جلال علامة.. أكثر من كاتب بالعدل/علي الموسوي
المحامي المتدرّج علي الموسوي:
ما من أحد سكن الغبيري والشيّاح وبقيّة مناطق ساحل المتن الجنوبي في جبل لبنان وصولًا إلى العاصمة بيروت، إلّا وسمع بالكاتب بالعدل الأستاذ جلال زكريا علامة، ووقف على نباهته وشهامته ومناقبيته ورصانته وأصالته ودماثة أخلاقه، وشهد بها، وأسرع ليطرق باب مكتبه أو باب منزله ليس لإنجاز معاملة، أو لإجراء وكالة، أو تنظيم عقد، أو إتمام سند، أو مصادقة محضر وحسب، بل للإستفادة من خبرته العريقة في عالم القانون واستشارته في مسألة عالقة هنا أو هناك، وفي هذه الدائرة الحكومية أو تلك، وفي هذه المحكمة أو تلك، لعلّه يكسب توجيهًا ينفعه ويوصله إلى مبتغاه بأفضل الطرق وأيسرها وأحسنها في تخطّ واضح وصريح لأيّ مفاجأة غير منتظرة لا تسرّ الخاطر ولا تبهج البال.
ولم يكن “أبو يوسف” يتردّد للحظة واحدة في استجابة طلب سائله مهما كان اسمه وجنسه ولبسه وكسمه، لما فيه خير المصلحة العامة والخاصة، وأكثر من ذلك كان الأستاذ جلال علامة وبما يملك من حنكة وحكمة، يبسّط له الأمور بشكل دقيق ولمّاح ويوضحها مع ابتسامة عريضة تؤكّد رحابة صدره وتواضعه الجمّ، وتنمّ عن حبّه الكبير لكلّ الناس من كلّ الأطياف والطوائف والمذاهب والأجناس والجنسيات، والذين بادلوه هذه المحبّة الكبيرة بأحسن منها، وخير دليل على ذلك تشييعه المهيب إلى مثواه الأخير للإلتحاق بالأولياء الصالحين، حيث غصّت الطرقات المؤدّية إلى جبّانة الطيونة الفاصلة بين بيروت وضاحيتها الجنوبية، بالمعزّين الآتين من كلّ حدب وصوب، ومن كلّ جهة وطريق، ومن مناطق لبنانية مختلفة.
ومردّ التوجّه إلى الأستاذ جلال علامة للوقوف على رأيه ومشورته في المسائل القانونية في الدرجة الأولى، يعود إلى سعة علمه وذكائه الوقّاد، والثقة الكبيرة به وبعلمه وفهمه، والإطمئنان إلى نزاهته وشفافيته وجدّيته في العمل، وهذا كان نادر الحصول والتحقّق ولا سيّما إبّان الحرب والأزمات، وهو كان بالفعل، محترفًا ومتمرّسًا وصادقًا في تعامله، وقد أفنى عمره الطويل الذي بلغ التسعين عامًا (1936-2026) في خدمة الناس إيمانًا منه بأنّ هذا الواجب العامر بالدفء والحبّ والعطاء، نعمةٌ من الله تضاف إلى ميزان أعماله في زرع الخير أينما كان. ويا هناء من جعلَهُ الله قادرًا على خدمة الناس من دون ملل أو تذمّر، أو تأفّف، أو استرخاء، أو عصبية.
ومنذ الصغر كنت أسمع بالأستاذ جلال علامة وحضوره البهي في قلوب كلّ الناس من دون استثناء، نتيجة صدقه الآسر وسمعته الطيّبة وعطاءاته التي لا تفرّق بين هذا وذاك من بني البشر.
