الفجوة المالية: عندما يصبح القانون أداة لتقنين السرقة – قراءة نقدية/جاد طعمه
المحامي د. جاد طعمه:
الأزمة اللبنانية اليوم ليست مجرد انهيار اقتصادي، بل هي اختبار وجودي لمبدأين: هل يُكتب القانون لخدمة العدالة أم لتكريس الفساد؟
مشروع قانون الفجوة المالية، الذي يُروَّج له باعتباره الحل “التقني” الوحيد، تجاوز كونه وثيقة تشريعية ليصبح مرآة تعكس صراعاً جوهرياً بين منطقين: منطق التستر والتسوية الذي ترعاه السلطة، ومنطق الكشف والمحاسبة الذي يطالب به أهل القانون والضحايا.
في هذا الوقت تحديداً، لا يجب الاكتفاء بتوجيه الانتقاد لمشروع القانون من منظور أخلاقي وسياسي علماً أن هذا واجب وضروري، بل لا بد من إثبات أن هذا المشروع يحتوي على أخطاء تتجاوز عيوب الصياغة التشريعية، لأن فيها أدلة ملموسة على أن هذا المشروع وُضع لتشريع النهب الذي قامت به ثلاثية تعاضدت في ما بينها وتضم الدولة اللبنانية، مصرف لبنان والمصارف التجارية، وأن الهم الأكبر لم يكن استرداد الحقوق من قبل أصحابها أي المودعين.
أوّلًا: الاجماع القانوني على الانتقاد
قبل الخوض في الأبعاد الأخلاقية والسياسية، من المفيد التنويه، أنّه حتى الأعضاء الذين شاركوا في لجنة الصياغة لمشروع القانون بمختلف صفاتهم التي حضروا من خلالها، أبدوا ملاحظات تقنية حول المشروع، منها:
– غياب الأرقام: إن مشروع القانون يحاول خلق آلية معقّدة لتسديد الودائع على مدى 20 سنة، دون أن يحدد حجم “الفجوة” الأساسية أو أرقام الودائع سواء أكانت صغيرة أو كبيرة، الواجب رد قيمتها.
– المفعول الرجعي في مشروع القانون: لقد تم تحديد تاريخ 30 نيسان 2019 لبدء تنفيذ الإجراءات، أي أن المعنيين في الحكومة اللبنانية باتت تتوافر لديهم معلومات عن أفعال كانت قانونية وقت حدوثها ولا بد من معالجتها. وهذا التفصيل يؤكد أن انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 لم تكن حقيقة هي سبب الأزمة.
– انتهاك مبدأ المساواة: إن التمييز بين المودعين وهم جميعهم من أصحاب الحقوق، وذلك اعتماداً على حسب حجم الوديعة التي جرى تصنيفها بين صفيرة وكبيرة، إنما يخالف أحكام المادة 7 من الدستور اللبناني.
– وأد إمكانية استرداد المال في الخارج: المفعول الرجعي للقانون تؤدي الى إسقاط أي إمكانية لملاحقة الأموال التي تم تحويلها أو سحبها قبل تاريخ نفاذ القانون، ما يعني أن مشروع القانون يحاول مكافأة من هرّب أمواله ومعاقبة من أبقى وديعته في المصارف اللبنانية وكذلك الحال مع فرض الغرامات.
إذا، بعيدًا عن الشق المتعلق بتقصير السلطات الدستورية والبعد الأخلاقي الذي يجب أن يراعيه القانون كما مفهوم العدالة، فإنه حتى من منظور القانون التقليدي المحايد، المشروع معيب جوهرياً. هذا الإجماع بين مختلف من أدلى بدلوه القانوني حول مشروع قانون الفجوة المالية حتى الساعة، إنما يُشكل حجة دامغة بأن العيب ليس في التفاصيل، بل في الفلسفة التشريعية الكامنة في مشروع القانون نفسه.
ثانيًا: لماذا المدرسة القانونية التقليدية غير كافية لمواجهة الفساد؟
هناك ضرورة لتجسيد انعكاس المنظور النقدي، فالتحليل التقني الخالص يستطيع أن يكشف الأعراض، لكنه يتوقف حُكماً عند حدود التشخيص. ودور الباحث القانوني النقدي يكتمل إن استطاع ربط الأعراض الظاهرة بالمرض الأساسي والمزمن، ألا وهو: “استغلال القانون كأداة لإضفاء الشرعية على الفساد” أو ما يعرف بـ “الفساد المقونن”.
إذا ما قلنا إنّ مشروع قانون الفجوة المالية يعيد كتابة التاريخ ويشطب جزءًا من الودائع، فإنّنا نكون أمام وصف للآلية القانونية. لكن القراءة النقدية تدفعنا لأن نحلل جماعيًا ونكتشف أن هذه الآلية ليست بريئة تماماً، لأنها تتم عبر “صفقة سياسية” يتم تظهيرها بعد تجميلها على أنها بمثابة “إصلاح قانوني” وهي ليست كذلك.
