السرطان في لبنان: مسؤولية الدولة بين القانون وواجب الحماية/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور:
لقد دفعني الواقع الصحي في لبنان مع ما يشهده المواطنون من تزايد مقلق في حالات الإصابة بالسرطان إلى كتابة هذا المقال.
فالمرض أصبح هاجساً يومياً للأفراد والأسر، ولم يعد بالإمكان النظر إليه من زاوية طبية فحسب، بل أصبح قضية وطنية وقانونية وحقوقية. الأرقام والإحصاءات تشير إلى ارتفاع معدلات الإصابة بشكل غير مسبوق، ما يجعل من الضروري التفكير في دور القانون والنصوص الدستورية والتشريعات الوطنية والإلتزامات الدولية في حماية صحة المواطنين وبيئتهم، وكيف يمكن للعدالة أن تكون شريكاً أساسياً في مواجهة هذه الكارثة الصحية.
تتعدد الأسباب التي تجعل لبنان في طليعة الدول العربية من حيث مخاطر الإصابة بالسرطان، بدءاً من التلوث البيئي المزمن الناتج عن الانبعاثات الصناعية والنفايات الكيميائية غير المعالجة، إلى حرق النفايات بشكل متكرر خصوصاً أثناء الإضرابات أو أزمات إدارة النفايات. ويضاف إلى ذلك الأعمال الحربية والاعتداءات المسلحة بما فيها استخدام أنواع من الأسلحة المحظورة دولياً التي أدت إلى انبعاث مواد مسرطنة في مناطق عدة، فضلاً عن ضعف الإمكانات الطبية والتشخيص المبكر للسرطان، وارتفاع معدلات التدخين ونقص برامج التوعية بالمخاطر البيئية والغذائية. هذه العوامل تجعل حماية البيئة والصحة العامة أكثر إلحاحاً وتضع الدولة والسلطات المحلية أمام مسؤولية قانونية مباشرة لضمان سلامة المواطنين.
من الناحية القانونية، يكفل الدستور اللبناني في مقدمته وبخاصة الفقرة (و) حق المواطنين في بيئة سليمة وصحة آمنة، حيث ينص على حماية البيئة ضمن نظام اقتصادي يضمن العدالة الاجتماعية. ويعزز هذا الحق القانون رقم 444/2002 المتعلق بحماية البيئة الذي يقر بأن البيئة المتوازنة والسليمة جزء لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للإنسان. كما أن لبنان ملتزم على الصعيد الدولي بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، الذي يكفل لكل إنسان التمتع بأعلى مستوى من الصحة، بما يشمل مكافحة الأمراض الناتجة عن التلوث البيئي والصناعي.
إذن الدولة مسؤولة تجاه مواطنيها وبقوة القانون تأمين صحة المواطنين وعدم تعرضهم للأخطار الناتجة عن الإهمال أو التقصير، لا بل يمكن مساءلة المسؤولين عن الإضرار بالصحة العامة إستناداً إلى نصوص واضحة، أبرزها المادة 549 من قانون العقوبات التي تعاقب من تسبب عن إهمال أو قلة إحتراز بإيذاء الناس أو تعريض صحتهم للخطر بما يشمل التلوث البيئي وسوء إدارة النفايات والإنبعاثات الصناعية. كما تنص المادة 123 من قانون الموجبات والعقود على أن كل فعل ضار يلحق الضرر بالغير يوجب التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناتجة عنه، ما يتيح للمتضررين مقاضاة الدولة أو المؤسسات الخاصة التي ارتكبت أفعالًا أو امتنعت عن أداء واجباتها فأدت إلى الإضرار بالصحة العامة.
ويدعم هذا الإطار الاجتهاد القضائي اللبناني الذي أكد مراراً على حماية البيئة والصحة العامة كأساس للحقوق الدستورية، وعلى واجب الدولة في الوقاية من المخاطر البيئية، وتعويض المتضررين عند التقصير، ما يجعل القانون أداة فعلية لمساءلة الدولة والمؤسسات.
بيد أن الدول الغربية خطت خطوات متقدمة في هذا المجال. ففي فرنسا حمّل القضاء الدولة بالذات مسؤولية تقصيرها في مكافحة التلوث الهوائي في العديد من القضايا معتبراً أن ذلك يشكل خطأُ إدارياً يستوجب التعويض.
وعلى المستوى الدولي رأت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا مشابهة، أن التلوث البئي المفرط يمس بالحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية(المادة 8 من الإتفاقية الأوروبية) وأكدت أن مسؤولية الدولة من حماية المواطنين من التلوث الصناعي المؤذي للصحة من خلال وضع تشريعات ورقابة فعالة.
ولا يخفى على أحد أن ارتفاع نسب السرطان في لبنان ليس مسألة صدفة، بل هو انعكاس مباشر لتقصير السلطات في إدارة النفايات، ضبط الإنبعاثات الصناعية، مراقبة الغذاء والمواد الكيميائية، والإهمال في تنظيم حملات التوعية، إضافة إلى تبعات الأعمال الحربية والإعتداءات. لذلك، فإن تفعيل دور النيابة العامة البيئية، وتعزيز دعاوى المصلحة العامة أمام مجلس شورى الدولة، وتطوير الإجتهاد القضائي يعد ضرورة ملحة لضمان مساءلة الدولة والبلديات والمؤسسات الخاصة، وتحقيق تعويض للمتضررين، وتحويل لبنان إلى نموذج قانوني رائد في حماية الحق بالصحة والبيئة.
إن هذا الواقع يضع مسؤولية جسيمة على عاتق الدولة، ليس فقط في سن التشريعات، بل في تطبيقها بجدية ومراقبة التلوث البيئي والصناعي، وضمان الامتثال للمعايير الصحية الدولية. كما يحتم على السلطات القضائية والمحامين والجمعيات الأهلية المحلية والدولية والمواطنين المساهمة في حماية الحق الدستوري في الصحة والبيئة، سواء عبر الرقابة القضائية، دعاوى المصلحة العامة، أو التحرك القانوني الفردي ضد أي جهة تتسبب بالإضرار بالصحة العامة.
كذلك فإنّ منظّمات المجتمع المدني المعنية بالبيئة والصحة العامة والتي تهدف الى مراقبة مصادر التلوث ونشر الوعي الصحي والضغط على الحكومات لاعتماد سياسات وقوانين تحد من المخاطر البيئية وتساهم في حماية الإنسان من الأمراض المرتبطة بالتلوث مثل السرطان يمكن أن تلعب دورًا رياديًا في هذا الموضوع.
صفوة القول، يثبت هذا الملف أن الحقوق الصحية والبيئية ليست مجرد شعارات، بل إلتزام قانوني ودستوري وإجتماعي، وأن أي تقصير في صونها يعرض حياة المواطنين للخطر ويضع الدولة في موقع المسؤولية القانونية المباشرة، ما يستدعي إتخاذ خطوات عاجلة حقيقية وجادة لتحويل لبنان من بلد يعاني من تفشي الأمراض إلى بلد يحمي صحة وسلامة مواطنيه عبر القانون والعدالة.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من مجلة محكمة – العدد 53 – تشرين الثاني 2025).
“محكمة” – الاثنين في 2025/11/17



