الأخبار
النقيب ناضر كسبار: الحل المثالي للمالك والمستأجر هو بدل المثل*
من المبادئ العامة المتعارف عليها، ان صياغة القوانين يجب ان تكون واضحة وسلسلة، بحيث تتناسق موادها مع بعضها البعض بعيداً عن الغموض والالتباس والتعقيد، كما وبعيداً عن النظريات بحيث يستحيل تنفيذ بعض البنود. وخير دليل على ذلك هو قانون الايجارات للاماكن السكنية الذي صدر في العام 2014 وعُدل في العام 2017 بموجب القانون رقم 2 تاريخ 2017/2/28. والذي نص على لجان وعلى صندوق لم يبصر النور، وعلى بدعة تعيين خبيرين من هنا وخبيرين من هناك وإمكانية تعيين غيرهم من قبل اللجنة المختصة. وبالنتيجة وقع المالكون والمستأجرون في مشاكل لا تعد ولا تحصى. في حين انه كان يمكن حل المسألة بالتركيز على زيادة البدلات بشكل تصاعدي الى حين الوصول الى بدل المثل.
أما في ما يتعلق بالقانون رقم 11 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 2025/6/12 والقانون المنشور بتاريخ 2025/8/21 الذي عدله، فقد جاء اكثر تعقيداً خصوصاً ما ورد فيهما من مهل صارمة والدخول في تفاصيل معقدة بعيداً عن الواقع.
ويكفي ان نراقب حركة التشريع حيث نص القانون السابق المتعلق بالاماكن غير السكنية، على نسبة زيادة لبدلات الايجار غير منطقية على الاطلاق وذلك استناداً الى مؤشر التضخم الذي كان يأتي احياناً تحت الصفر. وحده الاقصى فقط 5%، بحيث كانت بدلات الايجار متدنية بشكل لافت خصوصاً المآجير التجارية ومكاتب المهن الحرة. وإذ فجأة يقرر المشترع وضع حد لتلك الاجارة في قانون 2025/6/12 خلال اربع سنوات ويمكن ان تكون سنتين اذا تنازل عن الزيادات في بدلات الايجار. وبالتعديل بين 5 سنوات وثماني سنوات حسب بعض المعطيات المنصوص عليها في القانون. كل ذلك مع زيادة في بدلات الايجار وضمن آلية معقدة جداً لدى التطبيق.
من هنا فإننا نقسم مداخلتنا الى قسمين:
اولاً: قسم يتعلق بخطورة وبأضرار اخلاء المستأجر في الاماكن غير السكنية.
ثانياً: قسم يتعلق بتعقيدات القانون الذي نص على اجراءات معقدة لدى التطبيق.

*****
اولاً: في ما يتعلق بخطورة وبأضرار الاخلاء:
الف: ان معظم المستاجرين قبل 23 تموز 1992 دفعوا ما يسمى “بالخلو” وكان مبلغاً مهماً وكبيراً. بالاضافة الى دفع بدل الايجار السنوي الذي كان يوازي بدل المثل الى ان اصبحت البدلات زهيدة بسبب تقاعس المشترع عن زيادة البدلات يومها.
باء: ان عنصر الايجار في المؤسسات التجارية هو العنصر الاضعف نسبة لعناصر الزبائن Clientele، والمكان والاسم والشعار وغيرها. وبالتالي يقتضي الاخذ بعين الاعتبار بأن المستأجر صاحب المؤسسة التجارية هو الذي سعى الى جلب الزبائن طوال سنوات وسنوات. واعتادوا على ارتياد مؤسسته. هذا بالاضافة الى اهمية المكان، اي مكان المأجور، الذي اعتاد الزبائن على ارتياده. وقد يخسرهم المستأجر صاحب المؤسسة التجارية اذا ما انتقل الى مكان آخر.
جيم: هناك خطورة في موضوع إخلاء المستأجر من المؤسسة. نعطي مثلا على ذلك: في ما يتعلق بالمدارس المستأجرة ففي هذه الحالة على صاحب المدرسة التفتيش عن مبنى جديد يصلح استعماله كمدرسة بالاضافة الى الزامية الملعب. ولكن الاخطر هو ان التلاميذ في المدرسة قد لا يذهبون الى مكان بعيد، كأن تكون المدرسة في جديدة المتن، وتنتقل الى جبيل مثلا. هنا سوف تفقد المدرسة جميع طلابها. فما هو مصيرها ومصيرهم خصوصاً وانها شبه سلسلة مترابطة. يضاف الى ذلك مكاتب المحامين والاطباء والمهندسين الذين دفعوا المبالغ الطائلة من صاحب مهنة حرة آخر واستأجروا مكانه. وزاد المالك بدلات الايجار. فإلى اين يذهبون؟
من هنا، فإننا ومنذ عشرات السنين، ونحن ننادي بوجوب زيادة البدلات تدريجياً حتى تصل الى بدل المثل في الاماكن السكنية وغير السكنية. فمن هو بحاجة للمأجور يبقى فيه. ومن ليس بحاجة اليه يتركه.