كنت أسمع باسم الأستاذ جلال علامة في منزل أهلي، وقد جمعته صداقة قويّة بوالدي المرحوم يوسف الموسوي. وفي الحيّ السكني، وفي منطقة الشيّاح/الغبيري برمّتها، فما من كاتب بالعدل أفضل منه في صون الأمانات وحفظ الأسرار والعِشْرة والتخفيف عن كاهل المواطن الموجوع من خساراته الكثيرة في وطن مشبع بالمشاكل والآهات والصرخات. ولم يفرّط خلال الحرب اللبنانية بسجّلات مكتبه الكائن في محلّة الطيونة التي كانت تصنّف منطقة خطرة أمنيًا، فاحتضنها ونقلها إلى مكان آمن، كما حافظ على الأموال المودعة في دائرته على سبيل الأمانة.
وعندما كان الواحد من المواطنين أو المحامين أو السياسيين، يدخل إلى مكتب الأستاذ جلال علامة لاقتناص فرصة الظفر بجواب قانوني مدروس، كان يُؤخذ فورًا بهدوئه الراقي وإنصاته الحَسَن، وحديثه الجميل وجوابه الشافي الذي يكون كالعادة، مشفوعًا بابتسامته المعهودة التي تدلّ على تواضع وإباء لا يُلْمَسان إلّا عند الكبار الكبار من ذوي العلم والعلماء.
ولم يكن غريبًا على الإطلاق، كلّ هذا الجمال الإنساني المتجسّد في الأستاذ جلال علامة، فهو إبن بيت علم وكرم ووفاء،
فجدّه هو القاضي مصطفى علامة الذي كان رئيس محكمة صلح كسروان في العهد العثماني، ويوجد شارع باسمه في محلّة الطيونة،
وعمّه هو القاضي راغب بك مصطفى علامة (1891-1961) الذي عمل قاضيًا في عهد المحاكم المختلطة وترأس محكمة بعلبك البدائية ودائرة أجراء بيروت وشغل مركز مدعي عام في صور وبعلبك ومستشار في محكمة الاستئناف لغاية تقاعده في العام تشرين الثاني 1939، وترأس رابطة آل علامة الخيرية الاجتماعية عند إنشائها في العام 1955،
وعمّه الآخر هو توفيق أفندي مصطفى علامة أوّل كاتب بالعدل في تاريخ لبنان منذ العهد العثماني ومرورًا بالإنتداب الفرنسي، وهو أيضًا بحسب المرسوم رقم /1680/ تاريخ 9 نيسان 1935، أحد واضعي قانون نظام الكتّاب العدل والرسوم التي يستوفونها،
ووالده هو زكريا علامة الذي أورثه كتابة العدل عند تقاعده في العام 1969، فشغلها بدوره، بأحلى صورها لغاية تقاعده في العام 2000، وقدّمها لنجله الأستاذ يوسف علامة الطموح دومًا والسائر على درب الخيّرين من أهله في خدمة الناس.
وشقيقه هو الدكتور فخري زكريا علامة مؤسّس مستشفى الساحل في الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت في العام 1983.
وبرع جلال علامة في الرياضة أيضًا وتحديدًا في لعبة كرة القدم الأولى عالميًا، وأسّس مع أبناء جيله ومحيطه الإجتماعي فريق “الشبيبة الطيونة”، ثمّ أنيطت به مسؤولية رئاسة نادي التضامن بيروت، قبل أن ينتقل إلى نادي شباب الساحل حيث استلم منصب الأمين العام في العام 1992 واستطاع أن يقوده إلى الفوز بلقب “كأس لبنان” للمرّة الأولى في تاريخه.
لقد أحبّت منطقة الغبيري إبنها جلال علامة وبادلته الوفاء وانتخبت نجله الأستاذ يوسف علامة في شهر أيّار من العام 2025، عضوًا في مجلس بلديتها وبرصيد كبير من الأصوات.
لا ينتهي الحديث عن مآثر جلال علامة في كلمات، فهو كان عن حقّ وبكلّ جدارة، أكثر من كاتب بالعدل.
“محكمة” – الأحد في 2026/1/25



