مقالات
حين يتوَّج الإنسان بنفسه/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقا):ً
ليست الملكية حالةً يُعطى فيها التاج، ولا وسامًا يُعلّق على الصدر، بل مقامٌ داخليّ تعلو به النفس عن صغائر الأمور، وتترفّع عن وحول التنافس والسجالات.
الحالة الملكيّة ليست حكرًا على الملوك، بل هي شأن نفسيّ وروحيّ، يُدرَك لا بالسلطة ولا بالجاه، بل بالتهذيب الراقي، وبالكرم الصامت، وبالطمأنينة التي لا تتزعزع أمام الصغائر.
صاحب النفس الملكية لا يرفع صوته، لأن الهدوء لغة الأقوياء. لا يُسرِف في الشكوى، لأن العظمة لا تُرهق نفسها بالنحيب. لا يُسارع إلى الانتقام، لأن الكرام لا يردّون الأذى بأذى، بل يترفعون، كأنهم يقطنون في مستوى أرقى من الخصومة.
إنه ذاك الذي يحسن الظن حتى في مواضع الشك، ويعفو حين يقدر، ويتأنّى حين تشتدّ العواصف. لا يُربكه التهويل، ولا يستفزّه الجدل. حين يدخل إلى مجلس تُفسح له القلوب قبل المقاعد. لأن الحضور لا يُفتعل، والهيبة لا تُصنَع، بل تنبع من رصانة الكلمة، وصدق النيّة، ونظافة السريرة.
هؤلاء هم الذين يشبهون الملوك، لا لأنهم اعتلوا عروشًا، بل لأنهم تجاوزوا أنفسهم، وتغلّبوا على الغرور، وصنعوا من دماثة أخلاقهم تيجانًا على رؤوسهم.
الملوكيّ في طبعه هو من ينصت أكثر مما يتكلّم، يبتسم أكثر مما يعبس، يقدّم أكثر مما يأخذ. لا ترى عليه أثرًا للفظاظة، ولا في لسانه قسوة، وإن خالفك، خالفك بأدب.
في زمنٍ صار فيه الصراخ وسيلةً للظهور، والتنمّر ذكاءً اجتماعيًا، والنرجسية مهارةً للترويج، تبرز الحالة الملكية كحالة نادرة، كجمال لا يُصرَخ به، بل يُشمّ كعبير نقيّ، خفيفٍ، ثابتٍ، نبيل.
إننا لا نحتاج إلى ملوك يتوّجون على العروش، بل إلى أرواح ملكية تتربّع على الأخلاق.
نحتاج إلى نُبل يسبق الانفعال، إلى لياقة في السجال، إلى هيبة خالية من الاستعلاء.
نحتاج إلى أناسٍ ملكيين في سلوكهم، يجعلوننا نشعر أن الإنسان، حين يتهذّب، لا يُصبح أضعف… بل أسمى.
تسقط التيجان وتبقى رفعة النفس.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/11/18



