أبحاث ودراساتأبرز الأخبار

الموازنة غير صحّية ومصابة بمخالفة القضية المحكمة لقرارات “الدستوري” والمبادئ الأساسية الدستورية/نقولا فتوش

المحامي الدكتور نقولا فتوش:
أولاً: في دفع انقطاع مهلة إصدار ونشـر قانون الموازنة بسبب شغور مركز رئيس الجمهورية:
نصّـت المـادة السادسـة من قانـون أصـول المحاكمـات المدنيـة وتحـت عنـوان – القواعـد العامـة – مـا حرفيتـه:
“تتبـع القواعـد العامـة في قانـون أصـول المحاكمـات المدنيـة إذا وجـد نقـص في القوانيـن والقواعـد الإجرائيـة الأخـرى.
وقـد التـزم المجلـس الدستـوري في قـراره رقـم 2 تاريـخ 1996/4/3 المتعلّـق بالموازنـة العامـة والموازنـات الملحقـة للعـام 1996 وقضـى بمـا حرفيتـه:
“وحيـث إنّ هـذا التاريـخ يكـون، والحالـة هـذه المنطلـق لسريـان مهلـة المراجعـة القانونيـة على أبعـد حـد.
“وحيـث إنّ المـادة السادسـة من قانـون الأصـول المدنيـة تدعـو الى اتبـاع القواعـد العامـة الـواردة في قانـون أصـول المحاكمـات المدنيـة إذا وجد نقص في القوانين والقواعد الأخرى،
“وحيـث إنه ينبغي اعتماد حساب المهل على الوجه المبين في قانـون أصـول المحاكمـات المدنيـة.
هـذا فحق إصدار القوانين ونشرها هي شخصية Intuitae Personae ولصيقة بشخصية رئيـس الجمهورية.
ورئاسة الجمهورية تبلّغـت قانـون الموازنـة في 2022/10/14 ورئيـس الجمهوريـة انتهـت ولايتـه في 2022/10/31، وبالتالـي انقطعـت المهلـة منـذ 2022/10/31.
فالمـادة 505 أصـول مدنيـة فقرتهـا الثانيـة تنـص على أنـه تنقطـع المهلـة والمحاكمـة عندمـا يفقـد أحـد الخصـوم أهليـة التقاضـي. فمركـز الجمهوريـة شغـر بانتهـاء الولايـة وانقطعـت المهلـة وتوقفـت عن السريـان بسبـب التغييـر الطـارىء على حالـة رئيـس الجمهوريـة بهـدف تصحيحهـا ومن ثـم استئنافهـا من جديـد مع رئيـس الجمهوريـة الجديـد.
ويتحقـق سبـب الإنقطـاع، بتعطـل مبـدأ الوجاهيـة الـذي يرعـى المحاكمـة ويفقـد فعاليتـه الأمـر الـذي ينسحـب على الخصومـة بحـد ذاتهـا ويستدعـي انقطاعهـا.
إن تعريـف نظـام انقطـاع الخصومـة، يصاهـر نظـام وقـف المحاكمـة ويمـت بصلـة إليـه s’apparente à la suspension de l’instance أقلـه من حيـث أنـه يفـرض وقـف السيـر بإجراءاتهـا لحيـن تصحيحهـا وإعـادة العافيـة الى مبـدأ الوجاهيـة.
والأهليـة هـي أهليـة تمتـع Capacité de jouissance مطلوبـة ليـس فقـط من أجـل اللجـوء الى القضـاء، بـل وأيضـاً في شـأن الخصومـة بحيـث أنـه إذا فقـدت أهليـة التقاضـي تنقطـع المهلـة.
ولمـا كانـت المـادة 56 من الدستـور نصـت على مـا حرفيتـه:
“يصـدر رئيـس الجمهوريـة القوانيـن التـي تمـت عليهـا الموافقـة النهائيـة في خـلال شهـر بعـد إحالتهـا الى الحكومـة ويطلـب نشرهـا.
ولمـا كانـت المـادة 57 من الدستـور نصـت على مـا حرفيتـه:
“لرئيـس الجمهوريـة، بعـد اطـلاع مجلـس الـوزراء، حـق طلـب إعـادة النظـر في القانـون مـرة واحـدة ضمـن المهلـة المحـددة لإصـداره ولا يجـوز أن يرفـض طلبـه. وعندمـا يستعمـل الرئيـس حقـه هـذا يصبـح في حـل من إصـدار القانـون الى أن يوافـق عليـه المجلـس بعـد مناقشـة أخـرى في شأنـه وإقـراره بالغالبيـة المطلقـة من مجمـوع الأعضـاء الذيـن يؤلفـون المجلـس قانونـاً.
“وفي حال انقضاء المهلة دون إصدار القانون أو إعادته يعتبر القانون نافذاً حكماً ووجب نشره.
إنّ مجلـس النـواب أقـرّ موازنـة 2022 بـدون إقـرار قطـع الحساب وأحيل بتاريـخ 2022/10/11 إلى المديريـة العامـة لرئاسـة الجمهوريـة والأمانة العامة لمجلس الوزراء من أجل إصداره ونشره.
صادف تاريخ انقضاء مهلة الثلاثيـن يوماً الدستوريـة ( 2022/11/12) واليـوم الـذي يليـه يومـي تعطيـل رسمييـن ممّـا يوجـب تمديد المهلة الى أول يوم عمل رسمي في 2022/11/14.
وعمـلاً بأحكـام المـادة 418 أصـول مدنية تعتبـر الموازنـة نافـذة حكمـاً اعتبـاراً من تاريـخ 2022/11/15.
وقـد نصّـت المـادة 507 أصـول مدنيـة على ما حرفيته:
“يترتـب على انقطـاع المحاكمـة إنقطاع جميـع المهل الجارية وبطلان جميع الإجراءات التي تحصل أثناء الإنقطاع، ما لم يتنازل الخصـم، الـذي تعلّـق بـه سبـب الإنقطـاع، صراحـة أو ضمنـاً، عن التـذرّع بالبطـلان.
تقابلها، جزئياً، أحكام المادة 372 من قانون أصول المحاكمات المدنية الفرنسي الجديد التي جاء فيها:

Article 372 du nouveau code de procédure civile: Les actes accomplis et les jugements même passés en force de chose jugée, obtenus après l’interruption de l’instance, sont réputés non avenus, à moins qu’ils ne soient expressément ou tacitement confirmés par la partie au profit de laquelle l’interruption est prévue.

– إدوار عيـد: موسوعـة أصـول المحاكمـات المدنيـة والإثبـات والتنفيـذ. الجـزء الرابـع. طبعـة 1986. صفحـة 55 ومـا بعدهـا، رقـم 19؛
– حلمـي الحجـّار: القانـون القضائـي الخـاص. الجـزء الثانـي. طبعـة 1996 صفحـة 157 و 158 رقـم 730.

