علم وخبر

تحليل ثلاثي الأبعاد للأزمة اللبنانية مقابل ثلاثية فساد تواجه شعبًا بلا صوت/جاد طعمه

المحامي د. جاد طعمه:
بعد ارسال الحكومة اللبنانية مشروع قانون “الفجوة المالية” الى مجلس النواب، كان لافتًا المواقف الصادرة في الأيام الماضية من الأطراف المعنية والتي تسببت بالأزمة الاقتصادية (أي الدولة – مصرف لبنان – المصارف)، بشكل يعكس تنسيقًا لافتًا لأنّه يعكس في حقيقة المضمون استمرارًا للنهج السابق الذي أدى إلى الانهيار.
الدولة (ممثلة بالحكومة) أقرّت مشروع قانون “الفجوة المالية” الذي جاء لشرعنة “توزيع الخسائر على الضحايا” تحت عنوان “الإصلاح التقني”. طبعاً بات معلوماً أن القانون يهدف إلى تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل بفائدة زهيدة مما يعني تجميد الحقوق أي الودائع بقوة القانون وتآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم والزمن.
أما المصارف التجارية (ممثلة بجمعية المصارف) فأصدرت بياناً يجعلها في خانة المعارضة لمشروع القانون، لكنه في حقيقته وكما توقعنا منذ اليوم الأول جزء من مسرحية تهدف إلى خلق وهم “التوازن” و”الجدال”، بينما الهدف الحقيقي هو تمرير مشروع القانون الذي يُبرئ ذمم المرتكبين من المسؤولية ويحوّل الخسائر إلى المودعين.
بالأمس جاء دور مصرف لبنان (ممثّلًا بالحاكم) ليدلي بدلوه، فخرج إلى الجمهور في مؤتمر صحفي مدافعاً بالعمق عن “النموذج الاقتصادي” السابق، متحدثاً عن عملية “رد الأموال للمصارف”، متجاهلاً السؤال الجوهري والمركزي: ان كان ثمة رد للأموال حصل سابقًا أو سيأتي لاحقًا، فلم يحرم المودعون وهم أصحاب الحقّ، من حق الأولوية في الاستفادة منه؟
المودعون يستمرون في شتاتهم ضمن المجموعات وانقساماتهم
بينما يتحدث الثلاثي الذي كان مسبّبًا للأزمة بلغة واحدة رغم تباين العبارات، يظهر المودعون (وهم الضحايا) في حال من التشرذم في الموقف، وينقسمون بين مرّحب ومعارض بمشروع القانون، وبين من يصّدق الكلام الصادر وبين من يعتبره مجرد مشهد تمثيلي عالي الجودة.
أساس هذا الخلاف نستنبطه من ظاهرة تعدد الروابط والهيئات التي ادّعت وتدّعي تمثيل المودعين، فقلة منها الصادق وأكثرها وجدت لتسييس الموضوع أو لأن القيمين عليها قرروا الاستفادة من تمويل يأتي من مصادر معلومة أو غير معلومة، حتى أن بعضها يهادن ويتبنى نظرية المصارف نفسها ما يضعف الموقف ويفقد أي تحرك للمودعين الزخم المطلوب.
هذا دون اغفال حقيقة عدم وجود رؤية قانونية أو استراتيجية لمواجهة حيتان المال والسلطة بشكل تعاضدي وتكاملي، فلكل وجهة نظره الخاصة وبالتالي موقفه ورؤيته وقراءته لمشروع القانون.
الخلاصات والاستنتاجات
المشهد الحالي يُثبت صحة التحليل السابق لواقع الأزمة، فلا أحد يتكلم عن مسبباتها وهي باتت أزمة مالية ناتجة عن قوة قاهرة أو فجوة مالية ظهرت فجأة. فلا المصارف استثمرت أموالًا بسندات الخزينة وهي ديون عالية المخاطر ، ولا مصرف لبنان والدولة اللبنانية خالفا قانون النقد والتسليف وأحكامه، ولا تقصير حصل من الهيئات الرقابية ولا من القضاء اللبناني.
فالمشكلة على ما يبدو ستنحصر ببعض مدراء المصارف وشركات أربع تابعة لحاكم المصرف المركزي السابق والحاكم السابق بشخصه وبهندساته الخاصة بعد أن ارتضى أن يحمل وزر الأزمة على ما يبدو فلا يخرج على الجمهور اللبناني بمضمون الـ USB الذي تحدث عنه مرة وقال إنّه سينشره اذا ما مسّه سوء.
حقيقة الحال، أن الأزمة المالية ليست “نظامية” بل أزمة “مفتعلة”، وما كشف حاكم مصرف لبنان بالأمس عن خيار “رد الأموال للمصارف” إلا تأكيد بأنّ الأزمة نتاج سياسات وتعاميم متعمدة وتمييزية، بعضها ظهر للعلن وبعضها تم العمل به وبقيّ مخفياً في الأدراج.
الأزمة لم تكن يوماً “حتمية اقتصادية”، ولا يجب أن يتم استخدام القانون كأداة لتقنين جرائم الاختلاس والسرقة. فمشروع القانون الجديد وإن حظيّ بدعم البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي كما قيل يكرّس “الفساد المقونن” ويحوّل الخسائر من المسؤولين إلى المودعين تحت غطاء “الشرعية”.
