المعونة القضائية بين حق التقاضي وسوء الإستعمال/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور:
إن المعونة القضائية وجدت أساساً لضمان حق التقاضي لغير المقتدرين مادياً ومنع حرمانهم من الوصول إلى العدالة بسبب الرسوم والكلفة، إلا أن التطبيق العملي في المحاكم اللبنانية أظهر خلال السنوات الأخيرة أن هذا الحقّ تحوّل في عدد كبير من الدعاوى إلى وسيلة تعطيل ومماطلة، لا سيما من قبل مدعى عليهم يتمتعون بوضع مادي جيد، أو بدخل ثابت، أو بملكيات ظاهرة، فيلجأون إلى طلب المعونة عند أول جلسة لا بقصد الحماية، بل بقصد تعليق السير بالدعوى واستنزاف الوقت.
وقد بات من الملاحظ أنّ مجرّد تقديم طلب المعونة يؤدي عملياً إلى تأجيل الجلسات وترك الملف معلقاً بحجة الروتين الإداري أو انتظار إستكمال المعاملة، ما يلقي بعبء غير مبرر على المدعي ويحول المحاكمة إلى مسار بطيء يفرغ حق التقاضي من مضمونه. والحال أن القواعد الإجرائية لا تنص على أن طلب المعونة يوقف السير بالدعوى تلقائياً، ولا تعفي طالبها من متابعة إجراءاته، ولا تبرر تعليق المحاكمة على نحو مفتوح.
وقد نص قانون أصول المحاكمات المدنية على أن المعونة القضائية لا تمنح إلا لمن يثبت عجزه عن دفع الرسوم والنفقات شرط أن تكون الدعوى أو وسائل الدفاع جدية وغير كيدية، كما أناط بالقاضي سلطة التحقق من توافر هذه الشروط ورّد الطلب، أو الرجوع عنه متى تبين سوء الإستعمال (المواد 425 إلي 433). وبالتالي فإن المعونة ليست حقاً مطلقاً ولا يترتب على طلبها وقف السير بالدعوى، بل تبقى خاضعة لتقدير المحكمة وحسن نية طالبها.
إن منح المعونة يخضع لسلطة تقديرية للقاضي تفرض عليه التثبت من العجز المادي الفعلي لا من مجرد التصريح به، والنظر في طبيعة الدخل والوظيفة والملكية والواقع الإجتماعي لطالب المعونة. كما أن سوء النية واستعمال المعونة كأداة تأخير يسقط الغاية التي من أجلها شرّعت ويحوّلها إلى إساءة لحق التقاضي ذاته.
ومن المبادئ البديهية التي يجب إعادة تكريسها أن متابعة معاملة المعونة تقع حصراً على عاتق طالبها لا على خصمه، ولا يجوز أن تبقى الدعوى مجمدة بسبب تقاعس المدعى عليه عن استكمال مستنداته أو مراجعة الدوائر المختصة. وعند ثبوت هذا التقاعس يحق للمحكمة رد الطلب أو السير بالدعوى على مسؤوليته من دون تحميل الطرف الآخر نتائج هذا التعطيل.
صفوة القول، إن التساهل في منح المعونة من دون تدقيق وربطها بمهل واضحة، شجّع على تفشّي هذه الممارسة وحوّل الإستثناء إلى قاعدة، الأمر الذي يوجب وقفة جدية لإعادة التوازن بين حماية غير الميسورين ومنع التعسف في استعمال هذا الحق. فالعدالة البطيئة ليست عدالة، والمعونة ليست إمتيازاً ولا وسيلة تهرب من المحاكمة، بل حقّ إجتماعي يجب حمايته من سوء الإستعمال وصونه ضمن إطاره القانوني الصحيح حماية لحسن سير القضاء وحقوق المتقاضين.
“محكمة” – السبت في 2026/1/17



