أبحاث ودراسات
حقوق الأسرى الفلسطينيين بين القانون الدولي العام وإرهاب التشريع الإسرائيلي/كلير فخر الدين
الدكتورة كلير خطار فخر الدين:
تُعدّ مسألة مشروعية إعدام الأسرى من أخطر الإشكاليات التي تواجه النظام القانوني الدولي، لما تنطوي عليه من مساس مباشر بجوهر القواعد الآمرة التي تحمي الكائن البشري أثناء النزاعات المسلحة، إذ لا يشكّل حق الأسير في الحياة امتيازًا أو منّة من الدولة الأسِرة، بل هو التزام دولي مطلق نابع من الطبيعة الآمرة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف.
ظهرت في السنوات الأخيرة توجهات تشريعية تحاول تبرير الإعدام في ظروف الحرب والاحتلال، كان أبرزها مشروع القانون الإسرائيلي الخاص بإعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الكيان الاسرائيلي وخارجه، نظرًا لاصطدامه الصريح بقواعد القانون الدولي العام وقانون حقوق الإنسان.
يهدف هذا المقال إلى تحليل مدى مشروعية تشريع يبيح إعدام الأسرى، من خلال دراسة القواعد القانونية الدولية ذات الصلة، ثم تقييم الحالة العملية الأبرز أي مشروع القانون الإسرائيلي لإعدام الأسرى الفلسطينيين، وصولًا إلى تحديد المسؤولية القانونية للدولة والممارسين، واستعراض الموقف الدولي الحقوقي والموقف المهني — بما في ذلك رفض نقابة الأطباء الإسرائيلية المشاركة فيه — باعتباره عنصرًا قانونيًا إضافيًا يعكس عدم قابلية هذا التشريع للتطبيق.
أولًا: الإطار القانوني الدولي لحماية حياة الأسرى
•تُعدّ حماية حياة الأسير من أكثر المبادئ استقرارًا في القانون الدولي الإنساني ، فقد كرّست اتفاقية جنيف الثالثة (1949) هذا المبدأ في المادة 13 التي تنص على وجوب معاملة الأسرى معاملة إنسانية في جميع الأوقات، والمادة 130 التي تُعدّ القتل العمد للأسرى “انتهاكًا جسيمًا” يرتّب مسؤولية دولية وجنائية.
•تأخذ هذه الحماية طابعًا آمِرًا (Jus Cogens) بموجب المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) التي تقضي بأن أي قاعدة تخالف قاعدة آمرة تعدّ باطلة بطلانًا مطلقًا.
•يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، خاصة في المادة 6 منه، على أن الحق في الحياة هو حق أصيل غير قابل للتقييد حتى في حالات الطوارئ.
•في قضية Barcelona Traction (1970)، رأت محكمة العدل الدولية أن حماية الحقوق الأساسية، ومنها الحق في الحياة، تشكّل “التزامات تجاه المجتمع الدولي بأسره” (Obligations Erga Omnes)، ما يرسّخ طبيعة التزام الدولة تجاه هذه الحقوق.
ثانيًا: بطلان التشريعات الوطنية المخالفة للقانون الدولي
•لا يجوز لأي دولة أن تحتجّ بقانونها الداخلي لتبرير انتهاك التزاماتها الدولية، وفق المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
•يعتبر أي تشريع يبيح إعدام الأسرى مخالفًا للالتزامات الديبلوماسية والقانونية الدولية، اذ لا يمكن للدول خفض مستوى الحماية المكفولة بموجب اتفاقيات جنيف أو حقوق الإنسان الدولية.
•قد يحاسب الافراد القائمون على تنفيذ مثل هذا التشريع (قضاة، جلاّدون، مسؤولون أمنيون) بموجب القانون الدولي الجنائي، خاصة وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، لأن القتل العمد للأسرى يُعد جريمة حرب.
ثالثًا: مشروع القانون الإسرائيلي بشأن إعدام الأسرى الفلسطينيين
•في تشرين الثاني 2025، أقرّ الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يسمح بإعدام أسرى فلسطينيين مدانين بقتل إسرائيليين عمدًا أو بدوافع “عدائية” أو عنصرية.
