مقالات

تعاون أم تآمر على السلطة القضائيّة؟!/جهاد اسماعيل

الدكتور جهاد اسماعيل*:
إثر الملاحقة القضائية للمخالفات القانونية التي يقع فيها القطاع المصرفي، تداعى مجلس الوزراء، خلال الأسبوع الفائت، في جلسة استثنائية من أجل مراقبة وتقييد مهام القضاة، وسط تهديد رئيسه بالإقالة والإستقالة، إنْ بقيت الأمور على حالها، ضاربًا حقوق المودعين، وتاليًا القواعد الدستورية، في عرض الحائط، وذلك عندما يصّر على التدخّل في عمل القضاء، وتبريره بحجّة “التعاون بين السلطات”، ما يخالف، في رأينا، المنطق الدستوري بأبسط صوره ودلالاته، من خلال النقاط التاليّة:
أوًلّا: تنصّ المادة 20 من الدستور على أنّ: “السلطة القضائية تتولّاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينصّ عليه القانون … والقضاة مستقلّون في إجراء وظيفتهم”.
تستشفّ من هذه المادة مسألتان:
المسألة الأولى: المشرّع الدستوري وضع قيدًا وحيدًا لاختصاص أو عمل القضاة وهو نصّ القانون الذي ينهض في الواقعة المثارة أمام النيابة العامة الاستئنافية، عبر شقّين:
الشقّ الأوّل: نصّ المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بشأن صلاحية النيابة العامة الاستئنافية في استقصاء الجرائم وملاحقة مرتكبيها، وبالتالي تحريك دعوى الحقّ العام.
الشقّ الثاني: عقاب المشرّع المصرفي، بالسجن من شهر إلى ثلاثة أشهر، كلّ مصرف لم يتقيّد بأحكام المادتين 164 و 165 من قانون النقد والتسليف، والخاصتين بلزوم الاستحصال المسبق من المدين الراهن حال تقييد القيم المرهونة لديه بأيّ موجب أو استلاف أموال عليها، وتدرّج بالعقوبة أكثر فأكثر عند احتجاز وتبديد ودائع المودعين، علاوةً على سريان أحكام قانون الموجبات والعقود على واقعة إساءة استخدام الوديعة.
كما عاقب المشرّع، عملًا بقانون مكافحة تبييض الأموال، في المادة 3، كلّ من أقدم أو تدخّل أو اشترك بعمليات تبييض أموال بالحبس من ثلاثة سنوات إلى سبع سنوات وبغرامة لا تقلّ عن عشرين مليون، فضلًا عن الجزاءات المقرّرة في المادة 210 و 211 من قانون العقوبات لناحية مسؤولية الهيئة المعنوية، وهو ما ينطبق على عناصر جريمة رجاء ورياض سلامة، جرّاء الادعاء عليهما من قبل القاضي غادة عون.
المسألة الثانية: تأكيد الفقرة الثالثة من المادة 20 من الدستور على استقلال القضاء في إجراء القضاة وظيفتهم، وهو حقّ دستوري لا يجوز تجاوزه، ويستلزم من سائر السلطات، تنفيذية وتشريعية، إحترامه لا تقويضه، ما دام القضاة، في المسألة المطروحة، يلتزمون أحكام القانون.
ثانيًا: إنّ مبدأ التعاون بين السلطات، وهو مبدأ دستوري ينبثق عن مبدأ فصل السلطات السلطات، يجد أساسه في العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية لجهة حقّ مجلس الوزراء في إعداد مشاريع القوانين، وحضور الوزراء جلسات مجلس النوّاب، أو لجهة الجمع بين النيابة والوزارة وفق المادة 28 من الدستور، بالإضافة إلى إمكانية كلّ من السلطتين في محاسبة الأخرى، سواء في حقّ الحكومة، ولو بشروط تعجيزيّة، في حلّ البرلمان، أو في حقّ مجلس النوّاب في مساءلة الحكومة ونزع الثقة عنها، كما يظهر جليًّا في مواد الدستور اللبناني( 55، 64، 66…) تطبيقًا لمبدأ الفصل المرن بين السلطتين في النظام البرلماني، ما يعني، نظريًا، استحالة افتراض قيام تعاون يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك بإحلال سلطة محلّ السلطة الأخرى، وفق ما يراه الفقيه المؤسّس لنظريّة فصل السلطات “مونتسيكيو”، فكلّ سلطة يجب أن تقف عند حدودها من دون أن تتجاوز السلطة الأخرى، وبالتالي إنّ مراقبة كلّ سلطة للأخرى من أجل رسم الحدود بينهما يفرضها النصّ الدستوري لا السلطات نفسها، سيّما أنّ مواد الدستور اللبناني جاءت خالية من أيّ نصّ يبيّن مقتضى وحدود التعاون بين السلطة القضائية والتنفيذية، على خلاف النصوص الناظمة للتعاون، ولو ضمنيًا، بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كما أسلفنا الذكر، ما يناقض، جملةً وتفصيلًا، توصيف حكومة “ميقاتي” بشأن فرضية التدخّل في مهام القضاء تطبيقًا لنظرية “التعاون”، وهي أصلًا، غير مرسومة في متن مواد الدستور، ما خلا الفقرة (ه) من مقدّمة الدستور التي تتحدّث عن أنّ :”النظام قائم على فصل السلطات وتعاونها وتوازنها”، حيث جاءت في غاية العمومية أو الشمولية، في حين أنّ مواده لم تتطرّق إلّا لآليات التعاون بين الحكومة ومجلس النوّاب، فلو أراد المشرّع الدستوري ذلك لنصّ على ذلك صراحةً، بمعزل عن مدى صوابية أحكام قانون التنظيم القضائي على صعيد التشكيلات والضمانات القضائية.
ثالثًا: إنّ الغاية من السلطات، أساسًا، هو فرض احترام القانون أو الشرعية الحقوقية، وتلبية احتياجات المواطنين استطرادًا، وربّما، تأمينًا لمقتضيات هذه الغاية، يصحّ، بل يجب، التعاون بين السلطات، ما يعني أنّ حدود أو شرعية التعاون تتطلّبها حماية واجبات وحقوق السلطة والأفراد في آن معًا، وهذا ما لا يمكن إسقاطه على مقاربة “نجيب ميقاتي” في تحديد وظيفة وماهية التعاون بين السلطات، لأنّه يريد من سلطة “الحكومة” أن تطغى على سلطة قضاة أرادوا الشرعية الحقوقية في وجه الممارسات التعسفيّة بحقّ المواطنين.
وعليه، لا يجوز أن تطغى الإعتبارات السياسية والمصرفية على الحقوقية، ويتمّ تبعيًا، استثمار “مبادئ دستورية” في المكان غير السليم، على اعتبار أنّ مهمّة التعاون بين القضاء والحكومة تُرسم في مندرجات المصلحة العليا دون سواها، حمايةً للأفراد وحقوقهم قبل كلّ شيء، فهل يصّح أن يترّبع “التعاون المزعوم” على إبادة ما تبقّى من حقوق للناس بصورة أصليّة، وفي التآمر على القضاء بصورة تبعيّة؟!
* كاتب وباحث في القانون الدستوري.
“محكمة” – الخميس في 2022/3/24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!