التنجيم بين الوهم والقانون.. هل يعاقب القانون ظاهرة التنجيم؟/ميشال الخوري
المحامية ميشال طنوس الخوري:
مع اقتراب حلول عيد رأس السنة، يبدأ في لبنان ما يمكن تسميته بـ”موسم التنجيم والأبراج”.
ويُستدل على ذلك بالارتفاع الملحوظ في مبيعات كتب الأبراج في المكتبات، وبالاستضافة المكثّفة التي تقوم بها وسائل الإعلام، ولا سيّما المرئية منها، لأشهر المنجّمين وقرّاء الغيب وعالمي الفلك. إذ تخصص هذه الوسائل، خلال تلك الفترة وعلى مدار السنة فقرات أسبوعية وأحياناً يومية لهؤلاء، في مشهد يساهم في ترسيخ هذه الظاهرة وتوسيع نطاق انتشارها.
وعند استطلاع آراء شريحة واسعة من الناس حول هذه الظاهرة، يجيب معظمهم بالمثل الشهير المتوارث: “كذب المنجّمون ولو صدقوا”. إلا أنّ هذا الاعتراف لا يمنعهم من متابعة برامج التنجيم، أو مطالعة كتب الأبراج، أو حتى اللجوء إلى المنجّمين لمعرفة “ما يخبّئه الغيب”، غالباً مقابل مبالغ مالية غير قليلة، رغم إدراكهم التام لكون هذه الممارسات مستهجنة أخلاقياً واجتماعياً.
ولا يقتصر رفض هذه الظاهرة على بعدها الأخلاقي والاجتماعي فحسب، بل إنّ جميع الأديان السماوية تواترت على تحريم مثل هذه الأعمال واعتبارها منافية للعقيدة ومخالفة لمبادئ الإيمان. فالممارسات القائمة على ادعاء معرفة الغيب أو استحضار الأرواح أو قراءة المصير تُعدّ، في المنظور الديني، اعتداءً على اختصاص إلهي محض، وانحرافاً عن الطريق القويم الذي تستقيم به العقائد وأحكام الشريعة. وبالتالي، يتلاقى الموقف الديني والاجتماعي في اعتبار هذه الأفعال مرفوضة رفضاً قاطعاً ومضرّة بالفرد والمجتمع معاً.
وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من الإجماع الديني والاجتماعي على رفض هذه الممارسات، إلا أنّ المشرّع اللبناني كان خجولاً في مقاربته لها، إذ اكتفى بنصّ جزائي واحد يتيم لمعالجة هذه الظاهرة المتفشّية. فقد تضمّن قانون العقوبات مادة صريحة ووحيدة هي المادة 768، التي نصّت على ما يلي:
“يُعاقَب بالحبس التكديري وبالغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف ليرة لبنانية، كل من يتعاطى بقصد الربح مناجاة الأرواح، أو التنويم المغناطيسي، أو التنجيم، أو قراءة الكف، أو قراءة ورق اللعب، أو أي عمل له صلة بعلم الغيب، كما تُصادر الألبسة والعدد المستعملة. ويُعاقَب المكرّر بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة حتى المائتي ألف ليرة لبنانية، ويمكن إبعاده إذا كان أجنبياً.”
ويُستفاد من هذا النص أنّ المشرّع لم يقتصر في التجريم على التنجيم تحديداً، بل شمل أيضاً مناجاة الأرواح، والتنويم المغناطيسي، وقراءة الكف، وقراءة الورق، وسائر الأعمال المرتبطة بادعاء معرفة الغيب. غير أنّ المشرّع اشترط توافر قصد الربح كعنصر جوهري لقيام الجرم، بحيث ينتفي التجريم في حال غياب هذا القصد.
إلا أنّ المستجدات شهدت تحايلاً واضحاً على أحكام هذه المادة، إذ عمد العديد من المنجّمين، عبر ظهورهم المتكرر في البرامج التلفزيونية، إلى الادعاء بأنّ قصد الربح غير متوافر لديهم، بحجة أنّهم لا يتقاضون بدلاً مباشراً لقاء هذه الإطلالات. إلا أنّ هذا الزعم لا يصمد قانونياً، إذ يكفي أن يتحقق الربح بصورة غير مباشرة – ولا سيّما من خلال الإعلانات أو زيادة شهرتهم التي تُفضي إلى مكاسب مالية لاحقة – حتى يُعدّ العنصر المعنوي للجريمة متحققاً.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعديل جذري للمادة 768 عقوبات، وذلك عبر:
1. توضيح مفهوم “قصد الربح” ليشمل الربح المباشر وغير المباشر، منعاً لأي تحايل.
2. إخضاع الظهور الإعلامي ذاته لأحكام التجريم متى تضمّن ترويجاً لهذه الممارسات.
3. اعتبار الجرم جنحة من المرّة الأولى وليس فقط في حالة التكرار، كما ورد في النص الحالي.
4. رفع قيمة الغرامات لتصبح رادعة ومتناسبة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
كما يُفترض بالمجلس الوطني للإعلام أن يتشدّد في الرقابة على مضمون البرامج التي تروّج لمثل هذه الممارسات، وأن يتخذ الإجراءات القانونية والتأديبية المناسبة لوضع حدّ لها.
وفي الختام، لا بد من تفعيل دور السلطة التشريعية في تحديث النصوص القانونية ذات الصلة، ليس فقط في إطار المادة 768، بل على مستوى المنظومة القانونية برمّتها، بما يضمن ضبط هذه الظواهر وتعزيز حماية المجتمع من الخرافات والاستغلال.
“محكمة” – الاثنين في 2025/12/29



