تداعيات عدم تصحيح رواتب القوى الأمنيّة: تحليل قانوني– إستراتيجي للأمن في ظلّ الانهيار الشامل/مصطفى الشامية
الدكتور مصطفى اسماعيل الشامية (استاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية):
أوّلًا: الأجر والسيادة
في الأنظمة الدستورية الحديثة، لا تُمارَس السيادة عبر النصوص الدستوريّة وحدها، ولا من خلال احتكار استخدام القوّة فحسب، بل تتجلّى أساسًا في قدرة الدولة على ضمان استمراريّة مؤسّساتها السياديّة ضمن شروط عمل تحمي فعاليتها واستقلالها. ويقع أجر العسكري في صلب هذا المفهوم، إذ يشكّل الأداة العمليّة التي تُترجِم التزام الدولة تجاه من يحتكرون استخدام القوّة باسمها ولحسابها.
فالعسكري لا يعمل في سوقٍ حرّة، ولا يخضع لمنطق العرض والطلب، ولا يمتلك حقّ التفاوض الجماعي، أو الإضراب، أو تغيير صاحب العمل. هذا الوضع القانوني الاستثنائي يجعل الأجر والتقديمات جزءًا لا يتجزّأ من النظام العام، لا مجرّد عنصرٍ ماليٍّ قابل للتعديل الظرفي. وعليه، فإن المساس بالقيمة الفعليّة للأجر لا يُصيب المستوى المعيشي فحسب، بل يطال مباشرةً جوهر السيادة وقدرة الدولة على فرض سلطتها.
ثانيًا: تثبيت الأجور واختلال البنية الوظيفيّة
منذ نهاية الحرب الأهليّة، اعتمد لبنان سياسة تثبيت الأجور في القطاع العام، بما فيه القطاع العسكري، استنادًا إلى استقرارٍ نقديٍّ مصطنع. وقد سمح هذا الواقع بتجميد الرواتب من دون مراجعة دوريّة، طالما أنّ سعر الصرف الثابت كان يُخفي التآكل الحقيقي للقيمة الشرائيّة.
غير أنّ هذا النموذج لم يكن قائمًا على إنتاج أو نموّ فعلي، بل على دينٍ عامٍّ متراكم، ما جعل الأجور رهينة لانهيارٍ حتميّ. ومع سقوط النظام النقدي عام 2019، انهارت معه الوظيفة الاقتصاديّة للأجر. فلم يعد الراتب العسكري قادرًا على تأمين الحدّ الأدنى من إعادة إنتاج القوّة العاملة، وهو مفهومٌ مركزيّ في الاقتصاد العام، وفي منظومات الأمن والدفاع على السواء.
ثالثًا: الانهيار المالي والأمن القومي
الأزمة الماليّة اللبنانيّة ليست أزمة سيولةٍ عابرة، بل أزمة قدرة دولة. فعندما تفقد الدولة السيطرة على عملتها، وتنهار قدرتها على التخطيط المالي، تتحوّل سياساتها العامّة إلى سياسات ردّ فعل، فاقدة للأفق الاستراتيجي. وفي هذا السياق، أُديرت رواتب القوى الأمنيّة بوصفها بندًا خاضعًا لمنطق العجز، لا بوصفها عنصرًا بنيويًا في منظومة الأمن الوطني.
وتكمن خطورة هذا التحوّل في أنّ المؤسّسة العسكريّة لا تتأثّر بالأزمة عبر أرقام الموازنة فحسب، بل عبر قدرتها على الحفاظ على الجهوزيّة الطويلة الأمد، والاستثمار في التدريب، وصيانة العتاد، والأهمّ: الحفاظ على العنصر البشري. ومع انهيار الدخل، يبدأ الاستنزاف الصامت: غياب غير معلن، تراجع في المعنويات، هجرة مقنّعة، وانكفاء تدريجي عن تحمّل المخاطر.
رابعًا: غياب القرار والخلل الاستراتيجي
ما فاقم الأزمة لم يكن الانهيار المالي بحدّ ذاته، بل غياب القرار السيادي في التعامل معه. فلم تُدرَج رواتب القوى الأمنيّة ضمن رؤية شاملة للأمن القومي، بل أُدرجت في نقاشٍ ماليٍّ ضيّق، وكأنّ الأمن تفصيلٌ إداريّ يمكن إدارته بالحدّ الأدنى من الموارد.
وقد أدّى هذا الغياب إلى تحميل القوى الأمنيّة عبء تثبيت الاستقرار الاجتماعي، من دون تحصينها اجتماعيًا. وهنا يتجلّى الخلل البنيوي بوضوح: الدولة تطلب من المؤسّسة الأمنيّة أن تكون صمّام الأمان، فيما تمتنع عن تأمين شروط الصمود المادّي والمعنوي للعاملين فيها.
