خيط فضّةٍ على طرفِ السماء/أنطونيو الهاشم
أنطونيو الهاشم(نقيب المحامين سابقًا):
من هاتين الصورتين بعدسة صديق الطفولة المرهف المهندس ماريو بو نجم استوحيت هذه الكلمات .


في البدء يكون القمرُ وعدًا لا صورة. شهوةَ نورٍ تُوشوش أطرافَ السماء ولا تجرؤ على الامتلاء. يولد هلالًا كابتسامةٍ على فم الليل، قوسًا فضّيًا رقيقًا كخيطِ ابيضّ رفيع مسكوبٍ فوق السواد. يُرى كأنه ومض سراجٍ بعيد، أو شفّةُ ضياءٍ تتدلّى من جبهة الأفق. هلالٌ خجولٌ، يختبئ في حضن الغيم، ويطلّ برهةً ثم يتوارى، كعاشقٍ يمرّ من بابٍ جانبيّ كي لا يفتضح قلبه.
ثم لا يلبث أن يشدَّ قامته. يصير قمرًا فَتيًّا، يزيد كلَّ ليلةٍ شيئًا من حضوره، فيغدو الضوءُ فيه أقلَّ ارتجافًا وأكثر يقينًا. يدخل مرحلة كمن يستوي على نصفِ اعتراف ، نصفُ وجهٍ ظاهر، نصفُ سرٍّ مؤجَّل. هناك، في لياليه يكون القمرُ معلَّقًا بين رغبتين ، رغبة أن يكتمل فتسكت الأسئلة، ورغبة أن يبقى ناقصًا كي لا تنتهي الحكاية. ضوؤه في هذه المرحلة ليس صاخبًا ، هو ضوءٌ مهذّب، لؤلؤيّ، يرسم الظلال على الجدران، ويجعلُ الأشياء أكثر رهافةً، كأن العتمة نفسها تتعلم الفن .
وبين ليلة واختها يشتدُّ سطوع الضوء فيه كنبضٍ يتسارع قبل اللقاء. هنا يكون النورُ أدفأ، أقرب إلى الفضّة التي صقلتها يدُ ماء، أو إلى البلّور حين يلتقطُ نَفَسَ البحر. ينسابُ ضياؤه على الطرقات كوشاحٍ شفاف يلمسُ أشجارَ الصفصاف فتبدو اوراقها قطعاً فضية متلألئة ويغمرُ الشرفاتِ فتتحوّلُ التفاصيلُ الصغيرة مشاهداً في مسرحٍ من سكون. في ليالي نصف القمر ، تتكاثرُ رسائلُ العيون ، يكثر السهر، وتطولُ الاعترافات، لأن القمر لا يزال يُخفي جزءًا منه. وهذا الجزءُ المخبىء يفتح شهيةَ الأسرار.
ثم يجيء البدر، اكتمالٌ لا يعتذر. عنده يصير القمرُ وجهًا أبلج، تاجًا على رأس الليل. هو ليس ضوءًا فقط، بل حضورٌ كاملٌ . كأن السماء علّقت مرآتها الكبرى لتتفقد ملامح الأرض. في ليلة البدر، يتسعُ كلُّ شيء، تتسعُ الطرقات، وتتسعُ الذاكرة، وتتسعُ الغصّاتُ والفرَح. ويغدو النورُ ناصعًا وضّاءً حتى تبدو الظلالُ كخطوطِ حبرٍ على ورقة. إنه القمرُ حين يصبح سِراجًا للقلوب، وحين تقتربُ الأحلام من بابِها الأخير. في هذا الاكتمال، تُشبه العاطفةُ ضوءه ، واضحةً، لا تتخفّى، ولا تخاف أن يراها أحد.
لكن للقمر نظام البحر، لا يثبت على حال. بعد البدر يبدأ الانحسار، كأن الامتلاء كان ذروةَ أغنيةٍ ثم أخذت تُعيد نفسها بصوتٍ أخفت. يتراجعُ الضوء ببطءٍ، ما زال كثيرَ الجمال، لكنه يلوّح بشيءٍ من الوداع. يخفُّ لمعانه، ويصبح أكثر هدوءًا، كمن عاد من احتفالٍ طويل ويجلس وحده يتأمّل ما جرى. هناك، في النقصان، يصير للقمر مسحةُ حزنٍ ليس حزنَ الفقد، بل أن كلّ اكتمالٍ مؤقت، وأن أجمل الأشياء لا تطيلُ البقاء .
في هذه الليالي يكون الضوء أرقّ، أقلَّ إلحاحًا، كأنه يعتذرُ للأشياء لأنه لن يقدر أن يضيئها كلّها. ومع ذلك، يظلّ القمرُ قادرًا أن يجعل وجهَ حبيبك أجمل في البعد، وأن يمنح كلمةً عاديةً ، موسيقى خفيّة. يتكلمُ الليلُ بصوتٍ أكثر قربًا من الداخل، وتبدو السماء كأنها تكتبُ تأملاتٍ على هامش الدنيا.
وقبل النهاية، يعود القمر إلى هلالٍ متعبٍ في آخر الليل، كرمشِ عينٍ ساهرة. يختزلُ نفسه إلى قوسٍ نحيل، ويترك للظلمة مساحةً أكبر، كأنه يسلّمها المسرح لتقول ما عندها. ثم يختفي القمرُ تمامًا، ويصير الغيابُ اسمًا من أسمائه. هو القمرُ حين يتحوّل إلى وعدٍ غير مرئيّ، وإلى نورٍ مؤجَّل. يعلّمنا القمر أن الغيابَ قد يكون شكلًا آخر للحضور، وأن الأشياء التي لا تُرى قد تكون أشدَّ رسوخًا في القلب.
وللقمر، عبر هذه المراحل الجميلة كلّها، تسمياتٌ كأنها قواميسُ عاطفة ويبقى في كلّ ذلك “قمر” .الاسمُ الذي لا يحتاجُ إلى شرح، لأن العالم كلّه تعلّم أن يرفع رأسه نحوه حين تضيقُ الأرض.
والأجمل أن القمر لا يصفُ نفسه. نحن الذين نصفه بما نحتاجه. مرّةً نراه أنيسَ الساهرين، ومرّةً شاهدَ العشّاق، ومرّةً قنديلَ السماء، ومرّةً مرآةَ الأحلام. نحن نعلّق عليه قلوبنا كما تعلّقُ السماء قرصه، ونستعير منه نظامه الهادئ كي نفهم فوضانا، لأن في الكون أشياء خُلقت كي تذكّرنا بأن الليل مهما طال، لا بدّ أن يجد له سراجًا، ولو كان خيطًا فضّيًا رقيقًا على طرف السماء، ليجعل للليلِ فخامةً لا يعرفها النهار.
“محكمة” – الأحد في 2026/2/22