الأمر الجدير بالتوقف أمامه مليًّا هو التغييب المقصود لكل آليات المحاسبة واسترداد الأموال المهّربة، لا بل قوننة تهريب الجزء الأكبر منها، وكل ذلك مرّده أن المسار القضائي لا يزال متعثرًا والتحقيقات في التحويلات المشبوهة والهندسات المالية غير جادة “ومن يأمن العقاب فمن الطبيعي أن يُسيء الأدب”.
نعم هناك بديل لكن لا أحد يريد تبنيه
الحل القانوني والواقعي لا زال مُتاحاً إذا ما وجدت الإرادة السياسية والنضج المجتمعي. ويمكن تلخيص المسار البديل عبر اجراءات تبدأ بسحب مشروع قانون الفجوة المالية من التداول فورًا رفضًا لأي تشريع يقونن النهب ويُبرئ المسؤولين الحقيقيين (طبعًا لا مصلحة لكل السلطات التي تواطأت على المودعين بحصول ذلك). من ثم تفعيل المسار القضائي، ليقول القضاء اللبناني “الأمر لي” وتنطلق التحقيقات الجادة والتي يُراد لها أن تصل الى نتيجة، لا أن تبقى في إطار “السكوبات الاعلامية”، والزام كافة المصارف بتطبيق مطالب النائب العام المالي وهي باكورة العمل، بحيث يكون من الواجب كشف قيمة جميع الحسابات المشبوهة العائدة لمدراء المصارف وعائلاتهم لمحاسبة المتورطين دون إغفال حسابات السياسيين وعائلاتهم أيضاً. هذا ويمكن منح دور كبير لأعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الذين يعانون من نقص مزمن في الفريق الاداري التابع لهم ما يضطرهم للاستعانة بشباب من المتطوعين في مركز الهيئة التي يمكنها أن تطلق نداء لتستعين بمتطوعين من الخبراء القانونيين والماليين الدوليين واللبنانيين النزيهين الذين يمكنهم الاستفادة من تجارب الأزمات المالية التي عصفت في آيسلندا وقبرص واليونان وتمّ علاجها ضمن أصول معلومة، ولا يجب اغفال وجوب صدور مشروع قانون لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق تراتبية الخسائر الحقيقية، وهذا ما كان يجب على الحكومة اللبنانية أن تنكبّ عليه في ما لو كانت النوايا بالاصلاح حقيقية، فتحمل الخسائر يبدأ من أعضاء مجالس الادارة في المصارف ثم المديرين ثم المساهمين لينتقل الى مصرف لبنان والدولة اللبنانية وينتهي بتحصيل حقوق المودعين الصغار والكبار في آن معاً تجسيداً لأحكام العدالة الاجتماعية، واحتراماً لما تفرضه أحكام القوانين المرعية الاجراء.
صوت واحد في مواجهة ثلاثية الفساد
ثمة معركة حقيقية اليوم، بين قوتين: “الاقتصاديين الفنيين” و”الواقعيين القانونيين”، وباقة الأوائل تريد تطويع القانون لإضفاء الشرعية على عمليات النهب الحاصلة، والاسهام في افلات المرتكبين من العقاب.
أما الباقة الثانية فتضم أصحاب الرؤية والاصلاح الحقيقي والصحيح الذي يبدأ بالمحاسبة بحيث يتم الاستفادة من أحكام القوانين القائمة لتكريس حقيقي مثبت لوجود دولة القانون.
الكلمة الفيصل يجب أن تبقى للمودعين الذين عليهم ألا يهضموا فكرة “الرضوخ للأمر الواقع والاعتياد” وعليهم العمل على توحيد صفوفهم خلف أحكام القانون مرعية الاجراء لبناء استراتيجية قانونية لمواجهة التحديات ورفض التطبيع مع السرقة المقوننة.
أمور مريبة على ضفاف المشروع
من اللافت للنظر، أن محاولة تمرير مشروع القانون تتم وسط تصعيد أمني، وفضيحتين تشغلان بال المجتمع اللبناني الأولى عنوانها “الأمير الوهمي” وثانيها عنوانها “قصة الحب بين المصرفي اللبناني والدبلوماسية الأميركية”، يترافق ذلك مع صدور قرار مستغرب عن السفارة الأميركية في لبنان منذ يومين يرحب بالاصلاحات المالية التي أقرتها حكومة لبنان وهو موقف فيه خروج عن الأعراف الدبلوماسية، لكن الادارة الأميركية الحالية يبدو أنها قررت الخروج على كل الأعراف السائدة في العلاقات الدولية.
لا بد من أن نخاف على حقوق المواطنين اللبنانيين خاصة بعد تعميم السفارة الأميركية، فالمشهد في فصوله الأخيرة يؤكد لنا أن الثلاثي المسؤول عن الأزمة والذي يبدو أنه نال الرضا الأميركي المتحكم بكل مفاصل الدولة اللبنانية سيتحكم بالسردية والمسار. ولأن صاحب الحق سلطان لا يجب أن نفقد الأمل، لكن الأيام القادمة تحتاج إلى يقظة في تجميع حقيقة المشهد الكامل من شتات الأحداث المتفرقة والتي لا تحصل بناء على لقاء مع السيدة “محاسن الصدف” التي لطالما لعبت أدواراً في كل قضية لها علاقة بالعدالة في لبنان الذي كثر فيه نسل “الشياطين الخرس” نتيجة “الشاي بالياسمين”.
“محكمة” – الجمعة في 2026/1/9

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.