الايجار بسنة، يحق للمستأجر ان يبقى ثلاث سنوات. يومها سألني احد الزملاء عن بدل الايجار وهل يبقى كما هو ام يحق للمالك زيادته. فأجبته طبعاً كما هو في السنتين الثانية والثالثة. والا يتعطل مفهوم النص. عندها يفرض المالك مبلغاً خيالياً عن هاتين السنتين فيضطر المستأجر الى ترك المأجور بعد سنة. الوضع ذاته في المادة 108 فإذا فسرت بأنه يحق للقاضي فرض الكفالة يتعطل النص وقد تكون الكفالة باهظة جداً ولا يستطيع الموقوف دفعها فيبقى موقوفاً، وليست هذه نية المشترع.
ونختم مع رأي القاضي الكبير رالف الرياشي الذي اصدر مئات لا بل آلاف الاحكام والقرارات، والتي تشكل اجتهاداً يقتضي الاتكال عليه من قبل القضاة والمحامين ورجال الفقه والقانون. فكتب على صفحته على الفايسبوك:
“المادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية واجبة التطبيق. وتخلية السبيل واجبة حكماً دون كفالة عند توافر شروطها. انه القانون لا يمكن ان يتم تجاوزه بهذا الصمت من نقابتي المحامين والقضاة وناديهم والقانونيين. إما ان تلغى هذه المادة او وجب تطبيقها”.
“محكمة” – الخميس في 2025/11/20