•من وجهة نظر دولية، ينتهك هذا المشروع التزامات الكيان الاسرائيلي على عدة مستويات:
1.اتفاقية جنيف الثالثة (1949) بخصوص معاملة الأسرى، ومنع أي تهديد لحياتهم، كما في المادة 13، واعتبار القتل العمد انتهاكًا جسيمًا (المادة 130).
2.العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) – الحق في الحياة، كما في المادة 6.
3.نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) – القتل العمد للأسرى كجريمة حرب، في المادة 8(2)(أ)(6).
4.مبدأ عدم التمييز – يستهدف القانون فئة محددة (أسرى فلسطينيون) ما قد يرقى إلى التمييز العنصري، بما يخالف المبادئ الدولية لحقوق الإنسان.
5.مبدأ الشرعية والعدالة الجنائية – يبدو التشريع منفّذًا بدافع انتقامي سياسي أكثر من كونه وسيلة عدالة، مما يضعف شرعيته القانونية.
•تشير تقارير حقوقية إلى أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تنظر في قضايا الأسرى الفلسطينيين تحقق معدلات إدانة مرتفعة جدًا (بما قد يصل إلى أكثر من 99%)، ما يُثير تساؤلات حول مدى توافر معايير المحاكمة العادلة.
رابعًا: الموقف الحقوقي الدولي من مشروع الإعدام
•أصدرت منظمة العفو الدولية (Amnesty International) بيانًا حذّرت فيه من أن سياسة إسرائيل تجاه الأسرى تكشف عن “نمط من القسوة المنهجيّة” وانتهاك للحق في الحياة والمعاملة الإنسانية.
•رفضت جمعية الحقوق المدنية في الكيان الاسرائيلي (ACRI) التشريع بوصفه معيبًا من الناحية الأخلاقية ويقوّض التزامات الكيان الدولية.
•اعتبرت اللجنة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (ICSPR) القانون المُقترح “جريمة حرب مكتملة التكوين” وتوجهت بنداء إلى المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات قانونية فورية.
•دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ( Euro-Med Monitor) إلى تحقيق دولي، معبرًا عن قلقه من أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية قد لا توفر ضمانات العدالة، ما يجعل تنفيذ عقوبة الإعدام في مثل هذا الإطار أشبه بالإعدام التعسفي.
خامسًا: موقف نقابة الأطباء الإسرائيليين
•أبدت نقابة الأطباء الإسرائيليين رفضًا صريحًا لأي دور طبي في تنفيذ حكم الإعدام على الأسرى خلال مناقشة مشروع القانون في لجنة الأمن القومي بالكنيست، فقد صرح ممثل النقابة بأن مهمة الطبيب هي حماية الحياة، وليس المشاركة في إزهاقها، وهو ما أثار جدلًا داخل الجلسة وأدى إلى طرده بعد اعتراضه على أي دور عقابي طبي.
•يرتكز هذا الموقف على مواثيق أخلاقية دولية مهنية، أبرزها:
1.إعلان طوكيو (WMA) الذي ينص على حظر مشاركة الأطباء في المعاملة القاسية أو التعذيب، وكذلك حظر حضورهم أثناء إجراءات عقابية أو الاستخدام الطبي للمعرفة لتسهيل العقاب. يشدّد الإعلان على استقلالية الطبيب في اتخاذ قراراته الطبية دون تدخل سياسي أو أمني.
2.مبادئ القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية الطواقم الطبية، والتي تؤكد أن طبيعة عمل الطاقم الطبي في النزاعات هي مساعدة ورعاية الجرحى والأسرى، وليس أن يكون جزءًا من آلية تنفيذ عقوبات الإعدام.
•يُظهر هذا الرفض أن جزءًا مؤسسيًا داخل الكيان الإسرائيلي يرى أن مشروع القانون يخرق ليس فقط الالتزامات الدولية، بل أيضًا مبادئ المهنة الطبية التي تشكل جزءًا من القانون الأخلاقي الدولي. وبالتالي، فإن رفض نقابة الأطباء، من وجهة نظر قانونية، يعزّز المطالب الدولية بعدم مشروعية التشريع.
•يُظهر التحليل القانوني أن سنّ تشريع يبيح إعدام الأسرى يتعارض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات حقوق الإنسان.
