أبحاث ودراسات

دور الشركات في حماية القاصرين من مخاطر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي/رودينة المهتار

المحامية رودينة المهتار:
ليست المبادرة الفرنسية الرامية إلى إقرار قانون يمنع أو يقيّد استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي الأولى من نوعها، إذ سبقتها في ذلك أستراليا(1) وهناك العديد من الدول الأخرى في صدد اقرار قوانين لتشديد الرقابة القانونية على وصول القاصرين إلى المنصات الرقمية، وذلك في إطار مقاربة وقائية تهدف إلى الحد من المخاطر المتزايدة التي يواجهها الأطفال في الفضاء الإلكتروني(2). كما كان للاتحاد الأوروبي دور أساسي في هذا المجال، حيث وضع إطار تنظيمي يقوم على تعزيز حماية القاصرين في البيئة الرقمية، من خلال تحميل المنصات الرقمية مسؤوليات قانونية متزايدة، وإلزامها باتخاذ تدابير وقائية خاصة بالأطفال. وذلك من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون الخدمات الرقمية  (Digital Services Act) حيث شددا على مبدأ حماية القاصرين باعتبارهم فئة ضعيفة تستوجب حماية دقيقة، سواء من حيث معالجة البيانات الشخصية أو من حيث التعرض للمخاطر المرتبطة بالمحتوى والخدمات الرقمية(3).
وتكمن الأسباب الموجبة لإقرار مثل هذه القوانين في تعدد المخاطر والتداعيات الناجمة عن الاستخدام المفرط وغير المنضبط لمواقع التواصل الاجتماعي من قبل من هم دون سن الخامسة عشرة. فقد أثبتت الدراسات العلمية تعرّض هذه الفئة إلى أشكال متعددة من التنمر الإلكتروني، والجرائم المعلوماتية، وعمليات الاحتيال والاستغلال، فضلاً عن المحتوى الصادم أو غير الملائم لأعمارهم، وانتشار التحديات الرقمية الخطيرة التي قد تهدد سلامتهم الجسدية والنفسية. كما لا يمكن إغفال التأثير السلبي لهذه المنصات على البناء النفسي والفكري للأطفال، ولا سيما من خلال آليات التأثير الخوارزمي، والإدمان الرقمي، وما ينتج عنه من سيطرة واستهداف لعقولهم في مراحل عمرية حساسة وقابلة للتأثر(4).
أمام هذا الواقع، تبرز الإشكالية القانونية التالية:
ما مدى مسؤولية الشركات عن حماية القاصرين من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي؟
إن الشركات التجارية، ولا سيما الشركات الرقمية العملاقة المنتشرة عبر مختلف دول العالم، وبفعل توسع أعمالها وطبيعتها العابرة للحدود، لم تعد تهتم فقط في تعظيم الربح وتحقيق مصلحة المساهمين. فقد أظهرت التجارب التاريخية، وما رافقها من أزمات اقتصادية ومالية كبرى، أن التركيز الحصري على الربحية، إلى جانب سوء الادارة أدى إلى افلاس العديد من الشركات التجارية والإضرار بحقوق فئات واسعة من المجتمع. نتيجة لذلك، وبعد البحث الدقيق عن سبل المعالجة، نشأ مفهوم الحوكمة هادفاً الى تعزيز الفصل بين الملكية والادارة وايجاد حالة توازن بين الجهاز الاداري والتنفيذي في الشركة، وتحقيق الادارة الرشيدة داخل مجلس ادارة الشركة. واخذ هذا المفهوم يتطور الى ان اصبح يولي اهتمامه ليس فقط لحاملي الاسهم بل ايضاً لاصحاب المصالح وباتت الحوكمة تعرف بالحوكمة التشاركية او الميثاقية ذات الابعاد الثلاث: البعد الاقتصادي،الاجتماعي والبيئي(5). بالتالي، فباتت الشركات تولي اهتمامها لدورها الاجتماعي ولم تعد تهدف فقط الى تعظيم الربحية على حساب مجتمعها وبيئتها، بل اصبحت توازن وتوازي في ما بينهما واصبحت الحوكمة المستمدة في النظريات النيوليبرالية النموذج الأفضل لحسن ادارة الشركات في المجتمع(6).