– Henry Solus et Roger Perrot: Droit judiciaire privé. Tome III. Procédure de première instance. Editions Sirey-Delta 1991. Page 959 No 1142.
– Glasson et Tissier: Traité théorique et pratique d’organisation judicaire, de compétence et de procédure civile. Tome II page 585-586. No 551
– Droit et pratique de la procédure civile. Dalloz action 1998. Pages 815 à 817. Nos 4350 à 4358
– Jean Vincent: Procédure civile Edition Dalloz 1971. Pages 718 et 719. No 760.
– Jean Vincent et Serge Guinchard: Procédure civile Edition Dalloz No 1169.
– Jurisclasseur de Procédure. Fascicule 678. 1993. Par N. Fricéro No 39.

يترتـب على انقطـاع المحاكمـة، كمـا تقـول المـادة 507، إنقطـاع جميـع المهـل الجاريـة، وبطـلان الإجـراءات التـي تحصـل أثنـاء الإنقطـاع.
لأن انقطـاع سيـر المحاكمـة يـؤدي الى وقـف مجراهـا، لسبـب من الأسبـاب المشـار إليهـا في المـادة 505، فمن الواجـب التوقـف عن متابعـة الخصومـة، وبالتالـي المحاكمـة، لحيـن مـا يسمـى بـ”إستئنـاف سيرهـا” Reprise d’instance، أي لحيـن تصحيـح مركـز أو مراكـز الخصـم أو الخصـوم، وفقـاً للأصـول المنصـوص عليهـا في القانـون، حيـث عندهـا، وعندهـا فقـط، يستأنـف سيـر المحاكمـة من جديـد.
ومـا يعنـي ويـدّل على أن تحقـق أي شـرط من شـروط إنقطـاع الخصومـة مـؤداه التوقّـف عن متابعتهـا لحيـن تصحيحهـا.
انظـر في ذلـك:

Henry Solus et Roger Perrot: Droit judiciaire privé. Tome III.
Procédure de première instance. Editions Sirey-Delta 1991. Page 959. No. 1142:
Arrêt de la procédure. L’interruption de l’instance a pour effet d’interdire la continuation de la procédure.
Adde, dans le même sens:
Glasson et Tissier: Traité théorique et pratique d’organisation judiciaire, de compétence et de procédure civile. Tome II. Recueil Sirey. Page 585. No. 551
L’interruption d’instance … a pour effet d’arrêter toute la procédure …

وينجـم عن هـذا الأثـر:
من أولـى آثـاره أنـه يقطـع جميـع المهـل الجاريـة، ومنهـا مهـل الطعـن.
انظـر في ذلـك:
– اليـاس أبـو عيـد: المراجعـة التمييزيـة في الاصـول المدنيـة. الجـزء الأول. طبعـة 1997. صفحـة 216 ومـا بعدهـا، رقـم 131.
وفي هـذا السبيـل، جـاءت المـادة 619 من الأصـول المدنيـة تقـول ” تنقطـع مهلـة الطعـن بوفـاة المحكـوم عليـه، أو بفقـد أهليتـه للتقاضـي، أو بـزوال صفـة من كـان يمثلـه في الدعـوى كنائـب قانونـي عنـه. ولا تسـري المهلـة مجـدداً إلا بعـد تبليـغ الحكـم الى من يقـوم مقـام الخصـم الـذي توفـي أو فقـد أهليتـه للتقاضـي أو مقـام من زالـت صفتـه لتمثيلـه”.

وبعـد إنقطـاع المحاكمـة، لا يجـوز القيـام بـأي إجـراء من إجراءاتهـا قبـل إستئنـاف سيرهـا من جديـد، أي بعـد تصحيـح المركـز أو المراكـز التـي تعدّلـت، فـإن القيـام بـأي إجـراء، خلافـاً لهـذا الأثـر الحتمـي النصّـي، يـؤدّي الى “بطـلان” هـذا الإجـراء.

والفقـه صريـح في هـذا الصـدد، إذ اعتبـر:

Jean Vincent: Procédure civile. Editions Dalloz 1971. Page 718. No. 760:
Toute personne, tout jugement intervenu postérieurement à l’interruption d’instance, sont nuls s’il n’y a pas eu reprise d’instance.

وقـد تأيّـد هـذا النهـج الفقهـي إجتهـاداً في العديـد من الأحكـام والقـرارات التـي كرّسـت بطـلان الإجـراءات الحاصلـة بعـد إنقطـاع المحاكمـة وقبـل إستئنافهـا من جديـد بعـد تصحيـح المراكـز التـي تعدّلـت لسبـب من أسبـاب الإنقطـاع.
– محكمـة النقـض المصريـة، قـرار تاريـخ 30 حزيـران 1932. مجموعـة القواعـد القانونيـة للأعـوام 1931 حتـى 1955. الجـزء الأول، صفحـة 631 رقـم 63.كذلـك، بـذات المعنـى، قضـي:

Les actes de procédure, qui seraient faits alors que l’instance est interrompue, seraient nuls.
Cette nullité ne peut être invoquée que par la partie, ou les héritiers de la partie, pour lesquels il y a une cause d’interruption.
– Cass. civ. 16 Avril 1877. Dalloz Périodique 1877-1-293

… la partie adverse n’est pas admise à s’en prévaloir.
– Cass. civ. 1er Août 1944. Dalloz 1945. Page 30.

Adde, dans ce même sens:
– Cass. com. 27 Mars 1990. Bull. Civ. 1990 -IV- No. 97. Page 64.

