أبرز الأخبارعلم وخبر

الدولة اللبنانية تعترض على “حماس” والقضاء يثبت حقّها بتعديل اسمها/علي الموسوي

المحامي المتدرّج علي الموسوي:
كثيرة هي الحالات التي يميل فيها الأهل عن قناعة راسخة، إلى إطلاق أسماء شخصيات ذكورية وأنثوية، وحركات وأحزاب ومنظّمات تركت على مرّ التاريخ واتساع الجغرافيا، بصمةً خالدة ومؤثّرة في وجدان شعوب وأمم، على أبنائهم وبناتهم عند ولادتهم، وذلك بناء على تخطيط مسبق واتفاق ضمني بين الزوجين أو تدخّل الأسرة بمجملها في اختيار الإسم.
وقد يغفل الوالدان من دون انتباه في بعض الأحيان، عن إمكانية تعريض حامل الإسم، ذكرًا كان أم أنثى، لمضايقات وتحقيقات واستجوابات و”شبهات” في دول قد تشعر بالتحسّس من مجرّد سماع التلفّظ بالإسم ومعناه، أو عند التحديق في الأوراق الثبوتية وبطاقات االهوّية وجوازات السفر تحديدًا، وقد يكون الأمر حِمْلًا ثقيلًا يراد التخفّف منه لتخفيف كلّ أشكال الإنزعاج والتذمّر ومشتقاتهما، فيندفع الشخص المسمّى إلى المطالبة بتغيير إسمه واستبداله بآخر أكثر مرونة وحياة ومعنى، ومن دون خلفيات مسبقة وإنّما لتقليص فرص التحسّس ومواقف الخجل وردّات الفعل الصاخبة أو غير المتزنة.
وهذا الأمر يعود لصاحب العلاقة مباشرة ويتعلّق بخصوصياته التي لا يمكن المساس بها، وبحقّه في الحصول على اسم مختلف، بينما قد نجد أشخاصًا آخرين يحملون الإسم نفسه ولا يجدون في الأمر، عيبًا، أو أيّة منقصة، أو حرجًا أو غضاضة، أو ما يدفعهم إلى استبداله بواحد آخر، بل يفاخرون به على الملأ ويتشبّثون به أكثر من ذي قبل.
وقد ينتشر الإسم لدى الناس بحسب توقيت سياسي معيّن أو لحظة وطنية وقومية مؤثّرة، تلامس مشاعرهم ووجدانهم، أو عند وجود شخص بصفة قائد أو زعيم أو رمز في صدارة الواجهة وسدّة الحكم والسيطرة، وهذا ما عرفه اللبنانيون مثلًا في أوج سطوع زعامة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات ومطلع سبعينيات القرن العشرين، فتمّ التداول باسمي جمال وناصر، وقد أطلق الإسم الأوّل على الصبي والبنت في آن معًا من شدّة التأثّر والإنفعال والإنجذاب وأهمّية شخصية جمال عبد الناصر لدى أغلبية الشعوب العربية وليس في مصر فقط والدور الكبير الذي أدّاه على المسرح السياسي العربي وفي عزّ النكبة بخسارة فلسطين.
وتبدو دفّة التسمية بأسماء شخصيات سياسية وتاريخية أكثر رجحانًا من انتقاء أسماء أحزاب ومنظّمات تحترف العمل السياسي والعسكري لتحقيق أهدافها وما تطمح إليه في هذا الوجود، ويكفي إجراء مقارنة بسيطة لتأكيد هذا المنحى بلا هوادة، فإسم جمال أكثر شيوعًا من إسم “حماس” الذي هو في الأصل اختصار لاسم حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة، ونادرًا ما يتمّ العثور على من يحمله وقد يكون محصورًا بالشعب الفلسطيني في الداخل المحتل والشتات وبلاد الغربة والهجرة والتهجير القسري.
