أبحاث ودراسات

بناء العدالة القضائية في ضوء التأويل والتوازن العقدي/نجاح شحادة

الدكتورة نجاح شحادة:
لطالما كان لموقع القاضي في مفهوم العدالة موقع إشكالي بين من يراه مجرد منفّذ لإرادة المشرع، ومن ينظر إليه كشريك يمتلك سلطة تأويل النص وتحقيق العدالة الواقعية (1)، ففي الفكر القانوني القديم المستند إلى مبدأ الفصل بين السلطات، يعتبر أن القاضي يقتصر دوره على تطبيق النصوص القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية دون أي اجتهاد يتجاوز ظاهرها. إذ أن تتجلى العدالة من خلال الفكر القانوني القديم من خلال إحترام قواعد موضوعة مسبقاً لا من خلال تقيم شخصي للعدالة من قبل القاضي، إذا بمعنى آخر تتجلى العدالة في إحترام القواعد القانونية الموضوعة مسبقاً وتطبيقها على الجميع دون استثناء، فالقانون هو الفيصل في تحديد العدالة وليس تقدير القاضي أو أي شخص آخر. إلا أن هذا الدور يبقى محدوداً من حيث الصلاحيات إذا يلزم القاضي وفق النظرية الكلاسيكية، الاحتكام إلى حرفية النص دون أن يعيد إنتاج العدالة من خلال إجتهاده الخاص.
ففي القانون اللبناني لطالما حافظت المحاكم على هذا الانضباط، إذا إنّها امتنعت عن تجاوز ظاهر النص حتى في الحالات التي تستدعي معالجة مرنة ومنطقية، لا سيما في مجال العقود والالتزامات(2). فعلى سبيل المثال وبالرغم من عدم وجود نص صريح في قانون الموجبات والعقود ينظم نظرية الظروف الطارئة، إلا أن بعض المحاكم حاولت الارتكاز على الاساس القائم على تحقيق العدالة ومبدأ حسن النية من أجل رد التوازن العقدي إلى حد المعقول إلا أن هذا التوجه بقي محدوداً ولم يتحول إلى قاعدة إجتهاد عامة(3). إذا يقتصر دور القاضي بمناسبة نظره النزاع المطروح أمامه، على تطبيق النص القانوني دون تأويله تطبيقاً لمبدأ لا اجتهاد في معرض النص. ولكن أحياناً قد لا يصل إلى الحل الوارد في القاعدة القانونية المراد تطبيقها نظراً لغموضها او لبس يكتنف أحكامها أو وجود خطأ فيها، أو تناقضها مع قواعد آخرى مما يستدعي اللجوء إلى عملية التفسير من أجل الوصول إلى الحل السليم، إذ إن الحياة ليست عبارة عن كيان جامد، بل هي في تطور مستمر وتغير، لذلك يقوم المشرع بإحالة هذه الوقائع المستحدثة إلى قواعد العدالة أو الاجتهاد القاضي أو للقياس، ومن أجل ذلك يستعين القاضي بجمله من الوسائل والأدوات لبلوغ القصد المراد، إلا أن تفسير القاعدة القانونية يشكل آلية يساهم من خلالها القضاء في تطوير القانون لأنه يرتبط بتطبيق القانون، بخلاف التشريع الذي يرتبط أساساً بملء الفراغ التشريعي، والتفسير القضائي هو على شكلين فإما ينصب على توضيح المعاني والالفاظ في حالة غموضها او أن يقوم بإصلاح العيوب النص إذا وجدت.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن هذا التصور، وإن كان يجزم باستقرار المعايير القانونية، يتجاهل أن النصوص نفسها قد تكون قاصرة في مواجهة أوضاع استثنائية او مستجدة.
وقد حذر الفقية الفرنسي(4) منذ القرن الثامن عشر من الجمود القانوني قائلاً ” القانون لا يمكن أن ينص على كل شيئ، وعلى القاضي أن يملأ الصمت بما يمليه عليه العقل والعدالة”.
إذًا يبرز ذلك مع تغيير طبيعة المنازعات وتزايد الازمات الاقتصادية والاجتماعية، التي كشفت عن عجز النصوص القانونية وحدها عن ارساء العدالة، فالمسائل المعروضة على القضاء لم تعد مجرّد تطبيق ميكانيكي للأحكام الثابته، بل باتت تقتضي إعادة النظر في وظيفة القاضي ودوره كشريك فاعل في إنتاج التوازن وحماية المراكز القانونية، إذ إنّ لفهم النظام القانوني لا يكفي العودة الى النصوص القانونية فقط، بل يقتضي العودة الى الاجتهادات القضائية والفقه لأنّهما يشكلان المصدر لتطبيق القاعدة القانونية، حيث ان النص القانوني وتطبيقه يمثلان العلاقة بين العدالة والميزان.
