مقالات

حدود لبنان البحرية شأن سيادي يخرج عن صلاحية رئيسي الجمهورية والحكومة والحلّ بتمديد خطّ الهدنة بحراً!/محمّد مغربي

المحامي الدكتور محمّد مغربي:
تتداول وسائل الاعلام أخباراً غير أكيدة عن اتفاق وشيك الحصول بين لبنان و”اسرائيل” في شأن ترسيم الحدود البحرية بينهما. ولما كانت حدود البلاد البرية والبحرية شأناً سيادياً يخضع للدستور والقانون الدولي ولا سلطة لرئيسي الجمهورية والحكومة للبتّ به منفردين، كان لا بدّ من إبداء الملاحظات القانونية التالية:
1 – جاء في مطلع مقدّمة الدستور التأكيد على حقّ لبنان في إقليمه ضمن حدوده المنصوص عنها في الدستور والمعترف بها دولياً. ونصّت المادة الأولى من الدستور على أنّ لبنان دولة مستقلة لا تتجزأ وسيادة تامة.
2 – لكنّ البيان في الدستور عن حدود لبنان اقتصر على المجال البري وأغفل تماماً وصف الحدود البحرية. وما يملأ هذا الفراغ هو القانون الدولي وأحكامه هي الواجبة التطبيق بواسطة مجلس النوّاب كما هو مبيّن أدناه.
3 – فإنّ من القواعد الراسخة في القانون الدولي ان سيادة الدولة تمتد من البرّ الوطني الى بحره الملاصق وتشمل ما يسمّى المياه الإقليمية.
4 – وأكّد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 تاريخ 14 كانون الأوّل 1962 وجود السيادة الدائمة لكلّ دولة على مواردها الطبيعية ممّا يشمل اقليمها البري والبحري.
5 – وقنّنت اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار التي تمّ وضعها في العام 1982 وأبرمها لبنان في العام 1994 (مع 150 دولة أخرى دون الولايات المتحدة و”إسرائيل”) أحكام القانون الدولي السائدة قبلاً وأضافت إليها على النحو التالي.
6 – فقد نصّت المادة 2 منها على أنّ سيادة الدولة تمتد خارج إقليمها البرّي ومياهها الداخلية وتشمل حيّزاً بحرياً ملاصقاً لساحلها يسمّى البحر الاقليمي بمسافة 12 ميلاً بحرياً ممّا يعادل 22 كلم.
7 – أمّا المادة 56 منها فإنّها تعترف للدولة بحقوق سيادية على المنطقة الاقتصادية الخالصة والحصرية لها التي تمتد مقدار 200 ميل بحري عن خطّ شاطئها المستقيم ممّا يعادل 366،66 كلم.
8 – لم يتمّ إبرام الاتفاقية المذكورة من جانب الولايات المتحدة الامريكية ولا تتضمن قائمة اسماء الموقعين عليها اسم “اسرائيل”.
9 – ولا تستند “المفاوضات” التي يقودها زعماً، مندوب أمريكي (مزدوج الجنسية) برعاية أمريكية رسمية إلى أحكام اتفاقية الامم المتحدة المنوّه عنها.
10 – وإنّ المزاعم المتداولة عن تحديد حدود بحرية للبنان نتيجة “للمفاوضات” المذكورة هي دون أيّ أساس في الحقيقة والقانون، بل تمسّ بالسيادة الوطنية.
11 – فإنّ العلاقة الوحيدة القائمة مباشرة بين لبنان والدولة “الاسرائيلية” تقوم على اتفاقية الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949 بين “الحكومة الاسرائيلية” ممثّلة بالمقدّم مردخاي ماكليف والحكومة اللبنانية ممثّلة بالمقدّم توفيق سالم والرائد جورج حرب التي لم يتمّ إبرامها أبداً لأنّها نصّت على عدم الخضوع لشرط الابرام!