لكنّ حماس خ. لم تستطع أن تتعايش مع اسمها لدواع تخصّها وبذريعة إلحاقه أذى معنويًا بها، وهي فلسطينية التابعية، فقرّرت التخلّص منه بالقانون وعبر اللجوء إلى القاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الأحوال الشخصية لعلّها تحقّق مبتغاها بالنأي بنفسها عمّا تعتبره أضرارًا جسيمة يُلحقها هذا الإسم السياسي والعسكري بها، فرصدتها الدولة اللبنانية ممثّلة بهيئة القضايا في وزارة العدل تقوم بهذا الفعل، واعترضت على هذا التصرّف لتنشأ سلسلة أسئلة جوهرية لا غنى عن طرحها، فهل القضاء العدلي مختص لتصحيح القيود العائدة للاجئين الفلسطينيين وتعديل البيانات الشخصية المدوّنة في السجّلات الخاصة بهم لدى وزارة الداخلية، أم يمكن لإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينين في وزارة الداخلية أن تقوم بالتعديل والتصحيح المطلوبين بشكل إداري من دون العودة إلى القضاء العدلي؟ وهل يجوز تغيير إسم العلم؟ وهل يصنّف تغيير الإسم مجرّد خطأ مادي يمكن القيام به في أيّة لحظة؟ وما هو الضرر الذي يمكن أن يصيب الدولة اللبنانية لكي تتحرّك هيئة القضايا وتنصب كمينها الإعتراضي وتطلب الرجوع عن استبدال إسم “حماس” بآخر؟ وقد يطرح هذا الموضوع سلسلة من الأسئلة والاستفسارات الأخرى التي لا يمكن أن تنتهي فورًا.
لقد أجابت القاضي المنفرد المدني في صيدا الناظرة في قضايا الأحوال الشخصية جوانا فوّاز، بسلاسة متناهية، على هذه الأسئلة وما قد يتفرّع عنها، ضمن حكم أصدرته لهذه الغاية بتاريخ 9 كانون الأوّل 2025، وارتكزت في تدعيمه على اجتهادات صادرة في الملاحظات والنقاط المبحوثة عن محكمة التمييز باعتبارها “محكمة القانون” والفيصل في تثبيت الموقف القانوني السليم من دون تشويش، أو تشويه، أو تهميش.
وتبيّن بما لا يقبل الشكّ وبالإستناد إلى حكم القانون وما استقرّ عليه اجتهاد محكمة التمييز، أنّ مهمّة إدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الداخلية اللبنانية هي محض إدارية لجهة قيد وتعديل قيود الأحوال الشخصية العائدة لهم، وبأنّه باستطاعة القاضي المنفرد الناظر في قضايا الأحوال الشخصية أن يجري التعديل اللازم والمطلوب في بيانات اللاجئين الفلسطينيين عند الضرورة والإقتضاء إذا ما تضمّنت معلومات خاطئة.
ورأت هيئة القضايا أنّ تغيير الإسم ليس من عداد الأخطاء المادية الحاصلة خلال عملية إدراج القيد، فأبدت اعتراضها، بينما ثمّة توجّه لدى القضاء العدلي مثبت بأحكام صادرة عن محكمة التمييز تقول بأنّ إسم العلم والشهرة هما من المندرجات الرئيسية في وثيقة الولادة ولا يمكن تصحيحهما إلّا عند وجود خطأ على أن يتمّ هذا التصحيح بموجب حكم قضائي، علمًا أنّ القانون لم يذكر شيئًا على الإطلاق ولم يورد نصًّا صريحًا بشأن تصحيحهما بعكس ما فعل لناحية تغيير الصنعة والمذهب، وإنْ كان إيراد الصنعة لم يعد له أهمية قصوى، فيما اللبناني “شاطر وحربوق” في تمييز المذهب والطائفة من إسم العلم والشهرة والقرية والبلدة وتصرّفات الشخص ولهجته وبعض الكلمات التي يمكن أن يتفوّه بها، والبلد صغير والجميع قادر على أن يعرف بعضه بعضًا “واللي بيسأل ما بيضيع!”!
