مقالات

المحاماة في زمن الإنتخابات/نهاد جبر

نهاد جبر (نقيب المحامين سابقاً):
تفصلنا عن الإنتخابات النقابية لدورة تشرين الثاني 2025، أيام معدودة، لن أكتب عنها، لئلّا تفسّر كتابتي من المفسّرين الذين يفسّرون دون أن يفقهوا ما يقرأون، أو يحوّرون مضمونها حسبَ غاياتهم ونزواتهم، أو يُحجمون عن الردّ عليها ، فآثرتُ أن أكتب عن المحاماة، تاريخياً، ما لا يُزعج ولا يُورّط مجلّة “محكمة” التي طلبت مني أن أكتب، لما أرى في ما تنقل من كتابات وأخبار ومعلومات عن الإنتخابات النقابية والمرشحين، حياديةً في التقدير بموضوعية.
وبالعودة إلى العنوان،
ومن التاريخ،
للمحاماة قدسية،
المحامي الفرنسي Guy Foucault القانوني الذائع الصيت والشهرة، أصبح من خلال عمله في المحاماة، أسقفاً فرئيس أساقفة ثم كاردينالاً، فرئيساً للكنيسة الكاثوليكية (البابا) حمل إسم Clément IV ما بين سنتي 1265 – 1268 .
إنها عظمة ذلك المحامي الذي كان مثالاً وقدوة في زمن بعيد تفتقده المحاماة.
كلمة Bâtonnier تعود في أصلها إلى العهد القديم، حيث كان رئيس جمعية رجال القانون يحمل عصا رمزية أثناء الإحتفالات الرسمية، وتُرجمت تلك الكلمة-الصفة إلى الّلغة العربية “بالنقيب” بينما ترجمتها الصحيحة هي حاملُ العصا، ومع الأيام فُقِدَ هذا التقليد ولم يعد “النقيب” يحمل العصا، إنما عَبسته ووقاره وهيبته ونظرته فيمن ينظر إليه أشدّ وقعاً من العصا، ما ولّد احتراماً بالغاً من العامّة وكذلك من المحامين تجاهه.
في 23 شباط 1942، حُكم بالإعدام رمياً بالرصاص على المحامي Léon-Maurice Nordmann لانتمائه إلى المقاومة الفرنسية، وقبل تنفيذ الإعدام، أرسل إلى النقيب رسالة جاء فيها:
“حاولت أن أكون جديراً بثوب المحاماة الذي ارتداؤه كان شرفاً لي. لقد قمت بواجبي تجاه وطني، وعسى أن لا تكون تضحياتي في سبيله ذهبت سدى. أرغب من خلالكم في توجيه تحية أخيرة لنقابة المحامين ولزملائي فيها، آملاً أن يذكروني بكلّ مودّة.”
لم يكن هذا المحامي الوحيد الذي لاقى حتفه لانتمائه إلى المقاومة، فقد سبقه العديد من المحامين من Pierre Masse و Georges Pitard و René-Georges Weill وغيرهم ممن استشهد في سبيل وطنهم ونقابتهم.
ليس غرابة أن أنقل وقائع تاريخية حصلت في فرنسا ما بين سنتي 1941-1942، في زمن احتلال الألمان لفرنسا، وهي منقولة عن كتاب من تأليف نقيب باريس Jean-René Parthouat ، أهداني إياه معالي الوزير المحامي بهيج طبّارة، لأستخلص منه قِيَماً يقتضي بالمحامين عموماً التحلّي بها، وخصوصاً المرشحين منهم لأي مركز نقابي، أوّلها التضحية حتّى الشهادة في سبيل الوطن والمحاماة، والوفاء لتقاليدها والتجرّد والنزاهة والترفّع عن أيّة مكاسب مادية، إلى جانب التواضع الذي هو من السّمات الأساسية في شخصية كلّ من يتولّى الشأن العام، فضلاً عن الصدق الذي يفرض عليهم الإبتعاد عن النمائم ونشر الإشاعات والشائعات المُغرضة وفبركة الكلام ونسبه إلى الغير، والشجاعة في قول الحقيقة وفي إبداء الرأي الحرّ، وعدم المسّ بخصوصيّات الغير، وعدم الخوض في كلّ ما يُسيء إلى المحاماة وإلى أي مرشح خصم ما يحفظ صفو المنافسة إن في المهنة أو المجتمع أو في الإنتخابات، التي يجب أن تكون شريفة حرّة لكي تأتي نتائجها لمصلحة المحاماة والنقابة والوطن، في بلد مثل لبنان، وفيه الكلّ يعرف الكلّ، وحيث التنوّع أساس الوحدة النقابية والوطنية.
ومع التوفيق لمن يختاره المحامون من المرشحين ويَرون فيه مثالاً يُشبه نقابة المحامين في بيروت على ما كانت عليه ويتشبّه بمن كانوا في سابق زمنها، على رأس النقابة وفي مجالسها، أوفياء لهم وللأصول التي اتّبعوها في إدارتهم للنقابة وتعاملهم مع زملائهم على ما نصّ عليه وصانه قانون تنظيم مهنة المحاماة.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من مجلة محكمة – العدد 53 – تشرين الثاني 2025).
“محكمة” – السبت في 2025/11/15

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.