مـا يـدلّ على طبيعـة هـذا البطـلان وطابعـه “النسبـي” المكـرّس لمصلحـة فرديّـة شخصيـة، أي لمصلحـة الخصـم الـذي إنقطعـت الخصومـة لتغييـر في حالتـه أو في صفـة من يمثلـه.
انظـر اليـاس أبـو عيـد:
– أصـول المحاكمـات المدنيـة بيـن النـصّ والإجتهـاد والفقـه. الجـزء الأول. صفحـة 274 الى 277.
فمهلـة الثلاثيـن يومـاً انقطعـت بخلو سدة الرئاسة تبعا لانتهاء مدة الولاية وقبل اتخاذ رئيس الجمهورية قراره برد الموازنة او نشرها فالمهلة تعود فتسري لحين انتخـاب رئيـس الجمهوريـة لأن هـذا الحـق يعـود للرئيـس وهو من الحقوق الدستورية الشخصية الذي لا ينتقـل الى الحكومـة حتى ان الحكومة لا يمكنها ان تمارس هذا الحق المناط حصرا برئيس الجمهورية.
هـذا ونعـود الى الموازنـة التـي خالفـت بمبـدأ سنويـة الموازنـة والدستـور والقضيـة المحكمـة.
ثانيـاً: الموازنـة لهـا طابـع تقديـري وقطـع الحسـاب لـه طابـع محـدود نهائـي:
بعـد أن تنتهـي السنـة الماليـة ينظـم قطـع حسـاب الموازنـة، أي حسـاب النفقـات المصروفـة فعـلاً والـواردات المحصلـة فعـلاً أثنـاء تلـك السنـة و “قطـع الحسـاب” أو “الحسـاب الختامـي” للموازنـة هـو بيـان فعلـي بنتيجـة تنفيـذ الموازنـة، أو تنفيـذ النفقـات والـواردات العموميـة حتـى انتهـاء المرحلـة الأخيـرة: أي الدفـع والتحصيـل. ويصـدق “قطـع الحسـاب” بقانـون كمـا يصـدق مشـروع الموازنـة؛ ويرفـق بهـذا القانـون جـدولان، أحدهمـا يفصـل الإيـرادات، والآخـر يتضمـن تفصيـل النفقـات. ويعـرض قطـع حسـاب الموازنـة، لكـل سنـة، على مجلـس النـواب ليوافـق عليـه قبـل نشـر موازنـة السنـة الثانيـة التـي تلـي تلـك السنـة (المـادة /87/ من الدستـور اللبنانـي)، إلا أن “قطـع الحسـاب” الموازنـة يختلـف، بصـورة عامـة، عن الموازنـة بالأمريـن التالييـن:
1- إن الموازنـة توضـع لسنـة مقبلـة، بينمـا ينظـم قطـع الحسـاب لسنـة ماليـة منصرمـة.
2- إن الموازنـة لهـا طابـع تقديـري، في حيـن ان قطـع الحسـاب لـه طابـع محـدد ونهائـي؛ فقـد تأتـي الـواردات المحصلـة فعـلاً أكثـر أو أقـل من الـواردات المقـدرة في الموازنـة، كمـا قـد تأتـي النفقـات المصروفـة فعـلاً أقـل من الإعتمـادات المرصـدة في الموازنـة، والتـي كانـت تشكـل حـداً أعلـى للإنفـاق.
لقـد جـرى التصديـق علـى المقـدر وتـرك المحـدد والنهائـي يسـرح ويمـرح وكأنـه لا إلزاميـة للترابـط بيـن المقـدر والمحـدد وأحكـام الدستـور.
ثالثـاً: في مخالفـة القانـون المطعـون فيـه أحكـام المادتيـن 83 و87 من الدستـور صفحـة 3369 الجريـدة الرسميـة، ملحق العـدد 36 ومخالفتـه القضيـة المحكمـة المكرسـة بقـرار المجلـس الدستـوري رقـم 5/2017 تاريـخ 22 ايلـول 2017 الملـزم للجميـع وللمجلـس الدستـوري قبـل غيـره:
نصــت المـادة السابعـة من قانـون المحاسبـة العموميـة علـى مـا حرفيتـه:
“توضـع الموازنـة لسنـة ماليـة تبـدأ في أول كانـون الثانـي وتنتهـي في 31 كانـون “الأول وقـد كـرس هـذا الأمـر المجلـس الدستـوري في قـراره تاريـخ 22 أيلـول “2017 إذ قضـى بمـا حرفيتـه:
“بمـا أن المجالـس النيابيـة نشـأت في الأسـاس من أجـل الحفـاظ على المـال العـام، “وعـدم فـرض الضرائـب العموميـة والترخيـص بجبايتهـا وإنفاقهـا إلا بموافقـة ممثلـي الشعـب في السلطـة، كـون المـال العـام هـو مـال الشعـب ولا يجـوز التفريـط بـه،
“وبمـا أن إجـازة الجبايـة والإنفـاق بقـرار من ممثلـي الشعـب وتحـت رقابتـه يؤديـان مبدئيـاً الى انتظـام الماليـة العامـة للدولـة وضبـط مداخيلهـا ومصاريفهـا،
“وبمـا أن انتظـام الماليـة العامـة وضبطهـا لا يتـم إلا من خـلال موازنـة سنويـة، تقـدر فيهـا الـواردات والنفقـات لسنـة قادمـة، ويعمـل على تحقيـق التـوازن في مـا بينهـا، وتتضمـن إجـازة بالجبايـة والإنفـاق،
“وبمـا أن الـواردات والنفقـات الحقيقيـة تتطلـب إجـراء قطـع حسـاب في نهايـة كـل سنـة ماليـة،
“وبمـا أن المـادة 83 من الدستـور نصـت على مـا يلـي:
“كـل سنـة في بـدء عقـد تشريـن الأول تقـدم الحكومـة لمجلـس النـواب موازنـة شاملـة نفقـات الدولـة ودخلهـا عن السنـة القادمـة ويقتـرع على الموازنـة بنـداً بنـداً.
“وبمـا أن الدستـور اعتمـد مبـدأ سنويـة الموازنـة، وهـو يتيـح وضـع الضرائـب والرسـوم في القسـم المخصـص للـواردات، ووضـع المصاريـف في القسـم المخصـص للنفقـات، وإجـراء التـوازن في مـا بينهمـا للسنـة القادمـة، ويفسـح في المجـال أمـام مجلـس النـواب لممارسـة رقابـة “منتظمـة ودوريـة، وخـلال فتـرة وجيـزة من الزمـن، على الماليـة العامـة، “وعلى أعمـال الحكومـة في السنـة التـي انقضـت،
“وبمـا أن إنتظـام ماليـة الدولـة العامـة، وخضـوع السلطـة الإجرائيـة لرقابـة السلطـة الإشتراعيـة في مجـال الجبايـة والإنفـاق، يقتضـي معرفـة حقيقيـة للـواردات والنفقـات من طريـق قطـع الحسـاب،
“وبمـا أن الدستـور نـصّ في المـادة 87 منـه على أن حسابـات الإدارة الماليـة النهائيـة لكـل سنـة يجـب أن تعـرض على المجلـس ليوافـق عليهـا قبـل نشـر موازنـة السنـة الثانيـة التـي تلـي تلـك السنـة…
وبالمناسبـة إن موازنـة 2017 الصـادرة بالقانـون رقـم 66 تاريـخ 2017/11/3 والمنشـورة في عـدد الجريـدة الرسميـة ملحـق العـدد 52 تاريـخ 2017/11/7 نصّـت المـادة 65 منهـا على مـا حرفيتـه:
“قانـون الموازنـة العامـة والموازنـات الملحقـة لعـام 2017
“المـادة الخامسـة والستـون:
“على سبيـل الإستثنـاء ولضـرورات الإنتظـام المالـي العـام ينشـر هـذا القانـون وعلى الحكومـة إنجـاز جميـع الحسابـات الماليـة المدققـة منـذ 1993 وحتـى سنـة 2015 ضمنـاً خـلال فتـرة لا تتعـدى السنـة إعتبـاراً من تاريـخ نشـر هـذا القانـون. وإحالـة مشاريـع قوانيـن قطـع الحسـاب عن السنـوات التـي لـم تقـّر فيهـا الى مجلـس النـواب، عمـلاً بالأصـول الدستوريـة والقانونيـة المرعيـة.
كمـا أن موازنـة 2019 الصـادرة بالقانـون رقـم 143 تاريـخ 2019/7/31 والمنشـور في ملحـق الجريـدة الرسميـة العـدد 36 تاريـخ 2019/7/31 أقـرّ المجلـس بمـادة وحيـدة تتعلّـق بنشـر الوازنـة عن سنـة 2019 وإنجـاز مقطوعـات الحسابـات وتأميـن المـوارد اللازمـة لديـوان المحاسبـة وقـد نصـت على مـا حرفيتـه:
“مـادة وحيـدة:
“أولاً: خلافـاً لأي نـص مغايـر يتعلّـق بمنـع التوظيـف على أنواعـه، على الحكومـة خـلال شهـر واحـد إعتبـاراً من تاريـخ نفـاذ هـذا القانـون، تأميـن المـوارد البشريـة والماليـة اللازمـة لتمكيـن ديـوان المحاسبـة من إنجـاز مهمتـه في تدقيـق الحسابـات الماليـة النهائيـة حتـى سنـة 2017 ضمنـاً.
“ثانيـاً: على سبيـل الإستثنـاء، ولضـرورات الإنتظـام المالـي العـام، ينشـر قانـون موازنـة العـام 2019 والموازنـات الملحقـة، على أن تنجـز الحكومـة جميـع الحسابـات الماليـة النهائيـة والمدققـة إعتبـاراً من سنـة 1993 حتـى سنـة 2017 ضمنـاً، وتحيـل مشاريـع قوانيـن قطـع الحسـاب عنهـا بمهلـة أقصاهـا ستـة أشهـر إعتبـاراً من تاريـخ نفـاذ هـذا القانـون.
“ثالثـاً: يعمـل بهـذا القانـون فـور نشـره في الجريـدة الرسميـة.
بتاريـخ 2013/4/3 تقـدم فخامـة الرئيـس العمـاد ميشـال عـون يـوم كـان نائبـاً باقتـراح قانـون معجـل مكـرر يرمـي الى إنشـاء محكمـة خاصـة للجرائـم الماليـة وحـدد الجرائـم الماليـة وجرائـم الفسـاد:
“الجرائـم الناشئـة عن مخالفـة أحكـام المـواد 81 ولغايـة 89 من الدستـور اللبنانـي.
فالنـص واضـح وعنـد وضـوح النـص لا مجـال للتفسيـر.
“وبمـا أن الدستـور ربـط مبـدأ سنويـة الموازنـة بمبـدأ الشمـول الـذي يعنـي تضميـن الموازنـة جميـع نفقـات الدولـة وجميـع مداخيلهـا عن السنـة القادمـة،
“وبمـا أن مبـدأ الشمـول يقضـي بـأن تكـون النفقـات مفصولـة عن الـواردات، وقـد نصـت المـادة 51 من قانـون المحاسبـة العموميـة على مـا يلـي: “تقيـد الـواردات المقبوضـة برمتهـا في قسـم الـواردات من الموازنـة”، ونصـت المـادة 57 من القانـون نفسـه على عـدم جـواز عقـد نفقـة، إلا إذا “توافـر لهـا اعتمـاد في الموازنـة”،
وقضـى المجلـس الدستـوري الموقـر بمـا حرفيتـه:
“وبمـا أن مـا تـمّ إقـراره من واردات وعلـى النحـو المذكـور جـاء خـارج إطـار الموازنـة العامـة للدولـة، لا بـل في غيـاب هـذه الموازنـة المستمـر منـذ سنـوات عديـدة وكـان ينبغـي أن تصـدر الموازنـة في مطلـع كـل سنـة، وأن تشتمـل علـى جميـع نفقـات الدولـة ووارداتهـا عن سنـة مقبلـة، عمـلاً بأحكـام المـادة 83 من الدستـور المشـار إليـه سابقـاً .
“وبمـا أن قانـون الموازنـة يجيـز الجبايـة والإنفـاق لمـدة سنـة وفقـاً لمـا ورد فيـه، وقـد جـاء في المـادة 3 من قانـون المحاسبـة العموميـة أن الموازنـة صـك تشريعـي تقـدر فيـه نفقـات الدولـة ووارداتهـا عن سنـة مقبلـة وتجـاز بموجبـه الجبايـة والإنفـاق”،
“وبمـا أنـه لا يجـوز للدولـة الجبايـة إلا بصـك تشريعـي يتجـدد سنويـاً وهـو بالتحديـد الموازنـة،
“وبمـا أن قانـون الموازنـة يجيـز الجبايـة لسنـة واحـدة وفقـاً لقانـون الموازنـة، وتجـدد الإجـازة السنويـة بالجبايـة في مطلـع كـل سنـة في قانـون الموازنـة الجديـدة.
“وبمـا أنـه في الأنظمـة الديمقراطيـة لا شرعيـة للضريبـة إلا إذا كانـت قـد أقـرّت جبايتهـا بحريـة من قبـل الأمـة، ويعـود لمجلـس النـواب أن يعبـر عن هـذه الموافقـة التـي لا يمكـن إلا أن تكـون مؤقتـة، والتـي يجـب تجديدهـا دوريـاً، وينبغـي أن تجيـز قوانيـن الموازنـة السنويـة، لكـل سنـة، تحصيـل واردات الدولـة،
“وبمـا أن المـادة 86 من الدستـور، وتأكيـداً على هـذه القاعـدة، نصـت على أنـه في العقـد الإستثنائـي المخصـص لإقـرار الموازنـة تجبـى الضرائـب والتكاليـف والرسـوم والمكـوس والعائـدات الأخـرى كمـا في السابـق، وتؤخـذ ميزانيـة السنـة السابقـة أساسـاً، ويضـاف إليهـا مـا فتـح بهـا من الإعتمـادات الإضافيـة الدائمـة ويحـذف منهـا مـا أسقـط من الإعتمـادات الدائمـة، وتأخـذ الحكومـة نفقـات شهـر كانـون الثانـي من السنـة الجديـدة على القاعـدة الإثنـي عشريـة”، فلـولا هـذا الإذن الإستثنائـي لمـا أخيـز “للدولـة القيـام بالجبايـة خـلال شهـر واحـد،
“وبمـا ان القاعـدة الإثنتـي عشريـة وردت في المـادة 86 من الدستـور وفي المـادة 60 من قانـون المحاسبـة العموميـة التـي جـاء فيـه مـا يلـي “توضـع الموازنـات الإثنتـا عشريـة على أسـاس الإعتمـادات الدائمـة المرصـدة في موازنـة السنـة السابقـة على أن يؤخـذ بعيـن الإعتبـار مـا أضيـف إليهـا ومـا أسقـط منهـا من اعتمـادات دائمـة، مـا يعنـي أن القاعـدة هـذه صالحـة لشهـر واحـد فقـط، وهـي مرتبطـة بالدعـوى لعقـد “إستثنائـي من أجـل إقـرار الموازنـة، أي حتـى آخـر شهـر كانـون الثانـي،
“وبمـا أنـه لا يجـوز فـرض ضرائـب ظرفيـاً إنمـا في إطـار موازنـة سنويـة تشكـل برنامجـاً إصلاحيـاً وإنمائيـاً وإقتصاديـاً وإجتماعيـاً، بحيـث تأتـي الضرائـب والرسـوم وفـق متطلبـات الخطـة الموضوعـة،
وانتهـى المجلـس الدستـوري في قـراره رقـم 2017/5 تاريـخ 2017/9/22 فقرتـه الحكميـة إلى القضـاء بمـا حرفيتـه:
“لذلك
“وبعـد المداولـة،
“يؤكـد المجلـس الدستـوري بالإجمـاع على المبـادىء الـواردة في الحيثيـات وعلى أن عـدم إقـرار موازنـة عامـة سنويـة للدولـة وعـدم وضـع قطـع حسـاب لكـل سنـة يشكـلان انتهاكـاً فاضحـاً للدستـور.
فالمجلـس الدستـوري في قـراره المبـرم تاريـخ 2017/9/22 أكـّد علـى المبـادئ الـواردة في الحيثيـات وعلـى أن عـدم إقـرار موازنـة عامـة سنويـة للدولـة وعـدم وضـع قطـع حسـاب لكـل سنـة يشكـلان إنتهاكـاً فاضحـاً للدستـور. وعندمـا تـرد عبـارة انتهاكـاً فاضحـاً للدستـور يعنـي مصيرهـا البطـلان المطلـق.
هـذا وقـوة القـرارات المذكـورة تطـال ليـس فقـط الفقـرة الحكميـة، بـل وتنسحـب لتمتـد الى الأسبـاب التـي شكلـت الأسـاس القانونـي لهـا. وتختصـر هـذه الفكـرة بـأن قـرارات المجلـس الدستـوري تتمتـع بقـوة القضيـة المحكمـة وهـذا ما استقـر عليـه الإجتهـاد في فرنسـا ولبنـان.
فقـد ورد في قـرار المجلـس الدستـوري الفرنسـي رقـم 13 تاريـخ 16 كانـون الثانـي 1962 ما حرفيتـه:

«Le Conseil Constitutionnel,
«Saisi le 8 janvier 1962 par le premier ministre, en application de l’article 37, al.2, «de la constitution, d’une demande tendant à l’appréciation de la nature juridique «des dispositions de l’article 31, al.2, de la loi d’orientation agricole en date du 5 «Aout 1960 ;
– Vu la constitution, notamment ses articles 34, 37 et 62 ;
– Vu l’ordonnance du 7 Novembre 1958 portant loi organique sur le Conseil Constitutionnel, notamment ses articles 24, 25 et 26 ;
Considérant, d’une part, qu’aux termes de l’article 62 in fine de la constitution :
«Les décisions du Conseil Constitutionnel… s’imposent aux pouvoirs publics «et à toutes les autorités administratives et juridictionnelles » ; que l’autorité «des décisions visées par cette disposition s’attache non seulement à leur «dispositif mais aussi aux motifs qui en sont le soutien nécessaire et en «constituent le fondement même ;

وعلـى هـذا وإنطلاقـاً من المسلمـات والمبـادئ الدستوريـة يعـود للمجلـس الدستـوري الموقـر أن يتفحـص كامـل نصـوص القانـون المطعـون بعـدم دستوريـة بعـض أحكامـه أمامـه وذلـك إنطلاقـاً من الدفـع بعـدم دستوريـة هـذه الأحكـام، غيـر المشمولـة أساسـاً بالطعـن، كـون المسائـل والأمـور المتعلقـة بالنظـام العـام، أو من الاسبـاب القانونيـة الصرفـة التـي تجـوز إثارتهـا تلقائيـاً كونهـا تعتبـر داخلـه ضمـن نطـاق المحاكمـة أو قائمـة في القضيـة أو ناشئـة عن القانـون المطعـون فيـه أو واردة فيـه.
كمـا انـه بمقتضـى المـادة 13 من القانـون رقـم 93/250 وتعديلاتـه.
بمقتضـى المـادة 52 من النظـام الداخلـي للمجلـس الدستـوري رقـم 2000/243، تتمتـّع قـرارات المجلـس الدستـوري بقـوة القضيـة المحكـوم بهـا.

Guillaume Drago: Contentieux constitutionnel français. Paris. Collection Thémis. 1ère édition 1998. Même auteur: L’exécution des décisions du Conseil constitutionnel. Editions Economica –Puam 1991;
Louis Favoreu: La décision de constitutionnalité. Rev. int. De droit comparé, 1986, Pages 624 à 633 sur l’autorité de la chose jugée des décisions du Conseil constitutionnel.

والحجيـة مقتصـرة علـى مـا قضـي بـه، وعلـى القانـون بالطعـن، إلا أن المجلـس الدستـوري الفرنسـي ذاتـه وسـع نطـاق الحجيـة لتطـال وتشمـل قانونـاً وضـع بشكـل وبطريقـة مختلفـة ولكـن بموضـوع مشابـه لموضـوع القانـون الـذي أعلنـت أحكامـه غيـر مطابقـة للدستـور.

Conseil constitutionnel, 8 Juillet 1989. J.C.P. 1990-II- 21409. Note C. Franck: «Si l’autorité de la chose jugée ne peut être invoquée à l’encontre d’une loi conçue en des termes différents, il en va autrement lorsque les dispositions de cette loi, bien que rédigées sous une forme différente, ont, en substance, un objet analogue à celui des dispositions législatives déclarées contraires à la Constitution».

وهـذا المبـدأ يسـري علـى الحكـم الـذي يفصـل نهائيـاً في الطعـن، سـواء شمـل جميـع الطلبـات، او بعضهـا في الطعـن وسـواء تـمّ الفصـل بصـورة صريحـة أو ضمنيـة.
وقـد رد المجلـس الدستـوري الفرنسـي العديـد من الطعـون بالإستنـاد إلى الدفـع بعـدم قبولهـا لاصطدامهـا بقـوة القضيـة المحكـوم بهـا . وهـذا مـا فعلـه، خاصـة ، بعـد صـدور القـرار المتعلـق بمعاهـدة Maastricht مستلهمـاً اللازمـة “refrain ” ذاتهـا.

Conseil constitutionnel, Décision 92-312 DC (Maastricht II). 2 Septembre 1992. Paragraphes 18, 36 et 43: «L’argumentation invoquée par les auteurs de la saisine se heurte à la chose jugée par le Conseil constitutionnel (Parag. 18); que l’autorité qui s’attache à la chose jugée par le Conseil constitutionnel s’oppose à ce que puissent être utilement mises en cause les stipulations du traité sur l’Union européenne (Paragr. 36); que, pour le surplus, il se heurte à la chose jugée par le Conseil constitutionnel dans sa décision du 9 Avril 1992».