12 – وإنّ الخط الوحيد الذي نصت عليه يسمّى: خطّ الهدنة.
13 – وإنّ الهدف المعلن لهذه الاتفاقية كما نصّت عليه مقدّمتها بكلّ وضوح هو تسهيل الانتقال إلى سلام دائم في فلسطين.
14 – وجاء في البند الرابع من مادتها الأولى أنّ إقامة الهدنة هي خطوة لا بدّ منها في سبيل إعادة السلم إلى فلسطين.
15 – وجاء في المادة الثامنة منها أنّها تبقى نافذة حتّى الوصول إلى تسوية سلمية بين الفريقين.
16 – ونصّت المادة الثانية منها على أنه:
” لا يمكن بأيّ شكل من الاشكال لأيّ من بنود هذا الاتفاق أن يمسّ حقوق أيّ من الفريقين أو مطالبة أو موافقة في التسوية السلمية النهائية لقضيّة فلسطين. إذ إنّ أحكام هذا الاتفاق مبنية على الاعتبارات العسكرية وحدها”.
17 – لكنّه ليس هناك بعدُ، من سلام دائم في فلسطين. ولا يمكن إعادة للسلام إليها دون تلبية الحقوق المشروعة وغير القابلة للتفريط للشعب الفلسطيني العربي. وهذا هو الموقف الرسمي اللبناني.
18 – وبالعودة إلى الدستور اللبناني، فإنّ الصلاحيات الممنوحة في المادة 51 منه إلى رئيس الجمهورية للمفاوضة في عقد المعاهدات الدولة وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة لا تشمل ولا يمكن أن تشمل أبداً الأمور السيادية التي نصّ عليها مطلع مقدّمة الدستور والمادة الأولى منه والأحكام الصريحة للقانون الدولي.
19 – فإنّ السيادة اللبنانية غير قابلة للتحديد أو للتجزئة أو للتفريط بقرار مشترك من رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
20 – ولا يمكن إجراء أي اتفاق مع دولة “إسرائيل” خارج إطار اتفاقية الهدنة إلّا بعد تحقّق شرط اعادة السلم الدائم الى فلسطين وتحقّق الموقف الرسمي اللبناني من القضية الفلسطينية.
21 – ولا يمكن التحايل على الدستور والقانون الدولي عن طريق “المفاوض” الأمريكي ـ الاسرائيلي الذي يحظى برعاية دولة الولايات المتحدة الامريكية التي أعلن رئيسها حديثاً جدّاً وبكلّ فخر كم هو صهيوني عريق. وفي هذه “المفاوضات” فإنّ “إسرائيل” تفاوض “اسرائيل”.
22 – وإنه من الأشرف للبنان أن يفاوض اسرائيل مباشرة، ودون وساطة أحد في إطار الهيئة الدولية التي تشرف على تطبيق اتفاقية الهدنة، على مدّ خطّ الهدنة بحراً إلى غاية انتهاء امتداد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وذلك بصورة مؤقّتة. ولا يكون الانتقال من هذا الوضع المؤقّت إلى وضع دائم إلّا بشرطإاعادة السلم الدائم إلى فلسطين وفقاً لموقف الحكومة اللبنانية المعلن كما نصّت عليه اتفاقية الهدنة.
23 – أيّ أنّ تمديد خطّ الهدنة بحراً يجب أن يكون مؤقّتاً مع الخضوع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بأكملها بما في ذلك الأحكام المتعلّقة بحلّ النزاعات. فيمارس لبنان سيادته بصورة كاملة وبكلّ حرّية شمالي خطّ الهدنة.
24 – ولا يمكن لكلّ ذلك أن يتمّ إلّا بموجب ملحق خاص وموجز لاتفاقية الهدنة يُعرض على مجلس النوّاب للتصديق عليه بالأغلبية اللازمة لتعديل الدستور التي نصّت عليها المادة 77 منه.
“محكمة” – السبت في 2022/8/6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!