مقالات
الفارس الزحلاوي يترجل الى حيث الامان الدائم/ ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
إطمأن الى زيارة قداسة الحبر الاعظم البابا لاوون الرابع عشر لبنان، ومباركة ارضه وشعبه. ورحل.
دخل غرفة العناية الفائقة منذ ثلاثة اسابيع، وبعد زيارة قمت بها وإياه ومعنا الزميل الوفي الآدمي سهيل ابو سمرا الى التفتيش القضائي. كان متعباً، مرهقاً، لا يقوى على المشي. إنما ضميره المهني لم يسمح له إلا وان يقدم شكوى بحق احد القضاة الذي اعتبر انه ارتكب مخالفات. دخل غرفة العناية الفائقة، ولم يخرج منها إلا وقد فارق الحياة. قال لصديقه الوفي سهيل: لقد اعددت اجراءات الجنازة والمدفن، والتابوت. لقد اقتربت ساعتي وسوف اواجهها بشجاعة وقوة وايمان.
رحل إبن زحلة صاحب الصوت الجهوري في اي قاعة وجد فيها.
رحل إبن زحلة، عروس البقاع وارض الابطال، صاحب المواقف الجريئة، الصلبة، والشجاعة.
رحل المحامي الالمعي الذي بقي يناضل حتى الرمق الاخير وقبل دخوله غرفة العناية الفائقة بعدة ساعات.
رحل من كان له الفضل الاكبر، مع الزميل فادي عصام ناصيف – اطال الله في عمره – في التفاوض وفي تنظيم أفضل عقد استشفاء في تاريخ النقابة، والذي در على الصندوق الملايين، ولم نواجه مشكلة واحدة طوال السنتين من ولايتي بفضلهما.
رحل من كان يكتب وينبّه من مخاطر تصرّفات بعض رجال السياسة والدين والقضاء، والنقابة، ويدعو الى تصويب المسارات، والى التعاطي بشفافية ونزاهة وصدق.

ابراهيم مسلم لم يكن مجرد رجل مرّ في هذه الحقبة من تاريخ لبنان. فهو رسم خطاً ليسير عليه الجيل القادم، ويتعاطى بشفافية وصدق واندفاع بعيداً عن التزلف والخنوع.
عرفته عن قرب بعد توليه مركز عضوية الهيئة الادارية في خريجي حقوق اليسوعية. وكنا نجلس في مقهى “مونو” بعد كل جلسة ومعنا الاصدقاء القاضي فوزي خميس والمحاميان فيليب معلوف ومروان صقر. كان جريئاً، صريحاً لا يحابي ولا يجامل. دائماً في حالة غضب وحزن وقرف من كل ما يجري في البلد. ومع ذلك كان يتحلى بروح الدعابة والطرافة. كتبت عنه عدة طرائف:
يقول ان بعض الناس لا يعرفون حجمهم. ويخبر الطرفة الآتية: بسبب عجقة الركاب في الترامواي كان احدهم كلما لمس الآخر اثناء تنقله يقول له: اعرف حالك مع مين عم تحكي. الى ان ضاق ذرعه فأمسكه من قيمصه وقال له: مين بدك تكون؟ تنتقل في الترامواي في 15 آب يوم أحد الساعة الثالثة بعد الظهر، ودرجة ثالثة وبعدك بتقول عراف حالك مع مين عم تحكي؟
***
كما يقول ان احد ابناء زحلة كان يملك مجلة وقد كتب فيها مرة انه اقام حفلة غداء على شرف احد الشعراء حضرها مئات الشخصيات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والقضائية…علما بأنه لم يقم اية حفلة غداء بل كان مجرد خبر.
فاتصل به شاعر آخر مستنكراً هذا الأمر قائلًا له انه هو الشاعر الكبير الذي يجب ان تقام له حفلة الغداء.
فما كان من صاحب المجلة إلّا أن أجابه فورًا:
– في العدد القادم.
***
كما روى لي مرة ان احد اصدقائه في سويسرا قال له: لن اتزوج إلا لبنانية.
واضاف: البارحة كانت لبنانية تخيط لتركيب زر قميص لزوجها. ثم قبّلت الزر.
ويقول ابراهيم انه لم يكن يعرف انها كانت تقطع الخيط بأسنانها.
***

المحامي المرحوم ابراهيم مسلم مات حزيناً. ففي هذا البلد الجميل قتلوا كل شيء واستباحوا كل شيء. ولا من يسأل او يحاسب.
ايها الحبيب ابراهيم. لقد رحلت الى مكان لا حقد فيه ولا حسد. لا قتل ولا حرب. لا فساد ولا سرقة. لقد رحلت الى حيث الامان الدائم وهذا ما يرجوه كل مؤمن.
رحمك الله
“محكمة” – الاربعاء في 2025/12/3