وقد أجاز الاجتهاد تصحيح الاسم حتّى ولو لم يشُبْه أيّ خطأ عند تسجيله وذلك في حالات معيّنة منها تسبّبه بأضرار نفسية لحامله، ووضعه في موضع ازدراء وسخرية الآخرين في محيطه ومجتمعه وبيئته، وبطبيعة الحال إذا كان هذا الإسم متعارضًا مع الحشمة والآداب العامة وهذا الأمر الأخير نادر الحصول، بل قد يكون منعدمًا تمامًا.
ولا شكّ أنّ تصحيح الإسم الخاص بشخص تخطّى الطفولة ليس صائبًا دائمًا لارتباطه بالكثير من المعاملات والمستندات الرسمية الخاصة به، ممّا يصعّب خطوة الإقدام على التصحيح بعكس ما هو حاصل عندما يكون الشخص طفلًا صغيرًا لم يتجاوز الرابعة من عمره ولم يدخل بعدُ، إلى المدرسة مثلًا، لبدء مشوار التعلّم. ودون تغيير اسم الشخص الفتى والفتاة، والحدث، والقاصر، والقاصرة، والراشد والرجل والطاعن في السنّ والمتقدّمة في العمر، محاذير ومعوّقات كثيرة، ويفضّل عندها أن يطلق على نفسه إسمًا مغايرًا يُعرْف به أمام الناس ويطغى على الإسم الحقيقي، ويصبح هو الإسم المنادى به حتّى ولو لم يرد في أوراق ثبوتية. وثمّة نماذج كثيرة عن هذا الوضع في لبنان.
وبعد مناقشة مستفيضة، إرتأت القاضي جوانا فوّاز أنّ تصحيح إسم “حماس” ليصبح “سما” يدخل ضمن مفهوم التصحيح المنصوص عليه في المادة 21 من المرسوم رقم 18837 الصادر بتاريخ 1932/1/1 أيّ منذ ما يقارب المئة سنة، وسمحت بكلّ حماس لحماس أن تنادى باسم “سما” وهو الإسم الذي تعرف به أصلًا، بين الناس. والإنسان لا ينادى إلّا بما يعرف به وبالرائج بين الناس وعلى ألسنتهم.
“محكمة” تتفرّد بنشر حكم القاضي فوّاز المؤلّف من ستّ صفحات “فولسكاب” كاملًا على الشكل التالي:
“باسم الشعب اللبناني
إنّ القاضي المنفرد المدني في صيدا الناظرة في قضايا الاحوال الشخصية،
لدى التدقيق،
تبيّن أنه بتاريخ 2025/8/11 قدّمت الدولة اللبنانية، ممثَّلة برئيس هيئة القضايا في وزارة العدل، إعتراضاً مع طلب وقف تنفيذ بوجه المعترض بوجهها حماس ر. خ.، وذلك طعناً بالقرار الصادر عن الهيئة السابقة لهذه المحكمة رقم /187/ تاريخ 2023/6/26 والقاضي بتصحيح اسم المعترض بوجهها ليصبح “سما” بدلاً من “حماس” في وثيقة ولادتها المنفّذة أصولاً سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 8837/1932 وأدلت المعترِضة، في الشكل، بأن القرار المعترض عليه صدر وفق الأصول الرجائية دون دعوة الدولة وسماعها ولم يتم تبليغه من رئيس هيئة القضايا في وزارة العدل فيكون الاعتراض وارداً ضمن المهلة القانونية ومستوفياً للشروط الشكلية سنداً للمادة 601 أ.م.م.؛