هذا ما يُعرف في الفقه القانوني الدولي بـ “سوء استعمال القانون” (Abuse of Law)، وهو مبدأ يُستخدم لإبطال الأفعال القانونية الشكلية التي تهدف إلى التحايل على الحقوق أو العدالة.
أيضًا، إن أردنا التحدّث بلغة بحت قانونية تقنية، سنجد كيف يمكن تحويل العقوبة القانونية إلى “رسوم للفساد” حين نشرع للمصرف الاحتفاظ بنسبة تتجاوز نصف المبالغ التي تمّ السطو عليها من قبله ومحاولة تأمين كافة الظروف القانونية لاضعاف الجانب المتعلق بملاحقة المودعين للمصارف التجارية قضائياً. هكذا وبالرؤية النقدية التي لا بد من أن نعلنها لا يعود القانون أداة للردع، بل بات آلة لغسل المال الذي وضع بتصرف مختلف السلطات الدستورية.
لذا لا يجب فصل القانون عن سياقه السياسي والأخلاقي – ففي بلد غارق في الفساد المقونن غالب الأحيان – تصبح القراءات القانونية التقنية الخالصة بمثابة خطأ منهجي.
وفي جميع الأحوال، إنّ مشروع قانون الفجوة المالية ليس حيادياً؛ بل إنه “ساحة معركة” بكلّ ما للكلمة من معنى. والتشريع الذي يُصاغ في غرف مغلقة بين مصرف لبنان ووزارة المال وجمعية المصارف لعرضه على مجلس النواب تحت ضغط الوقت هو تشريع هجين ومريض ما قبل ولادته.
ثالثًا: العدالة والأخلاق يشكّلان جزءًا من روح القانون
حين تمّ نشر دراسات حول الأزمة المصرفية من طرفي سابقًا، سمعت انتقادات مباشرة وبالتواتر، بأن لغة الصياغة خطابية تركن الى ما هو “أخلاقي” أو “سوسيولوجي” أكثر منه ما هو “قانوني”، في تعليق يتناسى أن رجل العلم القانوني، وان كان أكاديمياً، لا يمكنه أن يضع حاجزاً مصطنعاً بين القانون والعدالة، لأن غياب العدالة اليوم أحد أسباب الأزمة. وهذه مناسبة لنستذكر أساسيات الفلسفة القانونية:
1. الشرعية (Legality) يمكنها أن تتعارض مع العدالة (Justice): فكثير من القوانين وعلى رأسها قانون العفو العام الصادر بداية التسعينات، كان سارياً وشرعياً لكنه كان قانوناً ظالماً وأورث لبنان النوائب. أما تاريخ البشرية فمليء بقوانين فصل عنصري أو قوانين مصادرة استعمارية كانت “شرعية” لكنها مجرمة.
2. العقد الاجتماعي بين اللبنانيين: يُعتبر هذا العقد أساس إضفاء “الشرعية” على أي قانون، لأن أي قانون لا بد وأن يحظى برضا المحكومين به لأنه يحمي حقوقهم ويحقق العدالة. وهكذا فرض الميثاق الوطني نفسه رغم كونه اتفاقًا غير خطي على جميع اللبنانيين. وإن أي قانون يُشرّع سرقة مدخرات الناس وجنى أعمارها إنما ينقض العقد الاجتماعي من أساسه.
3. الدستور الحيّ: إن الدستور ليس مجرد نصوص وديكور لقيام الدولة العصرية، بل هو مبادئ عليا للعدالة والإنصاف، لذا فإن أي قانون يناقض العدالة الجوهرية يكون معيباً دستورياً، لأن الدستور الحي – كما يقول شيشرون واضع أسس القانون الطبيعي – هو “صوت الطبيعة الذي يعلو فوق قوانين البشر عندما تتعارض مع العدالة”.
إذا، الرؤية النقدية لمشروع القانون، ليس “خروجاً عن القانون أو الأصول القانونية”، بل هو دعوة جادة للعودة إلى إقرار القوانين بمعناه الأعمق والأسمى، هذه المفاهيم التي خسرناها منذ اقتحمت فئة رجال الأعمال المجلس النيابي وغاب أهل التشريع. وحين أقول إن مشروع القانون المتعلق بـ “الفجوة المالية” يُشرّع السرقة والإختلاس، فهذا يعكس تطبيقاً للمبدأ القانوني الراسخ: “الفقيه الحقيقي هو من يعرف العدالة قبل أن يعرف النص”.
المطلوب وبخاصة من رجل العلم الذي لم يكن يوماً في أي لجنة صياغة ولم يتواصل يوماً مع أي رجل في السلطة، عدم فصل القانون عن سياقه السياسي والأخلاقي. وكما حذّر الفيلسوف أوغسطين منذ قرون: “العدالة هي نهاية القانون، فالقانون بدون عدالة هو مجرد وسيلة منهجية للقمع”.
هذا ليس فكراً إشتراكياً ولا ثورياً، فلا الاشتراكية قائمة في لبنان ولا الثورة والثوار موجودين حقاً، إنما هي عودة ضرورية إلى جوهر فقه القانون الطبيعي الذي يرتكز عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لمن أراد ربط القوانين بالأخلاقيات والانسانيات.