وتعرف حوكمة الشركات بأنها:” مجموعة من الانظمة التي تدار وتراقب من خلالها الشركات، ويحدد هيكل حوكمة شركة ما توزيع الحقوق والمسؤوليات على الاطراف ذات العلاقة، ويضع القواعد والاجراءات لاتخاذ القرارات في شؤون الشركة. ومن خلال ذلك يقدّم ايضاً البينة التي يتم من خلالها وضع اهداف الشركة ووسائل تحقيقها،ومراقبة ادائها وتطورها،بهدف تحقيق الاستخدام الامثل لموارد الشركة،وتوزيع العائد على الاطراف ذات العلاقة بعدالة(7).”
أمام هذا الواقع، ونتيجة لضغوطات المجتمع المدني والمنظمات الحوكمية وغير الحكومية، لم تعد الشركات تلتزم فقط بالقوانين الوطنية الملزمة (Hard Law)، بل باتت تولي أهمية متزايدة لما يعرف بـ القوانين اللين (Soft Law)، وهي مجموعة من الاشكال\الانماط من القواعد المنبثقة من مصادر متعددة تحاول ان تجد لها مكاناً في الأنظمة القانونية المحلية(8).وقد صدرت هذه القوانين اللينة عن منظمات دولية حكومية وغير حكومية، من أبرزها:
• مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UN Guiding Principles on Business and Human Rights)،
• المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الشركات متعددة الجنسيات (OECD Guidelines for Multinational Enterprises)،
• الاتفاق العالمي للأمم المتحدة (UN Global Compact).
وقد تضمنت هذه المبادئ توصيات صريحة تحث الشركات على احترام حقوق الإنسان، وإجراء العناية الواجبة (Due Diligence) لتحديد المخاطر المحتملة الناجمة عن أنشطتها، واتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية أصحاب المصالح، مع التأكيد بشكل خاص على حقوق الطفل، باعتباره فئة ضعيفة تتطلب حماية على مختلف الاصعدة، بما في ذلك الحماية في البيئة الرقمية.
وصحيح أن هذه المبادئ تبقى، من حيث الأصل، غير ملزمة قانوناً، لعدم إدراجها في اتفاقيات دولية ملزمة أو تشريعات وطنية، إلا أن العديد من الشركات الكبرى بادرت إلى تبنيها وإدماجها في سياساتها الداخلية وخططها، وذلك حفاظاً على سمعتها التجارية، والتزاماً منها بمسؤوليتها الاجتماعية(9)، وتعزيزاً لثقة المستخدمين والمستثمرين بها.
إضافة الى ذلك، اتجهت العديد من الدول إلى تحويل هذه المبادئ اللينة إلى قوانين داخلية، من خلال سن تشريعات تلزم الشركات بموجبات قانونية، لا سيما في ما يتعلق بواجب العناية، وتقييم المخاطر، وحماية القاصرين في البيئة الرقمية.
ففي فرنسا مثلاً، أقر المشرع بموجب القانون رقم 2023-566 تاريخ 15 حزيران 2023 المتعلق بتنظيم استخدام القاصرين لمواقع التواصل الاجتماعي، التزام واضح على الشركات المشغلة لهذه المنصات ضرورة التحقق من سن المستخدمين، والحصول على موافقة الوالدين بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة عشرة، تحت طائلة فرض جزاءات إدارية قد تصل إلى الغرامات المالية أو حجب الخدمة(10). إلى جانب ذلك، يخضع عدد من الشركات الكبرى في فرنسا لأحكام قانون واجب اليقظة الصادر في 27 آذار 2017(11)، الذي يلزم الشركات بوضع وتنفيذ خطة يقظة تهدف إلى تحديد ومنع المخاطر الجسيمة التي قد تمس حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الطفل، نتيجة لأنشطتها أو أنشطة الكيانات التابعة لها، الأمر الذي يسمح بتحميلها مسؤولية قانونية في حال الإخلال بهذه الالتزامات.
أما في أستراليا، فيعتبر قانون السلامة الإلكترونية (Online Safety Act 2021) الإطار التشريعي الاساسي لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، حيث فرض على الشركات موجب قانوني يتمثل في اتخاذ خطوات لمنع وإدارة المخاطر الإلكترونية التي يتعرض لها القاصرون. يمنح هذا القانون مفوّض السلامة الإلكترونية (eSafety Commissioner) صلاحيات واسعة لفرض أوامر لإزالة المحتوى الضار، واعتماد مدونات سلوك ومعايير تلزم المنصات بتطبيق مبدأ السلامة في تصميم المحتويات (Safety by Design) كما تتحمل الشركات مسؤولية تطبيق آليات فعالة للتحقق من العمر ومنع وصول القاصرين إلى الخدمات التي تشكل خطراً على سلامتهم الجسدية أو النفسية(12).