وهكذا بدأ يتشكل تصور جديد لدور القاضي، لا كمجرد منفذ بل كشريك فاعل في تحقيق العدالة خصوصاً في تقاطع النصوص مع واقع متغير ومعقد. إن هذا التحول يصبح أكثر إحتياجاً في أنظمة قانونية تعاني من اختلال وظيفي في التشريع كما هو الحال في لبنان، فمنذ العام 2019 واجه لبنان سلسلة أزمات غير مسبوقة، إنهيار اقتصادي ومالي، جائحة عالمية، انفجار مرفأ بيروت وشلل تشريعي وقضائي كل هذا ساهم في إضعاف استقرار النظام القانوني ووضع القاضي في موقع غير اعتيادي حيث بات عليه أن يتعامل مع نزاعات لم تكن النصوص المعدة سلفاً قادرة على استعابها، مما أدى الى بروز دور القاضي اللبناني في العديد من الحالات كشريك في تحقيق العدالة، محاولاً إنقاذ الموازين القانونية من خلال تأويل النصوص أو تقيدها أو حتى تجاوزها أحياناً خدمة لمبدأ العدالة والانصاف، إذ إنّ دور القضاء لا ينحصر في تطبيق القواعد القانونية، بل يتعدى ذلك، الى إنشاء هذه القواعد عند انتفاء النص القانوني. ويجوز أن يكون مصدراً لهذه القواعد حتى مع وجود النص القانوني وذلك عند وجود نقص أو غموض أو تنافض في التشريع، إذ يسعى الى إكمال النقص أو إزالة الغموض او التناقض، او عند التوسع في حالات تطبيق النص القانوني بحجة التفسير. وهكذا يأتي دور القضاء مكملاً للقانون وعاملاً بالاستناد الى فكرة العدالة التعاقدية والاجتماعية على ضمان التوازن في الالتزامات والحقوق بين المتعاقدين.
وهكذا يتحول القاضي من مفسّر للنصّ إلى مهندس لتوازن عقدي جديد يراعي متغيرات الواقع دون أن يخرج عن الشرعية. إذ إنّ هذا الدور المتنامي يثير أسئلة جوهرية حول حدود سلطته ومشروعية اجتهاده وفعالية عدالته. من هنا تطرح هذه الدراسة الاشكالية التالية: هل يمكن النظر الى القاضي كشريك مستقل في تحقيق العدالة وليس مجرد منفذ للنص؟ هل يمكن اعتبار القاضي شريكًا مستقلًا في بناء العدالة لا مجرد منفذ للنصوص؟ وهل باتت الوظيفة القضائية تفرض عليه أن ينتج توازناً واقعياً عند التأويل، لا أن يكتفي بتطبيق حرفية النص؟ وما هي ملامح هذا الدور في ظل الازمات التي تعرض لها النظام القانوني في لبنان؟
الفقرة الأولى: الوظيفة القضائية بين الانضباط للنص والانفتاح على الواقع
في المنظومة القانونية اللبنانية، كما في غالبية الانظمة المدنية المستمدة من التقليد اللاتيني، استقر الفقه والاجتهاد طويلاً على تصور معين لدور القاضي، قائم على الفصل بين السلطات وعلى مبدأ أن السلطة التشريعية هي التي تصدر القانون، في حين أن القاضي ليس له سوى تطبيقه، إذ إنّ البند “ه” من مقدمة الدستور اللبناني نص على أنّ ” النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”. كما نصت المادة 20 منه فقرتها الاولى على أن ” السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة”.
وقد عبر الفقيه الفرنسي(5) عن هذه الفكرة حين قال ” إنّ القاضي هو فم القانون، يتكلم عندما يسكت النص، ولا يحق له أن يبتكر حين لا يسأل”. فإن هذا القول يعبر عن فكرة أن القاضي مهمته الاساسية هي تطبيق القانون دون أي اجتهاد أو تفسير شخصي، إذ إنّه حصر وظيفة القاضي ضمن نطاق ضيق، يتلخص في تطبيق القانون كما هو، مع السماح له بالتفسير عند اللزوم أي في حال الغموض، أو النقص أو التعارض في النصوص. إلا أن هذا المفهوم قد تصدع أمام الازمات مما أدى إلى ولادة تأويل قضائي جديد مما يقتضي تبيان حدود الوظيفة التقليدية في النظام اللبناني أوّلًا، وتبيان دور الازمات ككاشف لقصور النص ولادة تأويل قضائي جديد ثانيًا.
أولاً : حدود الوظيفة القضائية في النظام اللبناني
لقد كرست المادة 4 من قانون أصول المحاكمات المدنية دور التقليدي للقاضي حين نصت على “القاضي أن يحكم في كل قضية وعليه أن يبت في النزاع حتى في غياب النص بالاستناد إلى المبادئ العامة في القانون أو العرف والانصاف”. ولكن هذه المادة نفسها بالرغم مما تحمله من مرونة، تؤكد أن مرجعية القاضي الاساسية هي النص اولاً، ثم المبادئ وليس الواقع بحد ذاته، وفي ظل هذه المنظورة، نشأت نظرية تفسيرية تقليدية تعتبر أن القاضي ليس له أن يخلق الحل، بل أن يكتشف من النصوص الموجودة. وهذا ما انعكس في الاجتهاد اللبناني لعقود طويلة، حيث كانت المحاكم ترفض مبدأ العدالة القضائية المستقلة وتعتبر أن دور القاضي ينحصر في رفع الغموض من النص واستكماله وفق المنهج الحرفي(6).
حيث إنّ الادبيات القانونية تصنف التفسير القضائي الى أنواع متعددة: تفسير لغوي، منطقي، وتاريخي، ولكن في كل هذه الانواع ظل القاضي ملتزمًا بعدم تجاوز النص، وقد ميّز الفقه اللبناني بين التفسير الذي يشرح النص وبين ما يعرف بالاجتهاد الخلاق الذي ينتج قاعدة غير منصوص عليها وهو ما كان ينظر إليه بتحفظ.
ومن أبرز أسباب حصر الدور القضائي في التفسير المقيد هو الخوف من أن يتحول القاضي إلى مشرع غير المباشر، وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات. لذلك، فإن معظم المحاكم كانت وما زالت الى حد بعيد، تخضع اجتهاداتها لمقولة: ” لا اجتهاد في معرض النص” وهي مقولة وان لم تقر كنص قانوني لكنها بقيت مؤثرة في المنهج القانوني(7).