•إن مشروع القانون الإسرائيلي الخاص بإعدام الأسرى الفلسطينيين ليس فقط خرقًا للالتزامات دولية، بل أيضًا تهديدًا لمبادئ العدالة الجنائية، ويمثّل تحوّلًا نحو استخدام التشريع كأداة للانتقام السياسي.
•إن رفض نقابة الأطباء الإسرائيليين المشاركة في تنفيذ الإعدام يقدّم دليلًا قويًا على أن بعض المؤسسات داخل الكيان الاسرائيلي نفسه تعتقد أن هذا التشريع يخرق المبادئ الأخلاقية والمهنية، ويعكس رفضًا لربط المهنة الطبية بالعقاب القاتل.
•تبدو المساءلة الدولية من خلال تفعيل آليات مثل المحكمة الجنائية الدولية أو آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان ، ضرورية للحيلولة دون تحويل القانون إلى أداة قانونية لقتل الأسرى، وضمان أن حقوق هؤلاء تحترم بالكامل.
لائحة المراجع :
1.Geneva Convention (III) Relative to the Treatment of Prisoners of War, 12 August 1949, art. 13, 130.
2.International Covenant on Civil and Political Rights, 16 December 1966, art. 6.
3.Vienna Convention on the Law of Treaties, 23 May 1969, art. 27, 53.
4.Rome Statute of the International Criminal Court, 17 July 1998, art. 8(2)(a)(6).
5.Barcelona Traction, Light and Power Company, Limited (Belgium v. Spain), ICJ Reports, 1970.
6.“Israeli Prime Minister Backs Bill to Execute Palestinian Prisoners,” Anadolu Agency (https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israeli-prime-minister-backs-bill-to-execute-palestinian-prisoners-says-official/3733848).
7.“The Death Penalty Is Immoral Even for Terrorists,” Association for Civil Rights in Israel (https://www.english.acri.org.il/post/the-death-penalty-is-immoral-even-for-terrorists).
8.“Israel/OPT: Death of Khader Adnan Highlights Israel’s Cruel Treatment of Palestinian Prisoners,” Amnesty International (https://www.amnesty.org/en/latest/news/2023/05/israel-opt-death-of-khader-adnan-highlights-israels-cruel-treatment-of-palestinian-prisoners).
9.“Calls Grow to Press on Israel to Prevent Controversial Death Penalty,” Euro-Mediterranean Human Rights Monitor, Anadolu Agency (https://www.aa.com.tr/en/middle-east/calls-grow-to-press-on-israel-to-prevent-controversial-death-penalty/2835349).
10.“ICSPR: Approval of the Palestinian Prisoners’ Death Penalty Law Constitutes a New War Crime,” International Commission to Support Palestinian Rights (https://en.icspr.ps/icspr-approval-of-the-palestinian-prisoners-death-penalty-law-constitutes-a-new-war-crime-revealing-the-fascist-nature-of-the-occupation-and-demanding-urgent-national-and-international-actio/6564/).
11.“Israeli Doctors’ Union Rejects Role in Executing Palestinian Prisoners,” Middle East Monitor (https://www.middleeastmonitor.com/20251120-israeli-doctors-union-rejects-role-in-executing-palestinian-prisoners).
12.“نقابة الأطباء ترفض المشاركة في الإعدام”، Bokra (https://bokra.net/Article-1582271).
13.“طرد ممثل نقابة الأطباء من الجلسة في الكنيست الإسرائيلي”، الجزيرة (https://www.aljazeera.net/news/2025/11/19/).
14.World Medical Association, “WMA Declaration of Tokyo – Guidelines for Physicians Concerning Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment,” WMA (https://www.wma.net/policies-post/wma-declaration-of-tokyo-guidelines-for-physicians-concerning-torture-and-other-cruel-inhuman-or-degrading-treatment-or-punishment-in-relation-to-detention-and-imprisonment).
15.“Declaration of Tokyo,” Global Health and Human Rights Database (https://www.globalhealthrights.org/instrument/declaration-of-tokyo-guidelines-for-physicians-concerning-torture-and-other-cruel-inhuman-or-degrading-treatment-or-punishment-in-relation-to-detention-and-imprisonment-revised-in-2006).
“محكمة” – الجمعة في 2025/11/21



