مقالات
بين القانون والعدالة لا اجتهاد في معرض النص/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
بين القانون الذي يصدره مجلس النواب ومبدأ العدالة Equité، قد يكون هناك فرق شاسع. إذ ان بعض القوانين قد لا تجسد مبدأ العدالة، وقد تكون بعيدة عنه. هذا إذا لم نقل بأن بعض القوانين تراعي أحياناً بعض المصالح. ولا نزال نتذكر نص المادة 16 من قانون الارث لغير المحمديين التي اشترطت لتطبيق حق الخلفية، ان يكون للمتوفّى أخ او أخت على قيد الحياة، لأنّ ذلك كان ينطبق على حالة احد النواب في العام 1959.
والعدالة تختلف احياناً عن القانون. كأن نقول مثلاً بأن النص القانوني يطبق على الجميع، ونرى حائطاً يقف خلفه شخص طويل وولد قصير، فلا يرى شيئاً من خلفه الا اذا وضعوا له مجموعة من الحجارة ليقف فوقها، ويرى ماذا وراء الحائط. صحيح انه يقتضي تفسير النصوص القانونية طبقاً لروح العدالة. ولكن هذا التفسير لا يجب ان يشوه النص القانوني الواضح. وفي هذا المجال كان معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي المرحوم يوسف جبران يقول ان على القاضي ان يدرس الدعاوى بطريقة متأنية وعميقة، وان يأخذ بعين الاعتبار كل حالة مع الظروف المحيطة بها وإلا اعتمدنا على الكومبيوتر لحل مشاكلنا ودعاوينا.
في محاضرته الاخيرة في نقابة المحامين في بيروت انتقد معالي البروفسور المحامي ابراهيم نجار بعض القضاة الذين يغلّبون مبدأ العدالة على حساب النص القانوني الواضح. ففي قرار صادر عن احدى المحاكم، اعطت ورثة المسيحي الذي انتقل إلى الدين الاسلامي النصف للعائلة المسيحية والنصف للعائلة الاسلامية. وهذا القرار، وان كان يجسد روح العدالة حتى لا تحرم عائلته الاولى من الارث، مضيفاً انه لا يحق للقاضي ان يخالف القانون باجتهاداته، وعليه تطبيق النص الواضح.
في مقالته بتاريخ 1989/5/16 عن معالي النقيب ادمون كسبار بعد وفاته وكانت بعنوان: ادمون كسبار وله القانون في ظلال والد فقيه، كتب المحامي المرحوم اميل بجاني، وهو احد خريجي مكتبه، في خاتمة المقالة:
ففي ادراج مكتبه الذي كان معبد علم ووقار، بعض من الامثلة على كيف انه غير الاجتهاد في مواضع التغيير. او وضعه على الخط الصحيح في مطارح التصحيح والتصويب. وان اكثر ما يضيره هو ان يغلّب القاضي انصافاً موهوماً على نص صريح. ثمة رئيس في التمييز رحمه الله قال له مرة ان الموصي كاد ان يميت اخاه جوعاً فاستحقت وصيته الابطال. فسارع مجيباً بانه كان على محكمة التمييز ان تعتمد حيثية التجويع هذه في قرارها فربما كنا نفهم القرار.
وبالنتيجة، على القاضي ان يطبق النص القانوني كما هو، وألا يجتهد في معرض النص الواضح، خصوصاً في القضايا غير الجزائية التي تترك للقاضي (اي القضايا الجزائية) هامشاً للتحرك مثل حالات إخلاء السبيل ومدة العقوبة والتعويض والغرامة وغيرها.
“محكمة” – الجمعة في 2025/10/24