لذلك، يظهر لنا في المنازعات العقدية التقليدية أنّ دور القاضي يقتصر في التفسير الحرفي لبنود العقد، والعودة الى نية الطرفين دون إدخال معايير خارجية ” مثل العدالة والتوازن الاقتصادي”. ففي منازعات الايجارات او القروض كانت المحاكم ترفض تعديل العقد أو اعادة التوازن بين الالتزامات، إلّا بناء على نص صريح ولم تكن نظرية الظروف الطارئة مطبقة إلا نادرا،ً بالرغم من وجود بعض النصوص في قانون الموجبات والعقود تعالج الظروف أو الأوضاع التي تستجد في العلاقة التعاقدية بعد وقوع أحداث طارئة لم تكن متوقعة عند ابرام العقد وتؤدي إلى اختلال التوازن بين الالتزامات، ومن أهم هذه النصوص المواد 524 و528 و742 و562 و977 و611 و115 و300 من قانون الموجبات والعقود.
غير أن هذه النظرة تتقلص نسبياً عند النظر في بعض النصوص الخاصة بقواعد التفسير في القانون اللبناني، فالمادة 366 تنص على أنه على ” القاضي في الاعمال القانونية ان يقف على نية الملتزم الحقيقية إذا كان الالتزام من جانب واحد او على قصد المتعاقدين جميعًا اذا كان هنالك تعاقد، لا ان يقف عند معنى النص الحرفي” فإن هذه المادة تمنح القاضي صلاحية تتعدى حدود التفسير الحرفي، وتفتح الباب أمام استكشاف إرادة الأطراف الحقيقية، ولو تطلّب الامر الابتعاد عن منطوق العبارات المستحدثة في العقد. اما المادة 367 م.ع. التي تفسر العقد المبهم لمصلحة المدين فتدلّ بدورها على أن للقاضي دوراً تدريجياً، في حالات الغموض، ما يثبت أن سلطته ليست مجرد وظيفة آلية أو حرفية، بل تنطوي على بعد تأويلي يؤهله لترجيح كفة دون آخر ضمن معايير العدالة التعاقدية. مع ذلك تظل المادة 370 متمسكة بالمبدأ التقليدي حين تمنع القاضي من تفسير البنود الواضحة بذاتها، مما يعكس التردد في الانتقال الكامل نحو الاعتراف بالوظيفة التأويلية الموسعة للقاضي. وهنا يظهر التوتر الكامن في النصوص نفسها، بين الرغبة في تقييد سلطة القاضي حماية لمبدأ الاستقرار القانوني، وبين الحاجة إلى منحه مرونة للتفاعل مع النص في ضوء النية المشتركة والعدالة التعاقدية.
بناء على ما سبق يمكن القول أن القاضي اللبناني ظل لفترة طويلة أسيراً لموقفه التقليدي كمنفذ للنص لا كشريك في إنتاج حلول رغم ما يفترضه دوره في تحقيق العدالة، لكن الأزمات المتلاحقة دفعت بهذا النموذج الى حافة الانفجار، وفرضت تحولاً في وظيفة القاضي من تفسير النص إلى إعادة تأويله وفق مقتضيات الواقع. إذ إنّ التوتر الظاهر بين منطق النص ومنطق النية، بين ظاهر العبارة ومقتضى العدالة، لا يعد تفصيلاً قانونياً في نية القانون، بل هو مفترق حاسم تحدد فيه وظيفة القاضي، فإذا كانت بعض مواد قانون الموجبات والعقود تسمح له بتجاوز المعنى الحرفي نحو نية مشتركة، فإنها في الوقت عينه تقيّده إلى حدود ظاهرية حين تحظر عليه تأويل النص في الواقع. ففي ظل هذا الواقع يظهر لنا أن القاضي منقسم بين دورين: دور فم القانون وفق التصور الوضعي، ودور المؤول عند الحاجة وهو يجعل مهنته أكثر تعقيداً مما يبدو. من هنا تبرز الإشكالية الأعمق فهل يظل القاضي منفذاً لتوازنات سابقه أنشأها المتعاقدون أو يعاد تعريفه كمهندس فعلي لهذه التوازنات في ضوء العدالة، خصوصاً في ظل الازمات التي تخل بالتوازنات التعاقدية؟
ثانياً : الأزمات ككاشف لقصور النص وولادة تأويل قضائي جديد
تعد العقود أحد أبرز تجليات مبدأ سلطان الأرادة في القانون المدني، حيث تعبر عن توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه(8). ولقد انبثق عن هذا المبدأ مبادئ ومسلمات منها مبدأ الحرية العقدية، الذي يعني بأن الأطراف العقد الحرية في تحديد مضمونه والالتزامات المنبثقة عنه، ومبدأ القوة الملزمة(9).
