الحياةُ وهمٌ دون الإيمان/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم(نقيب المحامين سابقًا):
حين يُنزَع الإيمان من قلب الحياة، لا تموت الأشياء، بل تفقد معناها. تظلّ الألوان زاهية، والنهارات مشرقة، والوجوه مبتسمة، غير أنّ كلّ ذلك يبدو زينةً متقنةٍ لمسرحيةٍ بلا نصّ. الحياة بلا إيمان لا تُنكر وجودها، لكنها تُنكر غايتها . فتغدو حركةً بلا اتجاه، ونبضًا بلا روح وسيرًا طويلًا في دائرةٍ مغلقة.
الإيمان ليس إضافةً تجميليّة إلى الوجود، بل هو شرطُ معناه. هو البوصلة التي تمنع الإنسان من التيه في صحراء الاحتمالات العبثيّة. وحين يغيب، تتكاثر الأسئلة دون أن تجد جواب ، وتتحوّل الحقيقة إلى رأي، والخير إلى مصلحة، والإنسان إلى صدفةٍ بيولوجيّة لا أكثر. عندها يصبح الوجود وهمًا ،لأنّه لا يقدّم سببًا مقنعًا ليُعاش.
ما قيمة الألم إن لم يكن له هدف ؟ وما جدوى الفرح إن كان ينتهي إلى العدم؟ دون الإيمان، تصبح المعاناة ساديّة، والنجاح سخرية، والموت صفعةً نهائيّة لا تفسير لها. يُطلب من الإنسان أن يتحمّل عبثيّة الكون بشجاعة، لكن أيّ شجاعةٍ هذه التي تُطالب الروح بأن تُنكر عطشها إلى المطلق و الحقيقة ؟ إنّها بطولةٌ زائفة، أشبه بابتسامةٍ مرسومة على وجهٍ مكسور.
الحياة بلا إيمان تُغري بالعقل ويصبح كل شيء مباحاً، لكنها تخون القلب والقيم . تُقنعك بأنّك حرّ، بينما تقيّدك باللحظة. تُناديك بالإنجاز وكأنك حققت أهدافك ، ثم تتركك وحيدًا أمام سؤال النهاية. كلّ شيءٍ فيها مؤقّت، حتى القيم، حتى الحب، حتى الإنسان نفسه. وما المؤقّت إذا خلا من الامتداد إلا وهمٌ مؤجَّل السقوط؟
الإيمان لا يُلغِي الأسئلة، بل يُنقذها من الجنون او الإبهام .يمنح الألم معنى، والخسارة حكمة، والانتظار رجاء. به تصبح الحياة رحلةً لا مصادفة، وامتحانًا لا عبثًا، وعبورًا لا سقوطًا. الإيمان هو الذي يُعيد للزمن قداسته، وللموت هيبته، وللإنسان كرامته بوصفه كائنًا مقصودًا لا مُلقىً في الوجود صدفةً.
وحين نقول إنّ الحياة وهمٌ دون الإيمان، فنحن لا نحتقر العقل، بل نُعطيه بعده ، فالعقل بلا إيمان بارعٌ في التفكير ، لكنه عاجزٌ عن حسم الحقيقة .يعرف كيف يشكّ، لكنه يجهل كيف يطمئن. والإيمان ليس هروبًا من التفكير، بل اكتماله؛ لأنّه يضع السؤال في سياقه، والوجود في معناه، والإنسان في موضعه بين الأرض والسماء، بين المادة و الروح .
في النهاية، لم يكن هذا النصّ لي كتابةً لغويّةً ولا فكرية بل استجابةً لقلقٍ وُلد في جلسةٍ حواريّة مع بعض الأصدقاء القدامى، حين قادنا الحديث ،دون مواربة ، إلى سؤال العدم. هناك، حيث طُرحت الحياة بوصفها صدفة، والنهاية بوصفها لا شيء، شعرتُ أنّ كرامتي الإنسانيّة تُستفَزّ بعنف. فثمّة ما في داخلي يرفض أن يكون هذا الوعي العميق، وهذا الألم النبيل، وهذا الحنين المستمر إلى المعنى، مجرّد ومضةٍ عابرة بين عدمين. أرفض أن أكون قد أتيتُ من فراغٍ أعمى لأعود إليه، وكأنّ الوجود كلّه مزحة كونيّة ثقيلة.
لهذا أردت ان اكتب ،ولهذا أؤمن. لا هربًا من السؤال، بل دفاعًا عن الإنسان فيّ. فالإيمان ليس إنكارًا للعقل، بل إنقاذٌ له من القسوة، وليس وهمًا نلوذ به، بل احتجاجٌ وجوديّ على العبث. به وحده تصبح الحياة رسالةً تُقرأ، لا لغزًا يُستهلك، ويغدو الموت عبورًا لا محوًا، ويستعيد الإنسان مكانته ككائنٍ مقصودٍ بالمعنى، لا طارىءٍ على الوجود. أمّا دون الإيمان، فمهما ازدانت الحياة، تبقى وهمًا جميلًا… إلى أن ينطفئ الضوء، ويُسدل الستار، ويبقى السؤال معلّقًا في فراغٍ لا يجيب.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/12/23



