علم وخبر
نقابة المحامين بين تحدّيات الواقع وآفاق الإصلاح/ مروان ضاهر
المحامي مروان ضاهر:
تواجه نقابة المحامين في لبنان، كما في غيره من الدول، جملة من التحديات البنيوية التي تمسّ جوهر رسالتها: حماية المهنة وصون كرامة المحامي.
في زمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يزداد العبء الملقى على عاتق النقابة لتكون أكثر من مجرّد إطار تنظيميّ، أو صرحًا جامعًا، بل شبكة أمان مهنية واجتماعية.
من هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة توازن بين الأبعاد الثلاتة: الاجتماعي والاقتصادي والتدريبي، وتعيد الاعتبار إلى المحاماة كقوّة فاعلة في المجتمع.
ٳنّ ترشّحي لمنصب نقيب المحامين ينطلق من إيماني العميق برسالة النقابة ودورها التاريخي والوطني، ومن محبّتي الصادقة للمهنة التي اخترتها عن قناعة، وعمق العلاقة التي تربطني بالزملاء الذين يشكّلون عائلتي المهنية الكبرى، وللعدل الذي ندرنا أنفسنا لخدمته،
أدركؙ تمامًا أنّ المحاماة ليست مهنة كباقي المهن، بل هي رسالة تتقاطع فيها كرامة الإنسان مع صون الحقوق والدفاع عن الحرّيات. ومن هنا، أرى أنَّ النقابة يجب أن تبقى حصنًا للمهنة وملاذًا للمحامي، وفضاءً جامعًا يعكس قيم التضامن، والاستقلالية، والالتزام الأخلاقي.
ما أعرضه امامكم ليس برنامجًا انتخابيًا على ورق، ، بل رؤية واضحة المعالم، واقعية، قابلة للتطبيق والتنفيذ، تستند إلى حاجات ملموسة يواجهها المحامي يوميًا، وتضع الأولويات في مكانها الصحيح.
رؤيتي تتمحور حول ستّة محاور أساسية: التغطية الصحية الشاملة، تعزيز استقلالية النقابة المالية، تطوير التدريب والتدرّج، تنظيم العلاقة مع القضاء، ترسيخ الشفافية والحوكمة، وتفعيل مركز الوساطة والتحكيم.
1- التغطية الصحية الشاملة وتخفيض كلفة التأمين الصحي
إنّ حصول المحامي على رعاية صحية متكاملة هو حقٌّ طبيعي وأساس جوهري من أسس كرامة المهنة. فلا يجوز أن يشكّل العائق المادي سببًا لحرمان أيّ محامٍ من التأمين الصحّي.
وعليه، فإنّ النقابة مدعوة إلى جعل الصحة أولوية، حمايةً للمحامي وعائلته، وضمانًا لاستمرارية عطائه في خدمة العدالة والمجتمع.
2- تحسين موارد النقابة والوضع المهني للمحامي
إنّ تحسين الوضع المهني للمحامي يُعدّ من أبرز الأولويات، لأنّ ذلك يعزّز مكانة المهنة ويرتقي بأداء المحامي في عمله. وتتمحور الخطة في هذا المجال حول ثلاثة محاور أساسية:
أ- تعزيز شفافية العمل النقابي
فالشفافية داخل النقابة هي الركيزة الأساسية لضمان نزاهة الأداء، وزيادة الثقة بين النقابة وأعضائها، وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والمنافع.
إنّ الشفافية هي أساس لبناء الثقة وتعزيز الشراكة بين النقابة وأعضائها. فهي لا تحسّن الأداء الداخلي فحسب، بل تخلق أيضًا مناخًا من الاطمئنان، وتجعل المحامي شريكًا حقيقيًا في صنع القرار. باختصار، الشفافية هي الدعامة التي تُبنى عليها نقابة قوية، عادلة، وقادرة على تلبية تطلّعات أعضائها وتحقيق رؤيتها المستقبلية.
ب- تمتين العلاقة مع الجسم القضائي وتنظيم العمل في المحاكم
تعزيز التعاون بين نقابة المحامين والجسم القضائي يضمن تسريع الإجراءات القضائية، وحماية حقوق المحامين، وتنظيم سير العمل في قصور العدل بشكل فعّال ومنهجي.
مهما اختلفت التوجّهات وتباينت الآراء، فما يوحّد المحامين يظلّ أسمى من كلّ اعتبار كالولاء للعدالة، والانتماء إلى النقابة، والوفاء لرسالة المهنة.
فالمحاماة، في جوهرها، ليست حرفة تُمارَس، بل رسالة تُحمَل، وهي رسالة لا تعرف الانكسار أمام الصعاب، ولا تنحني إلّا أمام سلطان الحقّ والقانون.
ولئن كانت النقابة إطارًا تنظيميًّا، فإنّها قبل ذلك وبعده حصنٌ للكرامة، وبيتٌ للحرّية، ومنبرٌ للحقّ. وكلّ مشروع إصلاحي لا يُقاس بما يُقال فيه من شعارات، بل بما يترجمه من خطط واضحة، قابلة للتطبيق، مصونة بالشفافية، ومرتكزة إلى مبدأ المشاركة، فيتحوّل بذلك إلى عهد مهنيّ ملزم، لا إلى وعد إنتخابي عابر.
وإذا كانت التحدّيات جسيمة، فإنّ الإرادة الجماعية الصادقة قادرة على تجاوزها.
فبيدٍ واحدةٍ قد يُشَيَّد جدار، أمّا بالأيدي المتضافرة فتبنى القلاع.
ومن هنا، فإنّ وحدة المحامين وإيمانهم بمكانة مهنتهم هما الضمانة الأولى لاستعادة النقابة هيبتها، ولترسيخ المحاماة كركن من أركان العدالة، ولإعلاء شأن المحامي كحارس للحقّ وصوتٍ للحرية.
إنّ المستقبل المنشود ليس غاية بعيدة المنال، بل استحقاقًا يفرض نفسه على الحاضر. وهو مستقبل لا يليق إلّا بمهنةٍ قِوامها الكرامة، ورسالـتها الحرّية، وسلاحها القانون.
“محكمة” – السبت في 2025/11/8