ويقصد بهذه القاعدة أن حكم العقد يجري مجرى القانون ويلزم أطرافه، فلا يجوز لأي طرفيه الاخلال به أو تعديله بإرادة منفردة. كما يلزم من جهه آخر القاضي حيث لا يملك في الأصل حق تعديله، إنما عليه أن يطبقه أو يفسره إذا كان فيه ما يستوجب التفسير. إلا أنّه في مواجهة الفلسفة الفردية والمذهب الفردي الذي يبالغ في إعلاء شأن الارادة في العقد ظهرت تيارات تعارض مبدأ سلطان الارادة، حيث انبثق عن هذه المعارضه وجهات تعكس الرغبة في إدخال الحس الاجتماعي الى إطار العقد وتأخذ بعين الاعتبار المستجدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أرخت بظلالها على العقد. إذ إنّ التشريع الحديث يتجه إلى تأمين الاستقرار في العلاقات الاجتماعية حيث إن إعادة الصيغ الشكلية لبعض التصرفات القانونية، والأخذ بنظرية الوكيل الظاهر والمالك الظاهر تدل على نية إرساء توفير الاستقرار المنبثق عنه. لذلك في ظل ذلك لاحظ” Ripert” في دراسته حول تأثير القاعدة الاخلاقية على القانون المدني، أن البحث في الحالات البسكيولوجية المحركة لتصرف الانسان، ذو منفعة في سبيل كمال القانون وخلق طمأنينة بين القانون والاخلاق(10). وكذلك عالج Ghestin في كتابه “إنشاء العقد” موضوع التوفيق بين عدالة العقد والمنفعة الاجتماعية(11)، حيث شهد القانون الوضعي نهضة بارزة في مجال تحقق استقرار العلاقة العقدية. وعلى الرغم من ذلك ظل يقوم دور القاضي على تحديد موجبات الاطراف القانونية أو الاتفاقية واجبارهم على تنفيذها والمشرع وحده يملك سلطة التعديل في العقد.
إلا أن الازمات المتلاحقة غير المتوقّعة التي عصفت في لبنان كالازمات الاقتصادية الحادة والجوائح العالمية مثل جائحة كوفيد 19 تظهر محدودية النصوص القانونية المجردة في الاستجابة للواقع المتغير، ما يضع القاضي أمام تحديات تفسيرية تستدعي تجاوز القراءة الحرفية لنصوص العقد او القانون، وهنا تبرز مفاهيم العدالة والانصاف كأدوات تفسيرية مرنة توظف لتحقيق التوازن بين الالتزامات العقدية ومقتضيات الظروف الاستئنائية. ويعتبر لبنان نموذجاً حياً لتراكم الازمات، إذ عرف خلال السنوات الاخيرة سلسلة من الكوارث التي أثرت عميقاً في الالتزامات العقدية من انهيار أقتصادي غير مسبوق منذ عام 2019، إلى انفجار مرفأ بيروت 2020، وصولاً إلى تداعيات جائحة كوفيد 19، مما خلخل البنية التقليدية للعلاقات القانونية واثار اشكاليات تتعلق بتنفيذ العقود والتوازن بين اطرافها. فلقد دفعت هذه الازمات الانظمة القانونية، ومن بينها النظام اللبناني إلى إعادة التفكير في ثوابت كانت تعد راسخة، ومن ابرزها مبدأ القوة الملزمة للعقد.
فالقاضي في ظل هذه التحولات لم يعد حبيس دوره التقليدي كمفسر جامد لعبارات النص، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية في لبنان ما بعد 2019 حيث بدأت بوادر تحول في موقع القاضي من صوت النص إلى فاعل قانوني يوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية إنطلاقاً من العدالة، لا فقط من ظاهر الالتزام . وقد بات التفسير في هذا الإطار، يتجاوز التعبير باللفظ ليصبح وسيلة لإعادة هندسة العلاقة، مما يراعي المستجدات التي لم تكن في حسبان المتعاقدين. وقد ظهر ذلك في حالات الاخلال الجسيم للتوازن كارتفاع سعر صرف الدولار بشكل كارثي، أو تراجع القوة الشرائية، مما دفع القاضي الى تفسير الالتزامات بصورة تفضي إلى نوع من إعادة التوازن بدل فسخ العقد أو تجاهل الواقع.
إنّ هذه الازمات دفعت القاضي الى تجاوز الدور التقليدي، في تفسير النصوص نحو دور أكثر فاعلية في إنتاج التوازن العقدي من خلال التأويل الخلاق لا التفسير الحرفي.
فالاجتهاد اللبناني شهد محطات فارقة في هذا الاطار، فقد اعتبر في القرار رقم 611 الصادر عن محكمة الاستئناف في بيروت بتاريخ 26- 10- 2021 “أن تحديد سعر الدولار يجب أن يستند إلى مبدأ العدل والانصاف”(12)، وفي قرار آخر بتاريخ 27-7-2021 “أعتبر أنه لا يمكن تحميل نتيجة مخاطر تدهور قيمة العملة الوطنية والتضخم الاقتصادي لفئة من الناس، والاخذ بالسعر الاكثر إنصافاً وعدالة”(13). وفي قرار صادر بتاريخ 8- 3-2022 أعتبر “أنه لا يعود للمدين الرامي إلى تسديد دينه قبل استحقاق أجله، إفراغ البنود العقدية المحددة التزامه النقدي بالدولار من مضمونها، عن طرق التسديد بالعملة الوطنية تحت اعتبار هذا الانفاذ تنفيذاً جزائياً ومخالفة للمبدأ حسن النية والانصاف المفروض التقيد بها عند انفاذ الموجبات العقدية سنداً للمادة 221 موجبات وعقود”(14). و في قرار صادر عن القاضي المنفرد في المتن الناظر في دعاوى الايجارات بتاريخ 26-3-2025 اعتبر “أن تكريس المشترع مبدأ إلزامية العقود ووجوب فهمها وتفسيرها وتنفيذها وفاقًا لحسن النية والانصاف والعرف بموجب المادة 221 موجبات وعقود، وحرصه على تحقيق الغاية المتوخاة من كل عقد وعلى احترام المصلحة العامة التي تراعي النظام الاقتصادي العام من خلال سلامة التعاقد بين الافراد وحسن تنفيذ العقد يتطلب تحقيق الفائدة أو المنفعة التي يبتغيها كل من طرفيه بحيث إذا انتفت المنفعة لم يعد من مبرر لذلك العقد. يعود للقضاء التدخل لإعطاء العقد القوة التنفيذية من خلال تكريس الحقوق المادية الثابته فيه. حيث استندت المحكمة إلى مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد واعادة تأويل العقد بما يخدم العدالة التعاقدية”(15).