كلمـا قـدم طعـن بمسألـة معينـة صـار فصلهـا سابقـاً بقـرار صـادر عن المجلـس الدستـوري عندهـا تطبـق القضيـة المحكـوم بهـا عفـواً.

Voyez en doctrine Bertrand Mathieu et Michel Verpeaux: Contentieux constitutionnel des droits fondamentaux. Editions L.G.D.J. 2002. Page 239:
C’est le Conseil constitutionnel lui-même qui affirme que ces décisions avaient une autorité absolue de chose jugée, ou erga omnes, ce qui signifie que ce qui a été jugé s’impose à tous .
Adde: Jean Rivero, commentant la décision du 16 Juillet 1971 au Dalloz 1972. Chronique. Page 268, envisage qu’«il est impossible de refuser aux décisions prises par le Conseil constitutionnel… le caractère juridictionnel entraînant pour elles, non l’autorité de chose décidée, mais dès lors que la décision, aux termes de l’article 62 de la Constitution, n’est susceptible d’aucun recours et s’impose aux pouvoirs publics et à toutes les autorités administratives et juridictionnelles, l’autorité de la chose jugée et même l’autorité absolue ».

وقـرار المجلـس الدستـوري المبـرم يقـوي الحـق المقضـي بـه في هـذا القـرار. بمعنـى أنـه يصبـح مستنـداً جديـداً من شأنـه تثبيتت هـذا الحـق وتدعيـم قوتـه. كمـا يعتبـر القـرار أداة إثبـات القـوة التنفيذيـة أيضـاً تجـاه الجميـع، كونـه يتمتـع بقـوة القضيـة المحكـوم بهـا وبطابـع الالـزام لجميـع السلطـات العامـة والمراجـع القضائيـة والإداريـة.

Guillaume Drago: L’exécution des décisions du Conseil constitutionnel. Thèse. Paris II. 1989 ; Louis Favoreu: La Cour de cassation, le Conseil constitutionnel et l’article 66 de la Constitution. Dalloz 1986 Chronique. Pages 169 et suiv.; Bertrand Mathieu et Michel Verpeaux: Contentieux constitutionnel des droits fondamentaux. Editions L.G.D.J. 2002. Pages 229 et suiv.

هـذا وعندمـا تكـون المخالفـة فاضحـة للدستـور ,للمبـادئ القانونيـة، وهـو بطـلان “مطلـق” يسـري بوجـه الجميـع opposabilité erga omanes ويخرجـه من الإنتظـام العـام.

Jean Rivero: Op. Cit. Page 266. No. 268:
L’annulation: Elle porte, normalement, sur l’acte tout entier; … L’annulation fait disparaître l’acte; cette disparition est absolue: l’annulation a effet erga omnes; contrairement à la règle habituelle de l’autorité relative de la chose jugée, qui limite aux parties l’effet des jugements. Elle est, en outre, pratiquement, rétroactive: l’acte est censé n’avoir jamais été pris ; l’administration est juridiquement tenue d’en faire disparaître tous les effets.

إلا أن مجلـس شـورى الدولـة اللبنانـي قـد ذهـب في قـرار حديـث لا سابـق لـه أبعـد من ذلـك (القـرار رقـم 71 تاريـخ 2001/10/25). فاعتبـر ان إبطـال المجلـس الدستـوري لنـص تشريعـي أو لقاعـدة قانونيـة يخـرج هـذا النـص أو القاعـدة القانونيـة من الانتظـام القانونـي للدولـة L’ordonnancement juridique بصـورة نهائيـة أي من مجموعـة القواعـد القانونيـة التـي يتشكـل منهـا هـذا الانتظـام القانونـي بحيـث لا يستطيـع القضـاء أن يطبـق فيمـا بعـد هـذا النـص أو تلـك القاعـدة وكذلـك كـل نـص أو قاعـدة مشابهـة.
إنـه اجتهـاد رائـد لمجلـس شـورى الدولـة يحـث علـى ضـرورة التكامـل بيـن قـرارات المجلـس الدستـوري وقـرارات القضـاء الإداري والعدلـي.
وقـد أكـّد هـذا الأمـر مجلـس شـورى الدولـة في قـراره رقـم 71 تاريـخ 2001/10/25 المنشـور في مجلـة القضـاء الإداري العـدد السابـع عشـر – 2005 المجلـد الأول صفحـة 32 ومـا يليهـا:
“وبمـا أن المـادة 13 من القانـون رقـم 250 الصـادر بتاريـخ 1993/7/14 المعـدل بالقانـون رقـم 150 الصـادر بتاريـخ 1999/10/30 المتعلـق بإنشـاء المجلـس الدستـوري تنـص على مـا يلـي:
“تتمتـع القـرارات الصـادرة عن المجلـس الدستـوري بقـوة القضيـة المحكمـة وهـي ملزمـة لجميـع السلطـات العامـة وللمراجـع القضائيـة والإداريـة.
“إن قـرارات المجلـس الدستـوري مبرمـة ولا تقبـل أي طريـق من طـرق المراجعـة العاديـة أو غيـر العاديـة.
“وبمـا أن قـرارات المجلـس الدستـوري هـي إذن ملزمـة للقضـاء، كمـا للسلطـات العامـة. وهـذا يعنـي ان ابطـال المجلـس لنـص تشريعـي لا يـؤدي فقـط الى بطـلان هـذا النـص، بـل ينسحـب على كـل نـص مماثـل أو قاعـدة قانونيـة مشابهـة للقاعـدة التـي قضـى بإبطالهـا، سـواء كانـت متزامنـة مع قـرار المجلـس أو سابقـة لـه، وذلـك لتعارضهـا مع أحكـام الدستـور أو مع مبـدأ عـام يتمتـع بالقيمـة الدستوريـة لأن هـذه القاعـدة تكـون قـد خرجـت من الإنتظـام العـام القانونـي بصـورة نهائيـة بحيـث لا “يستطيـع القضـاء، سـواء القضـاء العدلـي أو الإداري أن يطبـق نصـاً مخالفـاً للقاعـدة أو للمبـدأ الـذي أقـرّه المجلـس الدستـوري وذلـك احترامـاً لمبـدأ الشرعيـة وخاصـة لمبـدأ تسلسـل أو تـدرج القواعـد القانونيـة.
“وبمـا أن تطبيـق القضـاء الإداري أو العدلـي لقـرارات المجلـس الدستـوري لا يتوقـف على تعديـل أو إلغـاء المشتـرع للقاعـدة القانونيـة المخالفـة للدستـور أو لمبـدأ يتمتـع بالقيمـة الدستوريـة التـي يبطلهـا المجلـس الدستـوري، لأن الأخـذ بعكـس ذلـك يـؤدي الى تعطيـل قـرارات المجلـس الدستـوري في كـل مـرة يتأخـر أو لا يبـادر المشتـرع الى تعديـل أو إلغـاء النـص أو القواعـد القانونيـة النافـذة والتـي تنطـوي على نصـوص “مشابهـة.
“وبمـا أن الإجتهـاد الإداري يميـل، عنـد التصـادم بيـن نـص القانـون ومبـدأ من المبـادئ القانونيـة العامـة الأساسيـة، الى ترجيـح تطبيـق المبـدأ القانونـي العـام، دون أن ينـزع الى ممارسـة رقابـة ليسـت لـه أي رقابـة دستوريـة على القوانيـن، وذلـك من خـلال اعتمـاده منهجـاً يقضـي بتفسيـر القانـون تفسيـراً ضيقـاً عنـد تعارضـه مع مبـدأ قانونـي عـام أساسـي ومرجحـاً روح القانـون على حرفيـة النـص.
“يراجـع:

Benoit Jeanneau : les principes généraux du droit dans la jurisprudence administrative.
Sirey 1954 p. 153 – 154
… D’ordinaire – c’est dans l’esprit du texte plus que dans sa lettre que le juge tente de rechercher de justification à ses constructions. Cet exemple prouve que le Conseil d’Etat utilise les procédés les plus divers pour plier la loi aux exigences des principes qu’il entend sauvegarder. Tantôt, utilisant les « ressources les plus raffinées de la dialectique », il n’hésitera pas, à trahir la pensée des rédacteurs du texte, tantôt et à l’inverse il s’affranchira délibérément des dispositions littérales de la loi pour s’élever jusqu’à son esprit.

ففاعليـة المجلـس الدستـوري تبقـى منتقصـة إذا لـم يعـط لقـوة القضيـة المحكمـة لقـرارت المجلـس الدستـوري مداهـا المطلـوب. وبعـد أن كـان كـل من القضـاء العدلـي والإداري في فرنسـا متردديـن تجـاه هـذا الأمـر، باتـا يتقيـدان بهـا طواعيـة:

Dominique Rousseau: Op.cit. p. 140
Une fois la sentence rendue, elle est tenue pour définitivement acquise, produit ces effets « ERGA OMNES » et s’impose au respect de toute personne.

إلا أن مجلـس شـورى الدولـة الفرنسـي يتقيـد بالقضيـة المحكمـة لقـرارات المجلـس الدستـوري عندمـا يكـون عليـه أن يطبـق نـص القانـون بنفسـه الـذي نظـر فيـه المجلـس فقـط.

– Guillaume Drago : Contentieux Constitutionnel français 1998 p 496 :
Le juge administratif a adopté une position assez claire à l’égard de la chose jugée par le conseil constitutionnel lorsqu’il doit appliquer le même texte de loi que celui sur lequel le conseil constitutionnel s’est prononcé. Dans ce cas la juridiction administrative applique strictement la décision du conseil constitutionnel.

وبمـا إن حمايـة استقـلال أعمـال القضـاء لا تقتصـر علـى بـت القضايـا المعروضـة عليـه بـل تتعـدى ذلـك إلـى قـوة القضيـة المحكمـة التـي تتمتـع بهـا الأحكـام النهائيـة التـي تصـدر عنـه بعـد إنبرامهـا. وتأسيسـاً علـى ذلـك كـرس المجلـس الدستـوري الفرنسـي مبـدأ عامـاً يحظـر فيـه علـى كـل من السلطتيـن التشريعيـة والتنفيذيـة التعرض أو المسـاس بقـوة القضيـة المحكمـة، فـأورد فـي قـرار صـادر عنـه مـا يلـي:

«… Ainsi selon la formule retenue par le Conseil constitutionnel, il «n’appartient ni au législateur, ni au gouvernement de censurer des «décisions des juridictions, d’adresser à celles-ci des injonctions, ou de se «substituer à elles dans le jugement des litiges relevant de leur «compétence ».
– Revue Française du Droit Administratif, 2001, p. 1061.