يضاف الى ذلك انه في الاماكن غير السكنية يُعطى المالك المجال في استرداد المأجور ومن دون سبب. بمعنى انه ليس ملزماً باسترداده للهدم واعادة البناء. وذلك لقاء تعويض للمستأجر يوازي مثلا 25% من قيمة المأجور. وهذا امر لم يكن مسموحاً به سابقاً.
مع الاشارة الى انه في حالة إخلاء جميع المستأجرين في الاماكن غير السكنية، سوف يفتش المالك عن مستأجر جديد. وقد يكون بدل الايجار اقل من بدل المثل الحالي بسبب كثرة الاماكن الخالية بعد تركها من قبل المستأجرين. فمن مصلحة المالك زيادة البدلات حالياً لتصل الى بدل المثل الذي لا يزال مرتفعاً. وعلى الاقل يعرف من هو المستأجر الذي تعامل معه طوال هذه المدة.

ثانياً: في ما يتعلق بتعقيدات احكام القانون.
الف: ينص القانون على مهل محددة لبقاء المستأجر في المأجور إبتداء من تاريخ صدور القانون. ولكن اي قانون هل قانون 2025/6/12 ام قانون 2025/8/21. برأينا تبدأ المهلة من تاريخ صدور القانون الثاني في 2025/8/21.
باء: لا نعلم لماذا دخل المشترع في الفقرة ب من المادة الاولى في مسألة الاماكن التي تزيد مساحتها عن الخمسماية متراً مربعاً والاماكن التي تنقص مساحتها عن 500 م2. وفي مسائل اعادة البناء والتلف والترميم والاصلاحات وغيرها. والتي في حال الخلاف يبتها القاضي المنفرد. اي عدنا الى مسألة الخبراء والتقارير والتعليقات عليها.
جيم: مسألة احتساب بدل المثل الذي كان 8% فأصبح 5%. واللجوء امام القضاء وتعيين الخبراء وما ينتج عن ذلك من تعقيدات، منها ابلاغ الفرقاء، وتحديد من هم المستأجرون خصوصاً لدى وجود ورثة، والتبليغات وعدم العثور لانه لا يمكن إبلاغ العاملين في الشركة المستأجرة او المؤسسة او المكتب. كذلك المهل حول صدور الحكم خلال شهر والاستئناف خلال ثمانية ايام. فهل ستستطيع محاكم الاستئناف بت عشرات آلاف الدعاوى التي ترد من قضاة منفردين في كافة الاقضية، وقد تكون غرفة واحدة في الاستئناف مكلفة في قضايا الايجارات.؟ وكأن القضاة مستعدون لإصدار عشرات الآلاف من الاحكام، هذا اذا انهى الخبير مهمته وعلق الفرقاء على التقرير، ولم يطعنوا او يطلبوا رده…في حين، وبكل محبة، احياناً قرار حصر الارث لا يصدر إلا بعد عدة اسابيع. ثم ماذا عن محكمة الاستئناف؟. هل الامر بهذه السهولة في إصدار القرارات؟. كل ذلك لان المشترع بعيد عن معرفة كيف تجري الامور في المحاكم وخصوصاً لجهة التبليغات، ولجهة الضغظ على القضاة الذين يتابعون آلاف الملفات، فلا يمكن إغراق محاكمهم بعشرات آلاف الملفات.
دال: ما ورد في الفقرة 4 من المادة الاولى حول عقود المؤسسات التجارية العائدة لمهن حرة منظمة بقانون.
فهل لدى المهن الحرة مؤسسات تجارية؟.
*****
وبالنتيجة، كنا ولا نزال نصر على موقفنا بأن تزاد البدلات تدريجياً الى ان تصل الى بدل المثل. ويكون المالك والمستأجر مرتاحين بهذه الوضعية. مع إمكانية استرداد المأجور من دون تبرير او سبب من قبل المالك مع تعويض عادل يحدد المشترع نسبته وتبث به المحاكم.
*ألقى النقيب السابق للمحامين في بيروت ناضر كسبار هذه المحاضرة حول قانون الايجارات في الاماكن غير السكنية في جامعة بيروت العربية بتاريخ 2025/10/27.
“محكمة” – الاثنين في 2025/10/27