إذاً، يظهر لنا أن الازمات دفعت القاضي إلى تجاوز الدور التقليدي في تفسير النصوص نحو دور أكثر فعالية في إنتاج التوازن مما أدى الى ولادة تأويل قضائي جديد(16).
فالقاضي يجب أن يكون عادلاً ومنصفاً وذلك حتى يأتي التفسير أو التنفيذ في محله القانوني، وعليه بعد وضع يده على النزاع وفي غياب النصوص أن يتوصل الى حل عادل. فللقاضي دور هام في هذا المضمار، حيث إنّه لا يمكنه أن يقر صراحة قاعدة قانونية، إلا أنه يستطيع من جهة أخرى عن طريق الاجتهاد أن ينشئ في الواقع هذه القاعدة وذلك حين يقوم بتفسير النصوص في ضوء التطور الاجتماعي والاقتصادي ووفقاً للاوضاع والظروف الحاصلة، فلا يجوز أن يحصر نفسه في تفسير قانون وجد منذ عشرات السنين في ضوء واقع اجتماعي واقتصادي معين. فيصدر أحكاماً لا تتفق مع الحال، والعدالة التي من واجبه توفيرها للناس. فقد اصبح اليوم في ظل الازمات التي لاحقت لبنان وفي غياب النصوص القانونية التي ترعى هذه الازمات دور هام للقاضي حيث أظهر في بعض القرارت أنه ينظر الى العدالة المقرونة بعلم صحيح. وهذا ما سوف يتم معالجته في الفقرة الثانية من خلال أعتبار القاضي كمنتج للتوازن العقدي وباني للعدالة التأويلية .
الفقرة الثانية: القاضي كمنتج للتوازن العقدي وباني للعدالة التأويلية
أمام قصور النصوص القانونية في مواجهة واقع الازمات المتكررة، تكرس دور جديد للقاضي، تجاوز فيه وظيفة تفسير النص أو حتى تأويله ليصبح فاعلاً في إنتاج التوازن العقدي، من خلال تدخله في مضمون الالتزامات، وضبط العلاقة التعاقدية بما يتناسب مع الظروف غير العادية، حيث إنّ القاضي لم يعد يمارس وظيفة قضائية بحتة منفصلة عن البنية الاجتماعية والاقتصادية، بل بات يتحرك في أفق عدالة تبن عبر الاجتهاد، وتعيد النظر في حدود سلطان الارادة والمفهوم الكلاسيكي اللالتزام التعاقدي.
وقد شكل هذا التحول خروجاً تدريجياً عن النموذج القانوني الصارم الذي يعلق كل عدالة على ارادة المشرع، نحو نموذج تأويلي تشاركي بين القاضي والنص، حيث بات القاضي يتقدم في موقعه ليعيد رسم ملامح العدالة داخل العلاقة التعاقدية، بالاستناد إلى مبادئ عليا مستمدة من الواقع لا من النص إلى حد ما. وهنا يظهر القاضي كمهندس فعلي لميزان العدالة العقدية في ظل التحولات. لذلك سوف يتم معالجة هذه الفقرة من خلال تبيان المضمون التحويلي لفكرة العدالة القضائية كتجسيد لعدالة تبن لا تطبق حرفياً ومن خلال ظهور القاضي كبانٍ لعدالة تأويلية قضائية تتجاوز الوظيفة التقليدية إلى ظهور العدالة التأويلية كعدالة قضائية لا تشريعية.
أولاً: العدالة القضائية عدالة تبنى ولا تطبق
لطالما اقترنت العدالة في الفكر القانوني الكلاسيكي بعمليات تطبيق النصوص على الوقائع، حيث يفترض أن النص القانوني، بوضوحه وعموميته، يجسد العدالة المنشودة، لكن التجارب القضائية الحديثة، خاصة في ظل الازمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة كشفت عن قصور بنيوي في هذه النظرة التطبيقية، إذ باتت النصوص القانونية رغم كثافتها عاجزة عن مواكبة التعقيدات المتغيرة التي يفرضها الواقع خصوصاً في العقود التي اختل فيها التوازن بفعل طارئ أو ظرف استثنائي.
وفي هذا السياق لم يعد القاضي مجرد منفذ لإرادة المشرع، بل بات شريكاً في إنتاج العدالة، لا بتجاوز النص بل بتفصيله وفق مقاصده، وإعادة تشكيله ليعكس الإنصاف والتوازن. هكذا نشأت في الفكرة القانوني الحديث فكرة العدالة القضائية. أي العدالة التي لا تقتصر على التطبيق الآلي للنص، بل تبنى عبر جهد تأويلي خلاق يقوم به القاضي إنطلاقاً من السياق وانتهاء بمقتضيات الانصاف.
إذاً، لا بد من التمييز بين فكرة عدالة القاعدة وعدالة القاضي. فالعدالة المجردة لا تتحقق إلا عبر تفصيل القاعدة على قياس الحالة الواقعية وهو ما لا يستطيع المشرع أن يفعله دون مشاركة القضاء(17).
