مقالات

المحاماة طريق للكرامة/ وسيم بو طايع

المحامي وسيم بو طايع:
أيها المحامي ؛
يا من وطئتَ دربًا لا يُفرش بالثناء، ولا تُنارُ جوانبه بالراحة، دربًا لا يسلكه إلا من قَبِل أن يتألم ليُقيم عدلًا، وأن يصبر ليصون حقًا، وأن يَحترق ليُضيء طريق غيره.
إعلم – ثبّتك الله – أنك لم تختر وظيفة، بل اعتنقت رسالة، ولم تدخل مهنة، بل دخلت معركة طويلة النفس، قاسية الملامح، لا ينتصر فيها سريع الغضب، ولا يثبت فيها ضعيف العزيمة.
هي مهنة الصبر الثقيل، والانتظار المُرهِق، والسهر الذي لا يشهد له أحد، والجهد الذي لا يُكافَأ فورًا، والحق الذي لا يُنتزع إلا بعد عناء.
ستتعب… نعم ستتعب.
ستقف طويلًا أمام أبوابٍ مغلقة، وستُقابل أحيانًا بالجفاء بدل التقدير، وبالشكّ بدل الثقة، وبالتجاهل بدل الاحترام.
ستبذل جهدًا يُنسب لغيرك، وتكتب ما ينطق به سواك، وتنتظر أعوامًا ليُثمر ما زرعته في أيام الشباب.
لكن تذكّر:
أنّ المحاماة لم تكن يومًا طريقًا للراحة، بل كانت دائمًا طريقًا للكرامة.
هي المهنة التي صمد رجالها حين انهار غيرهم، وثبتوا حين خاف الناس، ورفعوا صوت القانون حين خُنقت الأصوات.
هي أخت القضاء، لا تتقدّم عليه، ولا تتأخر عنه، بل تقف إلى جواره شاهدةً على أن العدالة لا تُولد صدفة، بل تُنتزع انتزاعًا.
أخي المحامي ،
القانون بحرٌ قاسٍ، لا يرحم الغافلين، ولا يمنح كنوزه للمتعجلين.
بحرٌ يغرق فيه المتكبر، وينجو منه المتواضع المجتهد.
لا تُدرك أعماقه بالحفظ وحده، ولا تُفتح أبوابه بالادعاء، بل بالصبر الطويل، والتكرار المُرهق، والخطأ الذي يُعلّم أكثر مما يعلم الصواب.
فكن واعيًا لا تابعًا، متيقظًا لا منبهرًا.
خذ ما صحّ، واترك ما اضطرب، واسأل بعقل الباحث لا بروح المقلّد.
ولا تجعل علمك سجين مرجع واحد، ولا رهين رأيٍ واحد، فالقانون أوسع من أن يُحيط به شخص، وأعمق من أن يُختصر في مدرسة.
نوّع قراءاتك، واختلف مع من تثق بعلمهم، وجادل لتفهم لا لتنتصر، وابنِ نفسك حجرًا حجرًا، ولو تأخر البناء.
فالمحامي الحقيقي لا يُولد جاهزًا، بل يُصنع على مهل، بالخذلان أحيانًا، وبالخيبة كثيرًا، وبالصبر دائمًا.
واصبر… ثم اصبر… ثم اصبر.
ففي الصبر تتكوّن الهيبة، وفي الصبر يُصقل العقل، وفي الصبر تُولد الشخصية القانونية التي لا تُباع ولا تُكسر.
وعندما يشتد عليك الطريق، وتظن أن التعب طال بلا مقابل، تذكّر أنك اخترت طريق الرجال،
وأن من لم يتعذّب في بدايته، لن يُنصف في نهايته،
وأن العدالة لا تُحب إلا من صبر عليها حتى أتته خاضعة.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/12/16

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.