كما أدلت، في الأساس، بأنّ المعترض بوجهها فلسطينية الأصل وأنّ وثيقة ولادتها منفّذة وفقًا للأصول القانونية باعتبار اسمها وشهرتها “حماس خ.” لدى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين بالواقعة رقم 1190/6016 ، وبالتالي إن أي تصحيح لهذه الوثيقة هو تصحيح يتناول قيود مدونة في سجلات تعود الى لاجئين فلسطينين ويخرج عن اختصاص القضاء العدلي المختص فقط بإجراء التعديلات في سجلات الأحوال الشخصية للأشخاص المدرجة قيودهم فيها سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 1932/8838، كما وأضافت أن التصحيح المعمول به وفقاً للمادة المذكورة آنفاً غايته جعل القيود مطابقة للواقع والحقيقة المصرح عنها وقت حصول القيد كتصحيح الخطأ المادي الذي يحصل خلال عملية إدراج القيد بحيث يأتي مغايراً للحقيقة التي شاءها أصحاب العلاقة ، الا أنه في الحالة الراهنة ينتفي حصول اي خطأ مادي، وأن الهدف من الدعوى الراهنة هو تغيير اسم العلم الأمر غير الجائز قانوناً، وخلصت إلى طلب وقف تنفيذ القرار المعترض عليه ريثما يبت بالاعتراض وقبول الاعتراض شكلاً، وقبوله أساساً والرجوع عن القرار المعترض عليه والحكم مجدداً برد الدعوى بشأن تصحيح الاسم في وثيقة الولادة لعدم الصلاحية وبردّ الدعوى بشأن تصحيح الاسم في قيد المعترض بوجهها في السجل رقم (…)/(…) لعدم القانونية وتضمين المعترض بوجهها الرسوم والنفقات،
وأنه بتاريخ 2025/8/11 ضم ملف القرار رقم 2023/178 إلى الدعوى الراهنة،
وأنه بتاريخ 2025/9/18 تبلّغت النيابة العامة الاستئنافية في لبنان الجنوبي الإعتراض،
وأنه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2025/11/4حضرت وكيلة المعترضة، المحامية (…) ، وكررت أقوالها ومطالبها السابقة كما وحضر وكيل المعترض بوجهها المحامي(…) وحضرت المعترض بوجهها بالذات وأفادت أن اسم حماس يسبب لها الأضرار الجسيمة في حياتها الشخصية وذلك بسبب الطابع السياسي وطلبت المعترض بوجهها رد الاعتراض وتصديق القرار المعترض عليه، واختمت المحاكمة أصولاً،
بناءً عليه،
حيث إنّ المعترضة الدولة اللبنانية تقدمت بالاعتراض الراهن طعناً بالقرار الصادر عن الهيئة السابقة لهذه المحكمة رقم /178/ تاريخ 2023/6/26 والقاضي بتصحيح اسم المعترض بوجهها ليصبح “سما” بدلاً من “حماس” وذلك في خانتها في سجل نفوس رقم (…)/(…) وادراج التصحيح في وثيقة ولادتها المنفذة أصولاً سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 1932/8837 الأمر الذي يقتضي معه بداية البت بمدى قبول الاعتراض من ناحية الشكل، قبل البت في صحة ما تضمَّنه من ناحية الأساس،
أولاً: في الشكل
1- في مدى قبول الإعتراض شكلاً:
حيث إن القرار المعترض عليه صدر بالصورة الرجائية، وإن الدولة اللبنانية لم تكن حاضرة أصولاً في الإجراءات التي صدر بنتيجتها،
وحيث تكون الدولة اللبنانية في النزاع الراهن من الغير الذين أعطتهم المادة 601 أ.م.م حق الاعتراض على القرار الرجائي، في حال تضرُّرهم منه، أمام المحكمة التي أصدرته،
وحيث إن الدولة اللبنانية هي المؤتمنة على سجلات الأحوال الشخصية حيث يُقيَّد مواطنوها، ومن مصلحتها وصفتها الأكيدة أن تحول دون إجراء أو تعديل أي قيد في هذه السجلات بشكلٍ يخالف القوانين المرعية، لأن هذه القيود يجب أن تبقى على الدوام موضع ثقة، ومرجعاً أكيداً للإدارات والمواطنين على حد سواء،