وهكذا يأتي دور القضاء مكملاً للقانون وعاملاً بالاسناد إلى فكرة العدالة التعاقدية والاجتماعية، على ضمان التوازن في الالتزامات والحقوق بين المتعاقدين، وتضمن القاعدة الاجتهادية المعتمدة منه والتي تفرض قوتها الملزمة على المتقاضين ليس فقط شبيهة القاعدة القانونية بل هي متحدة معها.
وفي القانون اللبناني ورغم الطابع النصي البارز، بدأ هذا التحول يتجلى تدرجياً خاصة في اجتهادات المحاكم حيث تم اعتبار أن العدالة ليست دائماً في النص، بل في كيفية تطبيقه وتفسيره بما يتناسب مع مقتضيات الظروف العادله. وإن عدم التكييف مع الازمة الاقتصادية يعتبر إنكاراً للعدالة، ولو تم تحت مظلة تطبيق النص(18).
ويظهر لنا أن القاضي في زمن الازمات لا يمكن أن يبقى رهيناً للنصوص وحدها، بل هو مدعو إلى بناء عدالة ممكنة من الممكن القانوني. وهو بذلك لا ينقلب على القانون، بل يؤسس لمضمون أعمق له. وعليه فإن العدالة القضائية الحديثة، لا تبنى على قاعدة” تطبيق النص ولا شيئ غيره” بل تقوم على ممارسة تفسيرية تأويلية تنطلق من النص، لكنها لا تتوقف عند حدوده الحرفية، بل تنظر إلى وظيفته واهدافه وموقعه في بنية التوازن العقدي. فإن هذا التحول يعيد الاعتبار لوظيفة القاضي كسلطة منتجة لمعنى العدالة لا كمفسر محايد جامد كما يفرض إعادة قراءة النصوص القانونية من منظور وظيفي حيث يصبح النص أداة بيد القاضي لا قيداً عليه.
ثانياً: ظهور العدالة التأويلية كعدالة قضائية لا تشريعية
لم يعد دور القاضي في المنظومة القانونية الحديثة، ولا سيما في زمن الأزمات محصوراً في تفسير النصوص أو سد ثغراتها، بل بات في موقع يمكّنه من المساهمة الفعلية في إنتاج عدالة تأويلية تستخرج من روحية النص لا من حرفه، وتبني توازناً عقدياً مستنداً إلى المعايير الواقعية والإنصاف، لا فقط الى إرادة الأطراف كما صيغت في لحظة التعاقد.
هذا التحول في الوظيفة القضائية ليس مجرّد تكيّف ظرفي، بل يعبّر عن تطوّر عميق في فلسفة القانون المدني المعاصر، حيث أصبح ينظر إلى العقد ككائن حيَ يخضع للتأويل وفق الزمن والظروف لا كوثيقة جامدة لا تقبل التغيير، وهنا يبرز القاضي كمهندس لهذا التوازن العقدي يعيد تشكيل الالتزامات والحقوق داخل العلاقة التعاقدية دون تجاوز النص، بل عبر استنطاقه وإعادة بنائه في ضوء مقاصده وعدالة تطبيقه. حيث إنّ العدالة هي الهدف الذي يجب أن يسعى إليه القاضي عند تطبيق القواعد القانونية التي يمنحها القانون آثاراً بالقدر الذي تحقق فيه التوافق بين الاهداف الفردية والاعتبارات العليا التي تملي نشوء الحق وضمان استحقاقه، وتتمثل هذه الاعتبارات في تحقيق العدالة(19). وان القانون نفسه ليس هو في الحقيقة إلا ما هو منصف وعادل، والقاعدة القانونية لا تستهدف تحقيق أغراض الفرد بقدر استهدافها تحقيق مصلحة الجماعة، ومهما كانت صلبة ازاء الروابط العقدية فمن الضروري أن تلين تجاه المعطيات الاجتماعية. وأن ينظر إليها كقاعدة حية قابلة للتطور، فهي تحيا وتتطور في إطارها العام المجرد، وإذا كان ثباتها يضمن لها الاستقرار في التعامل فإن تحرك النصوص من المقررة لها أن يضمن لها الاستمرار والحياة(20). وهذا الدور للقاعدة القانونية يبرز من خلال القضاء، حيث إنّ القاضي لا يجب أعتباره منفذاً للنص، بل هو من يزرع فيه الروح التي تنتج عدالة تتكلم لغة الحياة.
وفي القانون اللبناني شكلت اجتهادات القضاء خلال السنوات الاخيرة ولا سيما بعد أزمة 2019 ترجمة واضحة لهذا التحول. ففي قرار صادر عن محكمة الاستئناف في الشمال اعتبر القاضي(21) ان” وجوب تطبيق الاحكام القانونية وقواعد العدل والانصاف التي ترعى حقوق الدائن والمدين معا، لا يجوز تقديم مصلحة المدين الذي اجرى ايداعًا في بدايات الازمة لجهة سعر الصرف المعتمد “، وفي قرار آخر اعتبر القاضي(22) أنّ ” العرض والايداع مناقض لمبدأ حسن النية في تنفيذ العقد المنصوص عنه في المادة 221 موجبات وعقود نتيجة تسديد رصيد الثمن بالليرة اللبنانية مع العلم بتدني سعر الصرف للعملة الوطنية مقابل الدولار وللاختلال الفاضح بميزان المنافع المتبادلة المتوخاة عند ابرام عقد البيع” . وايضاً في قرار آخر اعتبر القاضي(23) أنّ” وجوب تفسير وتنفيذ العقود وفاقاً لحسن النية والانصاف والعرف، لا يقتصر مبدأ حسن النية الذي يرعى العقود على التفسير وانما يشمل عملية تنفيذها.”
