مقالات

ذهول من أداء المجلس النيابي/فرانسوا ضاهر

القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهر:
كيف أن النواب المعارضين قد توافقوا مع النواب الممانعين على إقرار قانونين أساسيين (قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي وقانون إستقلال السلطة القضائية او تنظيم القضاء العدلي) دمّروا بهما :
أ- القطاع المصرفي فأسقطوه وأخرجوه عن الخدمة.
في حين أن السلطة الحاكمة في لبنان من سلطة إجرائية ومصرف لبنان وسلطة مشترعة قد أفرغوه قسراً وعمداً وعن سابق تصور وتصميم من سيولته المتكّونة من ودائع المودعين لديه، بموجب قوانين إقتراضية وردت تباعاً في موازنات الدولة السنوية على مدى عقود منذ مطلع التسعينات في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريرى وصاعداً.
فبدلاً من أن تُسأل تلك السلطة عن ردّ إقتراضاتها من المصارف لتُعيد لها سيولتها، توسّلت الشحّ الذي أحدثته في تلك السيولة، حتى تنقضّ عليها وتضعها في خانة العُسر الذي يجب تغطيته بضخّ رساميل جديدة حتى تكون أصلحت ذاتها، والاّ وضعت نفسها تحت مقصلة قرار شطبها وتصفيتها.
ب- كذلك المؤسسة القضائية، التي تحت ستار تحريرها من وصاية السلطة السياسية عليها، ذهبت السلطة الحاكمة الى تفخيخ هرميتها وإسقاط هيبتها وشرذمة رجالاتها عن طريق :
• تحويل المناصب العليا الحكمية بعد زيادتها الى أربعة (منصب للطائفة الشيعية) في مجلس القضاء الاعلى، الضابط لإيقاع العمل القضائي والمثبت لمساره، الى ولايات زمنية يتناوب عليها المرشحون على التوالي. الامر الذي يفقدها هيبتها وسطوتها وثباتها وفعاليتها تجاه الجسم القضائي !
• تحويل مجلس القضاء الاعلى الى وزارة داخلية تُعنى بترتيب الانتخابات الداخلية بين فئات القضاة، بحسب مناصبهم ومهامهم، لاستكمال تكوين مجلس القضاء الاعلى. في ظل التجاذبات الطائفية والمذهبية والسياسية التي ينوء تحتها لبنان بكل كيانه.
• إخضاع العديد من قرارات مجلس القضاء الأعلى للرقابة القضائية من قبل مجلس شورى الدولة. ما يعطي هذا الأخير دوراً ومرتبة يعلوان دوره ومرتبته. الأمر الذي يخالف قواعد الانتظام المؤسساتي.
• فتح المجال لتكوين الهيئة العامة لمحكمة التمييز من رؤساء غرفها الاصيلين او حتى المنتدبين. الامر الذي يجعل تكوينها خاضعاً لغرضية المرجعية التي تُجري الانتدابات القضائية فيها.
• تكوين هيئة مستقلة لتقييم العمل القضائي وأداء القضاة، ذات ولاية محدودة، تكون قرارتها التقييمية خاضعة لاعتراض القضاة المقيّمين. الأمر الذي يتعارض مع هيبة العمل القضائي وخصوصيته وفرادته، لكون القاضي يمارس سلطة دستورية بمعرض عمله ويجتهد في تطبيق القانون ويرسي قواعد العدالة والاستقرار في المجتمع.
• عدم إنشاء محكمة لتوحيد الاجتهاد المبعثر والمتناقض غالباً في ذات المسائل الحساسة، ما يجعل التقاضي إنتقائياً من قبل المتقاضين امام محاكم دون أخرى.
• عدم إخضاع القضاة من ذات الاختصاص النوعي، لدورات تثقيفية ومؤتمرات حوارية (colloques) يتدارسون خلالها المسارات الاجتهادية التي يمارسونها لغرض توحيدها، ما أمكن، في مصلحة العدالة الفضلى وتسريع إجراءات التقاضي.
• وغيرها من المفاصل الجوهرية التي سنعرض لها لاحقاً بحيث يكون المشرع اللبناني، تحت قناع تثبيت استقلال السلطة القضائية، قد بعثر مرتكزات المؤسسة والهرمية فيها وأسقط المناصب العليا الحكمية من هيبتها ومناعتها ومكانتها وإقحم قضاة لبنان في تيارات انتخابية داخلية ومنازعات وتجاذبات وإصطفافات متعدّدة الأوجه.
أو يكون المشرع نفسه قد أهدى قضاة لبنان، تحت عباءة تحريرهم من تسلّط السلطة عليهم، قانوناً يدمّرون به مؤسستهم، ما يسهّل على تلك السلطة التحكم بها وبمفاصلها وبرجالاتها أكثر فأكثر.
في حين أنه كان بالإمكان تطعيم القانون الحالي بتعديلات محكمة في الصياغة، حتى يتمّ تحقيق وتدعيم هذه الاستقلالية بشكل متقدم. دونما المساس بجوهر النظام القضائي القائم، الذي يمسك بمفاصل عمل المؤسسة القضائية ويحافظ على تماسكها وسرّيتها وجلالتها وطبيعة مهامها ووحدتها والتراتبية فيها.
حتى يصحّ الاستنتاج، في المحصلة، بأن المجلس النيابي ليس أهلاً للتشريع في القوانين الأساسية او أنه يعمل على هدم مرتكزات الكيان اللبناني التاريخي حتى يسرّع في زواله، على عتبة المتغيرات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة!
“محكمة” – الجمعة في 2025/8/1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.