ونخلص الى القول بأنّ في ما يتعلق بحماية القاصرين من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، لا شك أن للأهل دور أساسي في التوجيه والمراقبة، كما أن للمجتمع بشكل عام وللاجهزة المختصة داخل الدولة دور أساسي باقرار قوانين ووضع السياسات العامة التي تحد من الاستخدام المفرط أو غير الآمن لهذه المنصات. غير أن ذلك لا يعفي الشركات المشغلة لهذه المواقع من مسؤوليتها الجوهرية، والتي تسيطر على هذه المواقع الالكترونية، بوضع آليات فعالة للحد من الاستخدام الذي قد يعرّض سلامة القاصرين الجسدية والنفسية والعقلية للخطر التزاماً بالقوانين المحلية الملزمة من جهة ومسؤوليتها الاجتماعية وفق القوانين اللينة من جهة أخرى.
المراجع:
1.اقرت استراليا عام 2021 قانون online safety act 2021 وثم اقرت بعض التعديلات عليه online safety amendments (social media minimum age) act 2024 ، والذي يمنع استخدام الأشخاص دون 16 من العمر من اتشاء حسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
2.ونذكر على سبيل المثال بلجيكا ،الدينمارك،ماليزيا ، المانيا.
3. European parliament, protecting children online, available on the following link https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/769570/EPRS_BRI(2025)769570_EN.pdf
4.هلكا عمر علاء الدين، إدمان مواقع التواصل الاجتماعي… أضرارٌ نفسية واجتماعية وصحية، 13\11\2023، متوفرة على الرابط التالي: https://www.bau.edu.lb/Blog/Miscellaneous ، تم معاينة الموقع بتاريخ 2025/1/27 .
5. عزة سليمان وجنى بدران، حوكمة الشركات المساهمة بين البعدين الاداري والقانوني،مجلة العدل ،العدد الاول، 2017، ص. 34
6. والمقصود بالنظرية النيوليبرالية ان الشركات فشلت في المحافظة على المجتمع عند تحقيقها لمصالحها الذاتية فيجب إعادة اعتبارها داخا مجتمعها التي تعمل وتحقق فيه أرباحها فيقتضي عليها اخذ الابعاد الاقتصادية والاجتماعية لعملها وليس فقط تحقيق الربحية.
7.لا يوجد تعريف موحد للحوكمة انما سنعتمد التعريف التي وضعته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
Oecd principles of corporate governance,2004, p.11
8. عزة سليمان وجنى بدران، حوكمة الشركات المساهمة بين البعدين الاداري والقانوني،مجلة العدل، العدد الاول، 2017، ص. 35

9.Corporate social responsibility is defined as: ““a concept whereby companies integrate social and environmental concerns in their business operations and in the interaction with their stakeholders on a voluntary basis” Commission of the European communities (2001), green paper promoting a European framework for corporate social responsibility, Brussels,2001,p.355 available on the following link http://eur-lex.europa.eu/lexuriser/site/en/com/2001/com
10 .loi n° 2023-566 du 7 juillet 2023 , https://www.legifrance.gouv.fr/jorf/id/JORFTEXT000047799533
11.loi n° 2017-399 du 27 mars 2017 sur le devoir de vigilance , https://www.legifrance.gouv.fr/jorf/id/JORFTEXT000034290626/
12. Online safety act, available on the following link https://www.infrastructure.gov.au/media-technology-communications/internet/online-safety/current-legislation

“محكمة” – الخميس في 2026/1/29

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.