كمـا صـدر القـرار المبدئـي لمجلـس شـورى الدولـة الموقـر قـراراً رقـم 21 تاريـخ 1995/10/18برئاسـة العلامـة الدكتـور جـوزف شـاوول والمستشـار انـدره صـادر والمستشـار سهيـل بوجـي. منشـور في مجلـة القضـاء الإداري 1997 الجـزء الأول صفحـة 24 ومـا يليهـا، نـورده حرفيـاً:
“يستحيـل بصـورة مبدئيـة ومطلقـة إدخـال أي تعديـل أو تصحيـح أو تفسيـر على القـرارات القضائيـة المبرمـة لمناقشـة مـا تقـرر بغيـة تعديـل مـا قضـت بـه أو إصـلاح خطـأ أو عيـب في أساسـه أو شكلـه ولا يجـوز لأيـة سلطـة قضائيـة كانـت أو إداريـة أن تناقـش مـا قضـت بـه القـرارات المبرمـة ولا تقبـل أي دليـل أو حجـة ينقـض حجـة مـا فصلتـه من حقـوق الأحكـام النهائيـة لأنـه ليـس للمحكمـة بعـد إبـرام الحكـم أن تتحـرى عن الخطـأ ثـم تعيـد البحـث في أسـاس الحقـوق.
“لا بـد من تطبيـق وتنفيـذ مـا قضـى بـه القـرار المبـرم مهمـا كانـت الأخطـاء التـي تعتريـه حتـى ولـو تعلقـت هـذه الأخطـاء بالصلاحيـة المطلقـة أو بالإنتظـام العـام أو كـان مجلـس شـورى الدولـة قـد خـرق الأصـول الشكليـة أو أحكـام القانـون الإلزاميـة.
“إن قـوة القضيـة المحكمـة تربـو على قـوة القانـون ذاتـه فهـي عنـوان الحقيقـة مهمـا وجـه إليهـا من إنتقـادات وطعـون.
“يتحتـم على كـل قـاضٍ مهمـا كانـت مرتبتـه في السلـك القضائـي أن يدافـع عن قـوة القضيـة المحكمـة التـي هـي السنـد الأساسـي للنظـام القانونـي وإلا سيكـون موضـوع الخـلاف سلطـان مجلـس شـورى الدولـة وكرامتـه، وهـو المحكمـة الإداريـة العليـا المنـاط بهـا مراقبـة شرعيـة الأعمـال الإداريـة والحفـاظ على الحريـات العامـة والخاصـة التـي كفلهـا الدستـور وحـدد نطاقهـا القانـون.
“إن الإدارة مسؤولـة عن التأخـر في تنفيـذ قـرار قضائـي مبـرم مـدة تتجـاوز “المهلـة المعتدلـة تجـاوزاً كبيـراً (مـدة 34 شهـراً).
فعـدم احتـرام قـرارات المجلـس الدستـوري، والقضيـة المحكمـة، وخـروج النقطـة المفصولـة من الإنتظـام القانونـي يوقـع كـل من يتولـى سلطـة أو وظيفـة إلى الملاحقـة الجزائيـة وفقـاً للمـادة 371 من قانـون العقوبـات التـي وردت تحـت عنـوان إسـاءة استعمـال السلطـة والإخـلال بواجبـات الوظيفـة وقد نصـت علـى مـا حرفيتـه:
“كـل موظـف يستعمـل سلطتـه أو نفـوذه مباشـرة أو غيـر مباشـرة ليعيـق ويؤخـر “تطبيـق القوانيـن أو الأنظمـة وجبايـة الرسـوم أو الضرائـب أو تنفيـذ قـرار قضائـي أو “مذكـرة قضائيـة أو أي أمـر صـادر عن السلطـة ذات الصلاحيـة يعاقـب بالحبـس من “ثلاثـة أشهـر الى سنتيـن.
كمـا نصـت المـادة 378 من قانـون العقوبـات تحـت عنـوان أحكـام شاملـة على مـا حرفيتـه:
“يمكـن للقاضـي عنـد قضائـه في إحـدى الجنـح المنصـوص عليهـا في هـذا الفصـل أن “يحكـم بالمنـع من الحقـوق المدنيـة.
فبعـد صـدور قـرار المجلـس الدستـوري الموقـر رقـم 5 تاريـخ 2017/9/22، الـذي قضـى بمخالفـة المـواد 83 و 87 من الدستـور، وأحكـام قانـون المحاسبـة العموميـة، ومخالفـة أحكـام المـادة 118 من النظـام الداخلـي لمجلـس النـواب بوجـوب إقـرار قطـع حسـاب الموازنـة قبـل إقرارهـا ونشرهـا، يكـون قـد أخـرج هـذا الأمـر من النظـام القانونـي ويكـون المجلـس النيابـي بإقـراره الموازنـة خالـف القضيـة المحكمـة دون إقـرار قطـع الحسـاب، ومخالفتـه مبـدأ سنويـة الموازنـة، وإقـرار موازنـة تتضمـن فرسـان وثعالـب الموازنـة والمـس بالحقـوق الأساسيـة الدستوريـة، وعليـه يكـون المجلـس الدستـوري الموقـر ملـزم باحتـرام أحكامـه المبرمـة وتطبيـق القضيـة المحكمـة المتعلقـة بالنظـام العـام، وإلا مـا قيمـة الأحكـام المبرمـة إذا لـم تلـزم الجميـع وتسلبهـا قوتهـا التنفيذيـة. كمـا تضمنـت الموازنـة قوانيـن تلغـي قوانيـن قائمـة ونافـذة دون بيـان النـص الملغـى ويشوبهـا الغمـوض. ومن المسلـم بـه أن الغمـوض يفسـح في المجـال أمـام تطبيقـه بشكـل استنسابـي وبطـرق ملتويـة تسـيء إلى العدالـة والمسـاواة بيـن المواطنيـن وتنحـرف عن النيـة غيـر الواضحـة أساسـاً للمشتـرع.
يقـول العلامـة الدستـوري دوغـي Duguit:
“ليـس للقانـون الدستـوري أي ضابـط سـوى حسـن نيّـة وصـدق الرجـال الذيـن يطبّقونـه”.

La loi constitutionnelle ne peut avoir d’autre sanction que la bonne foi et la loyauté des hommes qui l’appliquent. L. Duguit : traité de droit constitutionnel, T. IV, P. 632

ويقـول في مكـان آخـر العلامـة الفرنسـي Léon Duguit ، أن “قيمـة المؤسسـات من قيمـة من يتولـى شؤونهـا Les institutions valent ce que valent les hommes”، كـان يفتـرض بـأن النـص على درجـة متقدمـة من الكمـال، والمسؤوليـة تقـع على الممارسـة.
والقاضـي يقـول القانـون والحـق وليـس من مهامـه حمايـة موازنـة الدولـة المخالفـة للدستـور.

«Le droit à réparation motive le régime de la responsabilité administrative «et, comme le notait le doyen Vedel : « Le rôle du juge est de dire le droit «et non de procurer des économies à l’Etat » ; au surplus , dans la «pratique , l’équilibre du budget ne risque pas d’être compromis par les «charges indemnitaires qui sont une goutte d’eau dans l’océan des «dépenses publiques” ( Vedel , Droit Administratif , 1961 , p. 280 … et «Pierre Delvolvé, Le principe d’égalité devant les charges publiques , 1969)
– Cité par Jacqueline MORAND : «La Responsabilité de l’Etat français pour les dommages subis …. », in AJDA 1970, p. 588 et ss. (spéc. p. 601).

فالقضيـة المحكمـة المكرسـة بقـرار المجلـس الدستـوري صـدر سنـة 2017 تتعلـق بالنظـام العـام ويقتضـي تطبيقهـا والا يعتبـر المجلـس الدستـوري المحتـرم متجـاوزاً لصلاحياتـه ومسلـم بعـدم فعاليـة قراراتـه.
ونضيـف الديموقراطيـة في نهايـة المطـاف، هي جوهـر ومصـدر شرعيـة النظـام السياسـي، أي نظـام سياسـي، بـل هي نظـام حيـاة système de vie، وهي تحتـاج بالتالـي إلى أشخـاص يؤمنـون بالديموقراطيـة، فكـراً وممارسـة وسلوكـاً، فـلا ديموقراطيـة دون ديموقراطييـن، والأوطـان لا تبنـى إذا لـم يتوفـر للبـلاد رجـال ديموقراطيـون، يتقيـدون بقواعدهـا وأحكامهـا ويحترمـون مضامينهـا وتنفيذهـا مستنديـن إلى قـول العلامـة الدستـوري ليـون Duguit .
لكـن في قـرار المجلس الدستـوري رقـم 23 تاريـخ 2019/9/12 جـاءت مخالفـة عضـو المجلـس الدستـوري الأستـاذ اليـاس ابـو عيـد مستنـدة إلى قـول Voltaire ومعبـرة “الدستـور وجد كـي يُغتصـب لأنه لا يصرخ “. 

La constitution est faite pour être violée car elle ne crie pas.

فمهلـة الثلاثيـن يومـاً لإصـدار ونشـر الموازنـة انقطعـت بشغـور وخلـو سـدة الرئاسـة. والموازنـة مخالفـة للدستـور وإصـرار وقبـول البنك الدولـي بموازنـة مخالفـة للدستـور مؤشـر مشبـوه وغيـر مطمئـن.
على كلٍ، يمرّ الزمن في موكب سريع يزول البناة ويبقى البنيان، يـزول المخالفون والناهبون والنصابون، يبقـى العهـد، يبقى التذكار، يبقى الناموس، يبقى الكتاب ويبقى لبنان.
فمـا على النواب الكرام إلا المراقبة والمحاسبة وتقديم طعن لوقف صراخ اغتصاب الدستـور.
“محكمة” – الجمعة في 2022/11/11

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!