الشتاء.. رحلة الروح إلى الحلم والدهشة/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
في صغري، كان الشتاء أكثر من فصل، أكثر من مطرٍ أو غيمة عابرة. كان سرًّا يطرق نافذة روحي ويأخذني بعيدًا عن المكان والزمن. كنتُ أجلس في الصفّ المدرسي والبرد يتسلّل إلى أصابعي، فإذا بي أنفصل عن اللحظة، وأرتفع إلى عوالمٍ لا يعرفها إلا القلب الصغير المفتوح على الدهشة. المطر على الزجاج كان عندي كلمات مكتوبة بلغة خفية، والريح العاصفة كانت تهمس بحكايات أراضٍ بعيدة وأرواح لا تهدأ. كلّ شيء في الشتاء كان دعوة للحلم، إلى سؤال بلا جواب، إلى رحلة بلا وجهة.
الشتاء كان معراجًا سريًّا، يحملني إلى العُلى حيث لا مكان ولا زمان، حيث يتسع الخيال بلا حدود، حيث ألتقي بأسرار لم يكتب لها أحد أن تُروى. كنت أترك عالمي الصغير وأدخل في حلم واسع، أبحث فيه عن شيء بلا اسم لا أعرف ما هو، وربما، في تلك اللحظة الأولى، لم أفهم أنّ الشتاء ليس مجرد برودة أو مطر، بل هو صمتٌ يعلّم، ونورٌ خفيّ يفتح أبواب العقل والروح.
وكم مرّة رفعتُ وجهي إلى السماء، فتساقطت قطرات المطر على جبيني وخدّي كأنّها رسائل صغيرة من الغيم، أو دموعٌ سرّية تهبط من عيون السماء لتلامس وجهي. كانت تنحدر كنجومٍ ذائبة، تبرد جلدي ولكنها تشعل في داخلي دفئًا خفيًا لا يوصف. ومع ذلك، لم يكن المطر رحيمًا بي دائمًا؛ فكثيرًا ما أورثني نزلاتٍ صدرية تُثقِل أنفاسي، وكأن الجسد كان يعترض بينما الروح تُصِرّ على مرادها في طلب الدهشة.
واليوم، بعدما كبرت، ما زال الشتاء يحمِلني إلى البعيد، لكن بُعده أصبح أعمق. لم يعد حلمًا طفوليًا بريئًا، بل صار بحثًا عن المعنى، عن الحقيقة في عالمٍ يغرق في الضوضاء. المطر لم يعد يكتب على الزجاج فقط، بل على جدار قلبي والزمن، على جسد اللحظات: كلّ بداية تستدعي نهاية، وكلّ حياة تنطوي على موت، وكلّ دمعةٍ وندى يحمل سرّ الخلق والتجدّد. والبرد لم يعد رجفة جسدٍ ضعيف، بل صار امتحانًا للروح، ليذكرني بأنّ في داخل الإنسان جمرة دفء أبدية، إن عرف كيف يحميها.
الشتاء علّمني أن الصمت قبل الكلام، والتأمل قبل الفهم. إنه مدرسة لا تنطق إلا بالريح، ولا تكتب إلا بالمطر، ولا تُشرح إلا بالغيوم التي تغطي السماء ثم تنقشع شيئًا فشيئًا. هو دعوة للنظر وراء الضباب، لنسبر أعماق النفس، لندرك أنّ وراء كلّ عاصفة سلامًا ينتظر أن يولد، وأنّ النور لا بدّ أن يظهر مهما طال الليل. فالشتاء ليس مجرد بردٍ أو حزن، بل هو معراج صامت، يأخذنا إلى ما لا يُقال، ويترك في أعماقنا سؤالًا يرفرف بلا جواب: إلى أين يحملنا المطر حين نصغي له بصدق؟ وإلى أيّ مدى يظلّ الإنسان طفلًا في حضرة الفصول، باحثًا عن الدهشة الأولى التي لا تذبل أبدًا؟
وهكذا، كبرتُ وسأبقى أمام المطر طفلًا صغيرًا، أرفع وجهي إلى السماء ببراءة الدهشة الأولى، وأصغي إلى صوته كأنّه لحنٌ لا ينتهي. إنّي أحب المطر، وأحب أنّه يذكّرني دومًا بأن الطفولة لم تغادرني، وأن في داخلي طفلًا لا يكبر، ينتظر كل شتاء ليحلم من جديد.
“محكمة” – السبت في 2025/12/6



