دام المجلس الدستوري حارسًا للشرعية/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
حضرة رئيس و أعضاء المجلسِ الدستوري المحترمين،
تحيّةً تليقُ بمقامِ القضاء حين يرتفعُ عن ضجيج السياسة، وبهيبةِ الدستور حين يجدُ من يحرسُه لا من يساومُ عليه.
إنّ قراركم الصادر بتاريخ 25 شباط 2026 لم يكن مجرّد حكمٍ بإبطال نصّ، بل كان إعلانًا قضائيًا عن كرامة الطريق المؤدّي إلى القانون ، أن لا قانونَ يُولدُ صحيحًا إذا اختصرَ الضمانات، ولا تشريعَ يكتسبُ الشرعية إذا تجاوزَ الأصول، ولا تنظيمَ للعدالة يجوز أن يتمّ على حسابِ العدالة نفسها.
لقد قلتم، بلسانِ الدستور لا بلسانِ الانفعال، إنّ استقلال القضاء ليس شعارًا يُرفع، بل نظامُ ضماناتٍ تُصان. وإنّ استطلاعَ رأي مجلس القضاء الأعلى، حيث يجب، ليس إجراءً تجميليًا ولا تواصلاً عابرًا، بل صيغةٌ جوهرية تُجسّد احترامَ السلطة القضائية كسلطة، لا كمرفقٍ تابع ، وإهمالُها ليس خطأً يمكنُ ترقيعه، بل عيبٌ يمسّ مشروعية النصّ من أساسه، فيستوجب الإبطال.
بهذا القرار، لم تحاكموا القانون وحده، بل حاكمتم المنهج الذي يُرادُ به أن تُصاغ القوانين الكبرى في البلاد: منهج “التمرير” بدل التدقيق، ومنهج “الاستعجال” بدل الاستيفاء، ومنهج “الهيمنة” على المؤسسات بدل الإنصات إليها. وأنتم، حين جعلتم من الشكل الدستوري شرطًا جوهريًا لا زينةً شكلية، ثبّتّم قاعدةً ثمينة ، الدولة لا تُبنى بنصوصٍ تُستعجل، بل بشرعيةٍ تُحترم.
وإنّ ما يزيدُ قراركم وزنًا هو أنّه يعيدُ الاعتبار إلى الفكرة التي كادت تُستنزف من كثرة الابتذال ، أن المجلس الدستوري ليس محطةً شكلية في آخر طريق التشريع، بل هو ميزانُ الدولة حين تختلّ موازينها. وأن الدستور هو سقفٌ لا يُقاس عليه، وحدٌّ لا يُتخطّى.
لذلك، تلقينا هذا القرار بوصفه درسًا في العلم الدستوري، بأن التشريع لا يُستخلص بالتأويل، بل يُثبت بالأصول،و بأن تنظيم القضاء لا يكون دون قضاء، وأن احترام العدالة يبدأ من احترام مؤسساتها وضماناتها.
فلكم منّا، ومن كلّ من ما زال يؤمن أن في لبنان قانونًا يستحقّ أن يُحترم، تحيّةٌ بحجم هذه الجرأة الهادئة ، حين يكتفى بأن يقال “هذا غير دستوري”، في بلدٍ اعتاد أن يُقال فيه لكلّ شيء: “بيمشي الحال”.
دمتم حُرّاسًا للشرعية… لا شهودًا عليها.
“محكمة” – الخميس في 2026/2/26