وحيث لم يثبت في الملف إبلاغ القرار المعترض عليه أو أي من إجراءات تنفيذه من المعترضة بواسطة رئيس هيئة القضايا في وزارة العدل، على ما تفرض المادة 601 المشار إليها، فلا تكون المهلة المحدَّدة في المادة 601 قد بدأت بالسريان بحقها، ويكون الاعتراض الراهن وارداً ضمن المهلة القانونية،
وحيث إن الإعتراض يكون تأسيساً على ما تقدَّم مستوفياً لشروطه الشكلية كافة، ويجب بالتالي قبوله شكلاً،
في مدى اختصاص القضاء العدلي:
حيث إن القرار المعترض عليه قضى بتصحيح اسم المعترض بوجهها ليصبح “سما” بدلاً من “حماس” وذلك في خانتها في سجل نفوس رقم (…) /(…) وادراج التصحيح في وثيقة ولادتها المنفذة أصولاً،
وحيث إن المعترضة الدولة اللبنانية تطلب الرجوع عن القرار المذكور أولاً لعدم اختصاص القضاء العدلي بإجراء اي تعديل لقيود مدونة في سجلات تعود الى لاجئين فلسطينيين، سنداً للمرسوم رقم 927 تاريخ 1959/3/31 الصادر تطبيقاً لأحكام المرسوم الإشتراعي رقم 42 تاريخ 1959/3/31 كون تعديل وثيقة الولادة المنفذة وفقاً للأصول القانونية بالواقعة رقم 1190/6016 في سجلات إحصاء اللاجئين الفلسطينيين يؤدي الى تعديل قيود مدونة في سجلات تعود إلى لاجئين فلسطينيين ويخرج عن اختصاص القضاء العدلي المختص فقط بإجراء التعديلات في سجلات الأحوال الشخصية للأشخاص المدرجة قيودهم فيها سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 1932/8838،
وحيث إنه يقتضي، البحث في مدى اختصاص القضاء العدلي لتعديل قيود مدونة في سجلات تعود الى لاجئين فلسطينين سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 1932/8838 ، على ضوء أحكام المرسوم رقم 42 تاريخ 1959/3/31 والمرسوم التطبيقي رقم 927 تاريخ 1959/3/31.
وحيث إنه بالعودة الى المرسوم رقم 4 المذكور اعلاه يتبين أنه تم بموجبه إحداث ادارة شؤون اللاجئين الفلسطينين في وزارة الداخلية حيث أنيط بها الإهتمام بشؤونهم وأنه بموجب المرسوم التطبيقي رقم 927 أوليت هذه الإدارة قيد الأحوال الشخصية العائدة لهم،
وحيث إنه بالعودة الى المرسومين المشار اليهما أعلاه يتبين أنه أنيط بالإدارة قيد وتعديل قيود الأحوال الشخصية العائدة لللاجئين الفلسطنين بالصورة الإدارية، دون أن يحددا المرجع القضائي المختص بإجراء التعديل، وعليه أن هذه المرسومين لم ينزعا اختصاص القضاء العدلي ولاسميا القاضي المنفرد الناظر بقضايا الأحوال الشخصية لتعديل القيود سنداً للمادة 21 من المرسوم رقم 1932/8838،
(يراجع في السياق عينه الحكم الصادر عن محكمة التمييز المدنية – الغرفة الرابعة – رقم 92 تاريخ 2009/12/1 منشور في مجموعة باز رقم 48 سنة 2009 ص.524-525″ حيث قضى: وحيث إنه سنداً لما تقدّم بيانه آنفاً يمكن للقاضي المنفرد الناظر في قضايا الأحوال الشخصية أن يعدّل بيانات اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في ما يتعلّق بالمعلومات الخاطئة في سجلات النفوس، مثل تاريخ الميلاد.)