وبذلك يظهر لنا من خلال هذه القرارت أن القاضي ليس مكلفاً في تطبيق النصّ بحرفيته، بل بإعادة تشكيله بمقتضى التوازن العقدي المطلوب. خصوصاً عند تصادم القواعد المستقرة بتغير الظروف وظهور مستجدات لم تكن في الحسبان عند وضع النصوص القانونية. حيث أظهرت تلك الاجتهادات أن القاضي هو من يصنع الحل العادل في ظل النص، لا من خلال الانقلاب عليه، بل من خلال إعادة تأويله بما يتناسب مع مقاصد العقد وواقع العلاقة، لذلك من خلال هذا المفهوم تظهر العدالة التأويلية كعدالة قضائية لا تشريعية لأنها لا تأتي من النص القانوني الجديد، بل من خلال قراءة قضائية مستحدثة للنصوص القائمة، التي تعيد الاعتبار للمراكز التعاقدية المهددة وتعيد التوازن بين العلاقات.
لذلك يتبين لنا ظهور نظرية جديدة لوظيفة القضاء المدني، تتشكل بشكل تدريجي مع تزايد الاعتماد على القراءة التأويلية في حل النزاعات، حيث لا تعتبر فيه السلطة للمشرع فقط، بل يظهر القاضي معه كشريك في صياغة الحلول، وفي بناء عدالة متحركة تستجيب لنبض المجتمع.
وبذلك يظهر لنا أن هنالك انتقالاً في الوظيفة القضائية، لا من خلال تعديل إرادة المتعاقدين، بل من خلال إعادة التوازن ضمن إرادة تأويل المشرع، انطلاقاً من القيم الدستورية لا سيما مفهوم مبدأ العدالة ومبدأ حسن النية، إذ إنّ القاضي انتقل من موقع حارس العقد إلى موقع مهندس العلاقة العقدية.
إنّ العدالة التأويلية التي تنتجها السلطة القضائية أصبحت عملياً تسبق النصوص أحياناً في فاعليتها في ظل الازمات، والاجتهاد القضائي بات سلطة مستقلة في إنتاج الحلول لا منصاعاً بالكامل للسلطة التشريعية.
الخاتمة
لقد اظهرت هذه الدراسة طريقاً يعبر من خلال مرحلتين في وظيفة القضاء المدني. حيث في مرحلة أولى سادت النظرة التقليدية في دور القاضي كونه مجرد منفذ للنص القانوني، وفي مرحلة ثانية فرضتها التحولات التي طرأت على الواقع والازمات التي عصفت بالمجتع، والتي أظهرت دوراً فاعلاً للقاضي في إنتاج التوازن العقدي وبناء عدالة تأويلية تتجاوز حرفية تطبيق النصوص.
ففي البداية، تمّ الارتكاز على المفهوم الوظيفي التنقليدي للقاضي ضمن المنظومة القانونية اللبنانية، إذ إنّ القاضي كان يلعب دور الحارس لإرادة المتعاقدين من خلال تدخله فقط في حدود وظيفته المنصوص عليها دون أن يتجاوز النص تحت فرض منطق قانوني يربط العدالة بتطبيق النصوص لا بإعادة صناعته. إلا أن هذه الرؤية بدأت تتزعزع تدريجياً مع اشتداد الازمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي وضعت العقود عرضه امام اختلالات جوهرية، حيث إنّ الابقاء على دور القاضي من المنظور القديم يؤدي إلى الاضرار بمفهوم العدالة بحد ذاتها. ومن هنا تم الانطلاق في الفقرة الثانية الى تحليل التحول القضائي الذي أظهر تحولاً في دور القاضي نحو وظيفة تأويلية جديدة، إذا لم يعد دور القاضي يرتكز فقط على كونه منفذاً لإرادة المشرع، بل أصبح مؤولاً للنص ومعيدا قراءته ضمن معايير العدالة الواقعية، ولعل الاجتهاد القضائي اللبناني خصوصاً ما بعد عام 2019 أظهر بوادر هذا التحول، حين أعتبر أن استعادة التوازن العقدي المفقود لا يتم إلا من خلال تفسير النصوص تفسيراً عادلاً، يراعي المستجدات الواقعية ويستحضر الانصاف كجزء من النظام العام.
توصلت هذه الدراسة، الى أن العدالة القضائية في الزمن الراهن، هي عدالة تبنى تأويلياً لا تطبق حرفياً. وأن القاضي لم يعد مجرد مطبق جامد، بل أصبح شريكاً في إنتاج حلول قانونية عادلة، إنطلاقاً من النص، ولكن عبر مقاربة تأويلية تأخذ بالواقع وتحاكي المصلحة الاجتماعية. بمعنى آخر، إنّ القاضي في ظل الواقع الحاصل أخذ عملية التأويل لخدمة إعادة التوازن العقدي، من خلال إظهار العدالة بشكل تبنى مع الواقع لا تطبق من خلال حرفية النصوص.
مصادر ومراجع:
1- العدالة الواقعية تشير إلى مفهوم تحقيق العدالة في عالمنا المادي والملموس أي تطبيق العدالة في حياتنا اليومية، وفي العلاقات بين الناس، وفي توزيع الموارد وفي القضاء وفي السياسات.
