مقالات

رثاء نقابة المحامين للدكتور عبد السلام شعيب: معرفة راسخة على غير ادعاء/سعد الدين الخطيب

المحامي سعد الدين وسيم الخطيب*:
ليس من السهل لنقابة المحامين في بيروت أن تتكلّم اليوم عن الراحل الكبير بلغة الغائب، فهو الحاضر دائمًا بينها وإنْ رحل.
والراحلون ليسوا سواسية في ميزان الحياة ومقياس الزمن، فالبعض منهم وهم الكثرة، يغادرون الحياة ولا يتركون وراءهم أيّ أثر أو صدى من الماضي، والبعض الآخر وهم الأقلّية “صفوة” يرسخون في وجدان المجتمع وفي ضمائر الناس ويصبحون جزءًا دائمًا من المستقبل تهتدي بهم الأجيال ويظلّون منارة رمز بفكرهم وعطائهم.
إختار سعادة نقيب الممحامين في بيروت الشيخ ناضر كسبار أن يشرّفني بهذا المقام الجلل،
أويت إلى هذه الكلمات التي استعنت بها لإبداء كلمتي، فحاولت أن أكتب وأعطي من وجداني فلم أجد ما يفي حقّ هذا الكبير أفضل من الكلام الذي خطّه بقلمه في رثاء زميله المحامي سليمان تقي الدين في العام 2015.
محام رصين بارز، عرف المحاماة رسالة ملازمة للفضيلة، غايتها الحرّية والعدالة والمساواة، فآمن بها استثمارًا في الخدمة العامة.
أمام هذا الرجل الكبير يصعب الرثاء، فكان مرجعًا بالانفتاح والعلم والقانون، صاحب انجازات ومواقف وطنية وعروبية، إذا أردنا تعدادها لا تتسع لها المجلّدات،
هو رجل المراحل الصعبة والمواقف الشجاعة والنبيلة والمدافع عن الحرّيات العامة وحقوق الإنسان،
خاض جولات وصولات في مواجهة الظلم والتعدّي، فكان صرخة الحقّ في وجه كلّ معتد،
كان محبًّا لطلّابه، قضى ما يزيد عن خمسة عقود في التعليم الجامعي رافضًا أن يتقاضى أيّ بدل مادي أو ما شابه، فالتعليم عنده أكثر من عشق وأكثر من شغف.
مناضل في الحقل العام، فكانت مشاركته الأولى في الحركة الطلابية في العام 1961 وترأس أوّل رابطة طلّاب لكلّية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وغيرها من المراكز.
كان مناصرًا للقضايا العربية وخصوصًا القضية الفلسطينية، فقام بمراجعة المحكمة الجنائية الدولية اثر الإعتداء على غزة في العام 2008.
ترأس لجنة الحرّيات وحقوق الإنسان في نقابة المحامين في بيروت منذ العام 1996 التي وضعت تقريرًا موثّقًا عن اعتداءات العدوّ الإسرائيلي خلال حرب تموز 2006 وقد اعتمد هذا التقرير في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
أستاذ محاضر في عدّة جامعات وكلّيات الحقوق والعلوم السياسية.
خلال حياته عيّن مستشارًا لمجلس الوزراء والعديد من الوزارات والهيئات الادارية، وآخرها في العام 2006 حيث عيّن نائب رئيس الهيئة الوطنية للإطلاع الإنتخابي.
رئيس سابق للمجلس التأديبي في نقابة المحامين في بيروت، وشارك في عضوية عدّة لجان في النقابة.
له العديد من المحاضرات والمقالات والدراسات التي أغنت المكتبة القانونية والثقافية.
إنتسب إلى نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 1963/12/5 وانتقل إلى الجدول العام في العام 1969.
نال الميدالية الذهبية الطويلة في العام 2013.
اليوم نودّع بأسى معرفة راسخة على غير ادعاء، أنت المتين حيثما حللت، والعزيز أنّى رحلت.
سيبقى الدكتور عبد السلام شعيب في ذاكرة وطنه وطلّابه وزملائه من خلال مدرسته الفكرية والعلمية التي شكّلت منهلًا وشعاعًا مضيئًا.
فباسم سعادة نقيب المحامين في بيروت الشيخ ناضر كسبار الذي شرّفني فكلّفني تمثيله في مأتمك المهيب، وباسم مجلس نقابة المحامين، وبالنيابة عن الزميلات والزملاء، وباسمي الشخصي، أتقدّم من عائلتك، الزوجة السيّدة أمينة، المحامي باسل الذي ندعو الله أن يستمرّ على نهج والده، وابنتاه زينة وريما وعموم عائلات صيدا ومحبّيك بأصدق التعازي وأحرّها، راجيًا الله عزّ وجلّ أن يتغمّدك بواسع رحمته ولكم من بعده طول البقاء.
* عن نقيب المحامين في بيروت ناضر كسبار. وقد ألقى هذه الكلمة المحامي محمّد الجوهري بالنيابة عن أمين سرّ مجلس النقابة المحامي سعد الدين الخطيب بعدما تعذّر عليه الوصول من بيروت إلى صيدا نتيجة إضراب قطاع النقل البرّي وإقفال الطرقات وقد صودف يوم إقامة مراسم الدفن وتشييع الدكتور عبد السلام شعيب إلى مثواه الأخير في جبانة صيدا البوابة الفوقا في 2 شباط 2022.
“محكمة” – الجمعة في 2022/2/4

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!