وحيث إنه عند عدم وجود نص قانوني خاص يرعى تصحيح القيود العائدة للاجئين الفلسطينيين قضائيًا يطبّق النصّ العام لتصحيح القيود ألا وهو المادة 21 من المرسوم رقم 1932/8838،
(يراجع في السياق عينه الحكم الصادر عن محكمة التمييز المدنية- رقم 104 تاريخ 2004/4/29 منشور على موقع أحكام الجامعة اللبنانية – مركز الدراسات القانونية- القاعدة البيبليوغرافية)
وحيث إنّه وفقًا لما تقدّم، يكون القضاء العدلي مختصاً لتعديل بيانات مدونة في سجلات عائدة للاجئين فلسطينيين، مما يقتضي ردّ الدفع المدلى به من هذه الناحية،
ثانياً: في الأساس
وحيث إنّ المعترضة الدولة اللبنانية تطلب الرجوع عن القرار موضوع الإعتراض كون تعديل اسم المعترض بوجهها من” حماس” لـ” سما” هو غير جائز قانوناً كونه لا يدخل ضمن مفهوم الخطأ المادي الذي يحصل خلال عملية إدراج القيد،
وحيث إنّ المادة 21 من المرسوم 8837 تاريخ 1932/1/1 أجازت تصحيح الأخطاء الحاصلة في مندرجات سجلات الأحوال الشخصية بمقتضى قرار قضائي يصدر بناءً على طلب أصحاب العلاقة بحضور مأمور لنفوس أو مندوبه،
وحيث إنّ اجتهاد محكمة التمييز اللبنانية استقرّ في تفسير هذه المادة على التفريق بين مندرجات سجلات الأحوال الشخصية التي تقبل التغيير، كالصنعة والمذهب، وبين المندرجات التي لا تقبل التغيير، ولا يجوز تحويرها إلّا بحكم يقضي بتصحيحها في حال شابها غلط، ومنها بشكل رئيسي اسم العلم والشهرة، (تمييز 5، قرار رقم 10، 20-1-1998، صادر في التمييز، القرارات المدنية، 1998، ص 474؛ قرار رقم 79، 17-6-1997، المرجع عينه للعام 1997، ص 357؛ قرار رقم 24، 11-2-1999 المرجع عينه للعام 1999، ص 482.)،
وحيث إن اسم العلم هو من المندرجات الأساسية في وثيقة الولادة على ما نصّت عليه المادة 13 من قانون 1951/12/7، وأنه لم يرد أي نص صريح على إمكانية تغييره على غرار ما ورد بالنسبة للأمور القابلة للتغيير،
وحيث إنّ عدم إدراج اسم العلم في عداد المسائل المذكورة، يعني أنّه يخرج بطبيعته عنها ولا يتماثل معها ولو شاء المشرع إجازة تغيير الاسم لما كان توانى عن ذكر ذلك،
وحيث انه بالاستناد إلى ما تقدّم، فإنّ ما يمكن أن يجري على القيد المتعلّق باسم العلم هو التصحيح فقط ضمن أحكام الفقرة الاولى من المادة 21، أي التصحيح بموجب حكم،
وحيث إنّه يقتضي بدايةً، تحديد مفهوم التصحيح المنصوص عنه في المادة 21 المذكورة، وتحديد مداه، تمهيداً للقول ما إذا كان طلب االمعترض بوجهها يدخل ضمن هذا المفهوم ويحترم حدوده؟
وحيث إنّ مفهوم التصحيح الذي عنته المادة 21 يتعلّق بتصحيح الأخطاء الواقعة في معرض التدوين الناتج عن عملية القيد أو التسجيل في دوائر النفوس، أو بالتصحيح عن طريق مطابقة القيود في السجلات مع واقع الحال الفردي الشخصي والاجتماعي المبرر على اعتبار ان سجلات النفوس يقتضي ان تكون مرآة للواقع وليس العكس، ما يسمح بالتالي بإمكانية تصحيح القيود في الحالات التي يصبح فيها هذا القيد غير متآلف مع واقع الحال الفردي الشخصي لطالب التصحيح، وذلك بصورة أكيدة ولا يرقى إليها الشكّ، ومع وجوب المحافظة على اسم الأفراد كما دوّن في السجّلات وكما عرفوا به في تعاملهم مع الغير وذلك عملاً بمبدأ استقرار القيود ومصداقيتها وكي لا تختل العلاقات الاجتماعية والمالية والقانونية بشكل يلحق الضرر بالغير وبالمصلحة العامة تبعًا للتصحيح،