خامسًا: العنصر البشري والجاهزيّة الأمنيّة
في العقيدة العسكريّة والأمنيّة، يُعدّ العنصر البشري الركيزة الأولى لأي قدرة دفاعيّة أو منظومة أمن داخلي. فلا سلاح، ولا عقيدة قتاليّة، ولا خطّة عمليّاتيّة، يمكن أن تعوّض عن عنصرٍ بشريٍّ منهك ومهدّد اجتماعيًا.
إن الضغط المالي المستمر يولّد حالة إنهاكٍ مزمن لا تظهر فورًا في الأداء، لكنّها تتراكم ببطء. فالإرهاق النفسي يؤثّر على القرار الميداني، وعلى ضبط النفس، وعلى القدرة على العمل تحت الضغط. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا العامل إلى نقطة ضعفٍ استراتيجيّة، لأن المؤسّسة تفقد قدرتها على العمل المتواصل في بيئة غير مستقرّة.
سادسًا: سياسة الدخل وغياب المقاربة الشاملة
من منظورٍ اقتصاديّ، لم تعتمد الدولة اللبنانيّة أي سياسة دخلٍ متماسكة منذ بداية الأزمة. فالزيادات التي أُقرّت للعسكريّين جاءت خارج إطارٍ إصلاحيٍّ شامل، ولم تُربط بمؤشّرات التضخّم، ولا بسعر الصرف، ولا بسلّة استهلاكٍ حقيقيّة.
في المقابل، وسّعت الدولة قاعدة الضرائب غير المباشرة، ورفعت تعرفات الكهرباء والمياه والاتصالات، ما نقل العبء المالي من الخزينة العامّة إلى أصحاب الدخل الثابت. وبهذا، تحوّل العسكري من متلقٍّ للحماية الاجتماعيّة إلى أحد ممولي العجز العام، من دون أي قدرة على التكيّف أو التعويض.
سابعًا: الموازنة ومنطق الاستنزاف
في موازنات ما بعد الانهيار، ولا سيّما موازنة عام 2026، يظهر بوضوح أنّ الدولة تتعامل مع الأجور بوصفها كلفة يجب ضبطها، لا استثمارًا في الاستقرار. فالزيادات الاسميّة لا تواكب الارتفاع الفعلي في النفقات، ولا تُحتسب في أساس الراتب، ولا تنعكس على المعاشات التقاعديّة.
هذا النهج يُنتج فجوة بنيويّة متفاقمة بين الدخل الحقيقي وكلفة المعيشة، ويُفقد الأجر وظيفته الأساسيّة، أي تأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار الاجتماعي للعسكري وعائلته.
ثامنًا: التقاعد والأمن الاجتماعي
التقاعد في المؤسّسات الأمنيّة ليس مرحلةً لاحقة محايدة، بل جزء لا يتجزّأ من منظومة الأمن الوطني. فالعسكري الذي يدرك أنّ مستقبله الاجتماعي مهدّد، يفقد الحافز على الالتزام الطويل الأمد، وتتآكل علاقته بالمؤسّسة.
إن ربط المعاشات التقاعديّة برواتب منهارة يخلق أزمة مؤجّلة، ستنفجر اجتماعيًا في مرحلة لاحقة. وينعكس هذا الواقع مباشرةً على بنية المؤسّسة: ضعف الاستقطاب، خروج مبكّر للكفاءات، خسارة الخبرات، وتآكل الذاكرة المؤسّسيّة.
تاسعًا: الإصلاح بوصفه خيارًا سياديًا
إن تصحيح رواتب القوى الأمنيّة يجب أن يُقارب باعتباره خيارًا سياديًا، لا مطلبًا فئويًا أو ظرفيًا. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الأجر كأداةٍ من أدوات الأمن، وربط السياسة الماليّة بالعقيدة الأمنيّة للدولة.
ويقتضي ذلك إعادة هيكلة سلّم الرواتب على أسس واقعيّة، وربط الأجور والمعاشات بمؤشّرات التضخّم، وحماية التقديمات الصحيّة والتقاعديّة، وتوزيع العبء المالي بعدالة. أمّا القطاع العام المدني، فيُدرج ضمن هذه الرؤية من زاوية العدالة الاجتماعيّة، مع الحفاظ على خصوصيّة الوظيفة الأمنيّة.
خاتمة
تكشف أزمة رواتب القوى الأمنيّة في لبنان خللًا عميقًا في مفهوم الدولة ووظيفتها. فالأمن لا يُدار بالخطاب، ولا يُصان بالتضحيات الفرديّة وحدها، بل بسياسات عامّة تحمي من يحمون الدولة.
ومن دون إعادة الاعتبار للأمن الاجتماعي للعسكريّين، يبقى الأمن الوطني هشًّا، وتبقى الدولة في حالة استنزافٍ دائم، مهما بدا الاستقرار قائمًا في الظاهر.
“محكمة” – الجمعة في 2026/1/30