2- محكمة التمييز، قرار رقم 94/13 تاريخ 1994/4/28، كساندر عدد 4 نيسان 1994 ص 44.
قرار رقم 96/21 تاريخ 1996/3/21، كساندر عدد3 اذار ص 22.
محكمة استئناف بيروت المدنية غرفة الثالثة، قرار رقم 920 تاريخ 1996/10/10، العدل 1997 ص 62. قرار رقم 44 تاريخ 2003/6/12 .
3- ادور عيد، أثر انخفاض قيمة العملة على الالتزامات المدنية، منشورات زين الحقوقية، 1990، ص137.
4- portalis , Discours preliminaire sur le premiere projet de code civil 1801,P89.
5- jean carbonnier , sociologie juridique , PUF,1972
6- Ghestin et Goubeaux, traite de droit civil, introduction generale, Paris 1983, No 424 et s
7- هدى عبد الله، سلطة القاضي في تعديل العقد، مجلة العدل 2000 عدد 1 ص 116
8- تنص المادة 166 من قانون الموجبات والعقود على ” ان قانون العقود خاضع لمبدأ حرية التعاقد، فللأفراد أن يرتبوا علاقاتهم القانونية كما يشاؤون بشرط أن يراعوا مقتضى النظام العام والاداب العامة والاحكام القانونية التي لها صفة إلزامية”
9- تنص المادة 221 من قانون الموجبات والعقود على ” ان العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين ويجب ان تفهم وتفسر وفاقا لحسن النية والانصاف والعرف.”
10- G.Ripert, la regle moral dans les obligation civiles , 4eme edition, paris 1949 n 158 p 75. « l’evolution du droit civil ne tend nullement a eliminier la recherche de l’intention. bien au contraire droit perfectionne dans la mesure ou il peut tenir compte de la bonne foi des sujets de droit ».
11- Ghestin, traite de droit civil, la formation du contrat, 3 emeedition 1993,LGDJ,p230.
12- قرار رقم 611 صادر عن محكمة الاستئناف في بيروت غرفة 9 تاريخ 26-10-2021 العدل 2021 العدد 4 ص 1518.
13- قرار رقم 41 صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى التجارية بتاريخ 27-7- 2021 العدل 2021 العدد 4 ص 1639.
14- قرار رقم 43 صادر عن محكمة الدرجة الاولى بيروت غرفة ثانية تاريخ 8-3-2022 العدل 2022 العدد 2 ص 734.
15- قرار صادر عن القاضي المنفرد في المتن الناظر في دعاوى الايجارات تاريخ 26-3-2025 العدل 2025 العدد 1 ص 395.
16- قرار رقم 135 صادر عن محكمة الدرجة الاولى في بيروت غرفة ثانية تاريخ 5-7-2022 ، العدل 2023 العدد1، ص 165. قرار رقم 28 صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية تاريخ 19- 1-2023 العدل 2023 العدد 1 ص 202.
17- Dupeyroux, la jurisprudence, source abusive du droit, in MelangesMaury,paris, Dalloz, 1960, tom II p349. « laregle jurisprudentielle ne ressemble pas a la loi, elle se confond avec elle
18– قرار القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية، قرار صادر بتاريخ 4-5-2023، مجلة العدل 2023، العدد 2، ص 515.
– قرار القاضي المنفرد المدني في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية، قرار صادر بتاريخ 1-6-2023، العدل 2023، العدد 3، ص 819.
– القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية، قرار رقم 75، تاريخ 28-8-2023، العدل 2023، العدد 3، ص 828.” إن استقرار العلاقات القانونية تفرض التوفيق بين عدالة العقد والمنفعة الاجتماعية”
– قرار رقم 256 صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية تاريخ 28-9-2023، العدل 2023، العدد 4، ص 1141.
– قرار صادر عن محكمة الاستئناف في جبل لبنان، الغرفة السادسة، تاريخ 29-1-2024، العدل 2024، العدد 1و2 ص 230.
– قرار رقم 10 صادر عن محكمة الدرجة الاولى في جبل لبنان، الغرفة الأولى، تاريخ 11-7-2023، العدل 2024 العدد 1و2، ص 318.
– قرار صادر عن محكمة الدرجة الاولى في جبل لبنان، الغرفة الرابعة، تاريخ 14-1-2024 العدل 2024، العدد 1و2 ص 363. – قرار رقم 238 صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية تاريخ 14-9- 2023،العدل 2024 العدد 3و4 ص 820.
– قرار صادر عن القاضي المنفرد في بعبدا الناظر في الدعاوى العقارية بتاريخ 6-6-2024، العدل 2024، العدد 3و4، ص 833.
– قرار صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية بتاريخ 19- 10-2023 العدل 2024 العدد 1و2 ص 391.
19- Ghestin, traite de droit civil, les obligation, le contrat, Paris, 1980, no 181
20- Demogue, des obligations en general, T VI Paris 1981, P 697.
21- قرار رقم 299 صادر عن محكمة الاستئناف في الشمال ، الغرفة الرابعة، تاريخ 28-11-2024، العدل 2025، العدد 1 ص 260.
22– قرار رقم 219 صادر عن محكمة الدرجة الاولى في بيروت، الغرفة الخامسة تاريخ 26-10-2023، العدل 2025 العدد 1 ص 329.
23- قرار رقم 274 صادر عن القاضي المنفرد في بيروت الناظر في الدعاوى المالية والتجارية، تاريخ 15-10-2024، مجلة العدل 2025، العدد 1 ص 387.
“محكمة” – السبت في 2026/2/21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.