وحيث إنه وإن كان مبدأ ثبات الاسم وديمومته هو مبدأ تفرضه مقتضيات المصلحة العامة وقد كّرس بنصّ المادة /21/ من المرسوم 18837 التي منعت استقلال الارادة الفردية بالتغيير وأناطت أمر التصحيح بالسلطة القضائية عملًا بالقاعدة أنّ الشهرة ليست اختيارية، إلّا أنّ الاجتهاد استقر أيضاً على جواز تصحيح الاسم في حالات معينة ومحددة واستثنائية، ولو لم يكن هنالك أي خطأ يشوبه عند إجراء القيد، ومن هذه الحالات على سبيل المثال عندما يسبب الاسم أضراراً نفسية بليغة لصاحبه، أو أن يكون محطّ إزدراء وسخرية أفراد المجمتع، أو منافيا للحشمة والآداب العامة،
وحيث إنه بالعودة الى التحقيق الذي أجراه المساعد القضائي لهذه المحكمة بتاريخ 2023/3/30 بناءً لتكليف هذه المحكمة، ولأقوال المعترض بوجهها في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2025/10/21 يتبينّ أن اسم “حماس” يسبب للمعترضة أضراراً بليغة منذ الصغر بسبب الطابع السياسي الذي يحمله، وأنّ المعترض بوجهها تتعامل وتتعاطى أصلاً مع الغير باسم “سما” في مختلف علاقاتها منعًا للإحراج،
وحيث ان ما تقدم من شأنه أن يجعل من طلب المعترض بوجهها الرامي الى تصحيح اسمها ليصبح سما بدلاً من حماس، يدخل ضمن مفهوم التصحيح المنصوص عنه في المادة 21 المذكورة أعلاه،
وحيث بالاستناد الى كل ما تقدم يكون القرار المعترض عليه واقع في موقعه القانوني الصحيح ويقتضي بالتالي رد الاعتراض في الأساس،
وحيث بالوصول إلى هذه النتيجة، لم يعد هنالك مجال لبحث سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة إمّا لأنّها لقيت الردّ الضمني المناسب، أو لأنّها باتت دون موضوع،
لذلك، تحكم:
أولاً: بقبول الاعتراض المقدَّم من الدولة اللبنانية شكلاً،
ثانياً: بردِّه أساساً للأسباب المذكورة أعلاه، وتصديق القرار المطعون فيه الصادر عن هذه المحكمة رقم 2023/187 تاريخ 2023/6/26.
ثالثاً: بحفظ النفقات، وبإبلاغ هذا الحكم ممَّن يلزم، وبردّ سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة،
حكماً صدر وأفهم علناً في صيدا بتاريخ 2025/12/9.”
“محكمة” – الجمعة في 2025/12/12

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink).
كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها “الفايسبوك”، و”الواتساب”، و”اكس”، و”الإنستغرام”، و”التلغرام”، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو “ChatGPT”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر.
ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في “محكمة” وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة “محكمة”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.