دور المحامي في الربط بين الفكر الفقهي والتطبيق القضائي/ وسيم بو طايع
المحامي وسيم بو طايع:
في المنظومة القانونية المعاصرة، لا يقتصر دور المحامي على تمثيل الموكل أمام المحاكم أو تقديم الإستشارات القانونية، بل يتعداه الى القيام بدور محوري في التوفيق بين الفكر الفقهي- الذي يمثل جانب التنظير القانوني- والتطبيق القضائي- الذي يجسده الواقع العملي للقضاء. ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في الأنظمة القانونية ذات الطابع اللاتيني، كما هو الحال في كلِّ من لبنان وفرنسا، حيث يُنظر الى المحامي كفاعل أساسي في إنتاج العدالة لا مجرد ناقل للدفوع أو ممثل للخصوم.
تهدف هذه المقالة الى دراسة الدور الوسيط للمحامي بين الفكر الفقهي (Doctrine) والإجتهاد القضائي (Jurisprudence) في كل من القانون اللبناني والفرنسي، وتحليل أوجه التشابه والإختلاف في هذا الدور بين النظامين القانونيين.
فمن ناحية عندما نتكلم عن الاطار النظري لدور المحامي نتحدث عن الفكر الفقهي والاجتهاد القضائي اللذين أصبحا مفهومين متكاملين لا ينفصلان، فالفكر الفقهي هو نتاج الفقهاء، من علماء القانون الذي أثروا المكتبة القانونية بمؤلفات لا تزال يرتكز اليها العديد من المحامين والقضاة في توجيه مسار الأحكام ،ومن أساتذة الحقوق في الجامعات الكبرى وكتّاب القانون، ويشكّل مرجعية علمية تساهم في تفسير النصوص القانونية وتوجيه العمل القضائي، أما الإجتهاد القضائي فهو التفسير العملي للقانون من قبل المحاكم، ويظهر كيفية تطبيق النصوص على الحالات الواقعية.
ولا يمكن هنا أن ننسى دور المحامي كصلة وصل، إذ يقع في موقع مميّز بين هذين القطبين، فهو يستند الى الفقه لتدعيم دفوعه القانونية ويراقب ويحلل الإجتهادات القضائية لتكييف إستراتيجيته الدفاعية كما يساهم عبر مرافعاته، في دفع القاضي نحو توجّهات فقهية أو في تطوير الإجتهاد.
وفي القانون اللبناني، لا بدّ من التذكير بتأثر المحامي اللبناني بالفقه الفرنسي نظراً للجذور الفرنسية للقانون اللبناني، خاصة في القانون المدني وقانون أصول المحاكمات، حتى يكاد لا يخلو دفاع من الاستئناس بالمجهود الفقهي لعلماء القانون الفرنسيين. ومن ناحية ثانية، يبدو التأثر بالنص مستحبًا في بعض المناظرات والمرافعات لدى العديد من المحامين ، ومن هنا فإن القول بأن النظام اللبناني يحتفظ ببنية قانونية مشابهة للنظام الفرنسي لا يبدو بعيدًا عن الواقع، حيث للفكر الفقهي مكانة مرجعية غير ملزمة ولكن محترمة.
ورغم الجهور الفكرية المبذولة من المحامي في تفاعله مع جناح العدالة أيّ القضاء ، فإنّ تأثيره في توجيه الإجتهاد القضائي يبقى نسبياً ومحدوداً بسبب بطء تحديث التشريعات، ميل بعض القضاة إلى التفسير الحرفي للنصوص، ضعف التوثيق المنهجي للإجتهادات القضائية في بعض المحاكم.
أما في فرنسا، فللمحامي دور تقليدي راسخ في التأثير على الإجتهاد القضائي، ويعتبر المحامي فاعلًا أساسيًا في الحوار القضائي، وللمحامين الفرنسيبن إعتماد كبير على الفقه في إعداد مرافعاتهم نظرًا لسهولة التواصل بين المرجع الفقهي ومنشوراته مع المحامي العامل، كما أنّ التعاون بين الجامعات ومكاتب المحاماة يعزّز من مستوى التحليل الفقهي في العمل اليومي وهذا التداخل له نتائج إيجابية كثيرة على عدة مستويات.
ولا تكتمل فصول العدالة إنْ لم تُختتم بالمرافعات وأجودها تلك التي تترك أثرًا لا يُمحى في زوايا المحاكم وتبقى محفوظة عن ظهر القلب في العقل وفي ثنايا تردّدات الصوت المدافع عن الحقّ، وبفضل تلك المرافعات يمكن للمحامي أن يدفع المحكمة إلى تبنّي اجتهاد جديد أو مراجعة موقف سابق ، وقد ساهم بعض المحامين المشهورين في فرنسا مساهمة فعلية في تطوير اجتهادات مفصلية، امام المحاكم كافة باختلاف درجاتها وخصوصًا أمام محكمة النقض ومجلس الدولة.
يتبيّن من المقارنة أنّ المحامي في كلّ من لبنان وفرنسا يؤدّي دورًا بالغ الأهمية في الربط بين الفكر القانوني النظري والتطبيق القضائي العملي. غير أنّ فعالية هذا الدور تختلف باختلاف البيئة القانونية، ومستوى تفاعل النظام القضائي مع الإنتاج الفقهي. ففي حين أنّ المحامي الفرنسي يتمتّع بإمكانات أكبر للتأثير في الإجتهاد القضائي، بسبب بنية قانونية ومهنية مؤسساتية متكاملة، فإنّ المحامي اللبناني يواجه تحدّيات بنيوية تحدّ من قدرته على أداء هذا الدور بشكل كامل، رغم كفاءته العالية ومرجعيته الفكرية المتينة.
إنّ تطوير هذا الدور في لبنان يمرّ عبر تعزيز التوثيق القضائي، وتشجيع الحوار بين القضاة والفقهاء، ودمج البحث الأكاديمي بشكل أعمق في العمل اليومي للمحامي.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من محكمة – العدد 53 – تشرين الثاني 2025)
“محكمة” – السبت في 2025/11/15



