الولد الوحيد.. حقيقة الوجود المغلَّفة بالصحبة/انطونيو الهاشم
أنطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
وُلدتُ وحيدًا لوالدي، غير أنني لم أختبر تلك الوحدة يومًا على صورتها المتعارف عليها. كنت محاطًا بأبناء وبنات أخوالي وخالاتي، نكبر معًا كأننا فروع لشجرة واحدة، نقتسم الضحك واللعب، ونتقاسم الخوف والدهشة . ومع تراكم السنوات ونضوج الوعي، تكشّفت لي حقيقة لم تُعلِّمْني إياها الطفولة , أن الإنسان، مهما ازدحمت حوله الوجوه، يظل في جوهره كائنًا وحيدًا.
الوحدة ليست فراغًا في المكان، بل فجوة في المعنى. ليست غياب الآخرين، بل استحالة الامتزاج الكامل بهم. نحن نعيش داخل ذواتنا كما يعيش السجين في زنزانة شفافة. نرى الآخرين ويروننا، نتبادل الكلمات والإيماءات، لكن أحدًا لا يستطيع أن يشعر بألمنا كما هو، ولا أن يفرح فرحنا بذات النبرة، ولا أن يحمل عنّا ثقل الأسئلة التي تنهش وعينا في صمت.
الإنسان كائن اجتماعي، نعم، لكنه أيضًا كائن وجودي، محكوم بتجربة فردية فريدة لا تتكرر. يولد وحده، يختبر وعيه وحده، ليقف أمام أسئلته الكبرى ،من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ ماذا أفعل بهذا العمر القصير؟ قد يربت الآخرون على كتفه، لكنهم لا يستطيعون سبر أغوار روحه.
حتى في أشد لحظات القرب الإنساني، في الزواج ، في الحب، في الصداقة، في العائلة، تبقى مسافة خفية لا تُكشف . فالكلمات تخون التجربة، واللغة ،مهما بلغت ، تظل قاصرة عن نقل الألم كما يُعاش، أو الفرح كما يُولد. نحن نشرح أنفسنا للآخرين، لكننا لا نُسلِّمهم ذواتنا.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الوحدة هو أنها صامتة. لا تصرخ، لا تطالب، لا تلفت الانتباه. تظهر في لحظة تأمل عابر، في مساء طويل، في سؤال بلا إجابة، في شعور غامض بأن شيئًا ما ينقص، رغم اكتمال المشهد خارجيًا. مجموعة من البشر تحيط بك، لكن لا أحد يقف مكانك حين تواجه ذاتك عاريًا من التبريرات.
غير أن هذه الوحدة، على قسوتها، ليست لعنة . إنها أيضًا مصدر العمق. لولاها لما فكر الإنسان، ولا كتب، ولا تأمل، ولا سأل. الوحدة هي الرحم الذي تولد فيه الأفكار ، وتتشكل فيه الفنون، ويكتشف فيه الإنسان صوته الخاص. هي الألم الذي يصقل المعنى، والفراغ الذي يدفعنا للبحث عن النور.
نحن نتألم وحدنا، نعم ، ونفرح وحدنا، لكننا نشتاق لأن نشارك الفرح. ونموت وحدنا، لكننا نترك أثرًا قد يخفف وحدة من يأتون بعدنا. في هذه المفارقة يكمن سر الإنسان ، كائن وحيد، لكنه لا يكف عن محاولة العبور إلى الآخر.
الوحدة ليست نقيض الإنسانية، بل شرطها. هي الحقيقة التي نحاول نسيانها بالضجيج، ونعود إليها في الصمت. وهي الامتحان الذي لا ينجو منه أحد، مهما كانت بداياته مزدحمة.
وهكذا، مهما اختلفت بداياتنا وتنوّعت دوائرنا الإنسانية، ومهما حسبنا أننا هربنا من الوحدة بالصحبة، فإن الحقيقة تبقى واحدة، نحن جميعًا وحيدون. وحيدون في وعينا، في اختياراتنا، في خوفنا العميق من الفقد، وفي وقوفنا العاري أمام ذواتنا. نلتقي، نتحاب، نتشارك الطريق، لكن كلٌّ منّا يسير في داخله دربًا لا يطأه سواه. لعل عزاءنا الوحيد أن ندرك أن هذه الوحدة ليست استثناءً ولا نقصًا، بل قدرٌ مشترك، يجعلنا بطريقة مفارقة، أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من بعضنا البعض، لأننا جميعًا نحمل الجرح ذاته، ونسير بهدوء نحو المصير نفسه… وحدنا.
“محكمة” – السبت في 2026/1/24