رابعاً: الجرأة والدقة هما ركيزتا الإصلاح الحقيقي
إن فشل القوى التي ادعت التغيير في مجابهة هذا القانون، وصولاً إلى مشاركة بعضها في تمريره، هو دليل إضافي على أن المشروع ليس إصلاحاً، بل هو استمرار للنظام ذاته تحت غطاء جديد، فالإصلاح لا يمكنه أن يتم من خلال ترقيع النصوص المختلة، بل يحتاج الى ورشات إعادة بناء لأن هذا هو التصحيح الفعلي للمسار.
إن الإصلاح الحقيقي للقوانين في لبنان، يحتاج إلى تحالف بين ثلاث كفاءات تتكامل في ما بينها ولا يجب أن تتنافس:
1. كاشفو الفساد: مهمة هؤلاء تسمية مكامن الداء من دون تجميل، وقد تضم عباراتهم مفردات وتعابير مثل “الفساد المنظم، التواطؤ، وتحويل القانون إلى غطاء”. في هذا المقام الجرأة في قول الحق لا تعود “شعبوية” كما يحب الكثير من الجبناء تسميتها، بل تكون هي الخطوة الأولى للتشخيص الصحيح والدعوة الى المحاسبة.
2. الفنيون والأكاديميون: مهمة هؤلاء تصميم العلاج بشكل احترافي، وقد يستعملون في صياغاتهم مفردات مثل “آليات استرداد رصينة، ضمانات دستورية، هيكليات مصرفية سليمة”. ودقة أدواتهم ضرورية واحترافية عقولهم الناضجة تعتبر ضرورة لتحويل المبدأ إلى واقع.
3. المنفذون النزيهون: مهمة هؤلاء هي في حسن تنفيذ القوانين وتفسيرها بما يتوافق مع المطلوب منها وفقًا لمبادئ حسن النيّة، وهذه الفئة هي المعضلة الأكبر في لبنان – لأنّها تضمّ الجهات الرقابية والجهات القضائية وكل جهة إدارية مستقلة تمتلك قانونا صلاحيات لفرض تطبيق القانون.
مشروع قانون الفجوة المالية فشل لأن السلطة التنفيذية أرادت القفز مباشرة إلى “العلاج الفني” الهش دون الاعتراف بـ “الداء” أي وجود الفساد والسرقة. هكذا لا يكون مشروع القانون إصلاحياً ولا يهدف الى تأمين حقوق 85% من المودعين، بل هو مجرد قنبلة دخانية هدفها التمويه لاخفاء معالم جريمة لا تغتفر، ولا يمكن لعاقل لديه حد أدنى من الرصيد الأخلاقي أن يتقبل مرور الجريمة وتمرير القانون مر من دون حساب. أما إن حصل ذلك وقد يحصل، فلا بد من تهنئة جمعية المصارف وأعضاء نادي السلطة السياسية في لبنان سلفاً، وهذا الانجاز النوعي الثاني بعد الإنجاز الأول المتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت.
الدرس المستفاد من هذه القراءة المقارنة هو أن معركة اللبنانيين ليست بين “فنيين واقعيين” و”مثاليين عاطفيين”. المعركة هي بين من يريدون استخدام القانون لإنهاء حالة النهب، ومن يريدون استخدام القانون لتكريسها.
لذلك أتوجه بالدعوة الى وجوب وقف هذا المسار التشريعي المريض كلياً، والانطلاق من مرتكزات أخرى فيها: كشف كافة الحسابات، واسترداد الأموال المهربة، ومحاسبة الفاسدين. بعد ذلك، يمكن القيام بصياغة تشريعية لقانون حقيقي للإصلاح المالي.
لا يجب أن نخشى الربط بين القانون والعدالة، ولا يجب أن نترك حقل القانون للفاسدين ليحولوه إلى لغتهم الخاصة. فالقانون هو أقوى سلاح في وجه الظلم، ولكن بشرط أن نذكر دائماً أنه خادم للعدالة، لا سيد عليها. وهذا ما قامت به سابقاً وتقوم به مختلف السلطات تجاه من يكشف عوراتها.
لبنان لن ينهض بموازنات معادلة أو قروض دولية فقط. لبنان سينهض عندما يعود القانون ليراعي مصلحة الشعب اللبناني. لبنان ينهض عندما تصبح كلمة “فجوة” لا تعني الثغرة التي أريد منها تهريب الفاسدين للافلات من العقاب ولا تعني الحفرة التي يُدفن فيها أمل المودعين وهم أصحاب اليد الطولى لأنهم وحدهم أصحاب الحقوق المهدورة.
هذا هو السؤال الذي يطرحه القانون، وهذا هو الجواب الذي تفرضه العدالة. والوقت وحده كفيل بكشف من كان مع الحق. أمام هذا الاختبار، يذكرنا جان جاك روسو في العقد الاجتماعي بأن: “طاعة القوانين واجبة، ولكن فقط تلك القوانين المطابقة للعدالة. أما الطاعة العمياء فهي عبودية”.
“محكمة” – الخميس في 2026/1/1



