علم وخبر

ضريبة صيرفة والإجحاف بحقّ المودعين/ريان ناصر

المحامي الدكتور ريان ناصر:
في الوقت الذي ما زال فيه عدد كبير من المودعين محرومين من حق القيام بالسحوبات الشهرية، وبدلاً من السعي لإنصاف هذه الفئة التي تجد نفسها مستثناة من حق الاستفادة من التعاميم المصرفية دون مسوغ قانوني واضح، ظهرت “ضريبة صيرفة” كعبء مالي إضافي تفتقر في صياغتها الحالية لمعايير العدالة الضريبية وتتعارض مع المبادئ الدستورية وهذا ما أكدته لجنة المال والموازنة النيابية.
اليوم، تقف فئة واسعة من المودعين اللبنانيين أمام واقع معقّد نتيجة القرار القاضي بفرض ضريبة على أرباح عمليات “صيرفة”، في وقت لا تزال فيه هذه الفئة محرومة منذ سنوات حتى من حق الوصول إلى السحوبات المحدودة التي أتاحتها التعاميم المصرفية لسائر المودعين.
لقد أرسى حاكم مصرف لبنان السابق قاعدة “إعدام مالي” بحق كل من تجاوز مجموع عمليات “صيرفة” الخاصة به مبلغ 75 ألف دولار على مدار ثلاث سنوات. هذا الرقم ، الذي يبدو ضخماً في ظاهره ، هو في الحقيقة نتاج تراكم عمليات صغيرة جداً قام بها مودعون صغار (أصحاب ودائع أقل من 100 ألف دولار) في محاولة يائسة لتعويض جزء بسيط من خسائر ودائعهم المحتجزة.
لقد تم تصنيف هؤلاء المودعين بشكل خاطئ وخلافًا للواقع على أنهم متمولون، فحرموا دون وجه حق ودون أي أساس قانوني من مفاعيل التعاميم (158 و166)، ومنعوا من سحب دفعات شهرية من أموالهم، ليعاملوا معاملة “المحكومين” دون جرم .
وهكذا اصبحنا أمام سابقة خطيرة تعاقب من خلالها السلطة من يلتزم بقراراتها !
فهل يعقل أن يدعو مصرف لبنان المودعين لشراء الدولار الاميركي من خلال منصة صيرفة كما حصل سابقًا؛ ثم يقوم هذا المصرف نفسه بحرمان المودعين من الاستفادة من التعاميم التي أصدرها بحجة أنهم قاموا بعمليات صيرفة؟
الطامة الكبرى تأتي اليوم بإلزام هذه الفئة أيضًا بتسديد ضريبة “بأثر رجعي” عن تلك العمليات متجاهلين العمولات المرتفعة التي كانت تتقاضاها المصارف؛ وهنا يطرح السؤال كيف تفرض الدولة ضريبة على مواطن في الوقت الذي تمنعه هي نفسها من الاستفادة من التعاميم المصرفية؟؟
إن المبدأ القانوني الراسخ يقول إن “الضريبة تتبع المنفعة”، فأي منفعة بقيت لهؤلاء وقد تلاشت أرباح صيرفة الضئيلة أمام تجميد أصولهم الأساسية وحرمانهم من السحوبات الشهرية؟
والأدهى من ذلك، أن هذه الفئة تضم اليوم آلاف المودعين الذين دُمّرت منازلهم بفعل العدوان الإسرائيلي، وهم الذين يتكبدون نفقات الإيواء والإيجار الباهظة.
فهل يعقل أن تطالبهم الدولة بضريبة عن “ربح وهمي” مر عليه سنوات، بينما بيوتهم ركام وأموالهم “رهينة”؟
فالربح المزعوم أصبح بالنسبة لهذه الفئة من المودعين خسارة ثابتة .
إن الدستور اللبناني كفل حماية الملكية الخاصة والمساواة أمام الأعباء العامة. وعليه فإن استمرار حرمان هذه الشريحة من المودعين من التعاميم المصرفية بحجة قيامها بعمليات صيرفة ثم تحميلها أعباء ضريبية إضافية عن هذه العمليات ، هو إجراء تعجيزي بل إنه فرض لعقوبتين على فعل واحد هو في الاساس غير مخالف للقانون.
إننا نضع هذا الملف في عهدة الضمير الوطني والمسؤولين المعنيين، مطالبين بـ:
1- تصحيح فوري لتعاميم مصرف لبنان من خلال الاجازة للذين قاموا بعمليات صيرفة تجاوز مجموعها الـ 75 ألف دولار الإستفادة من السحوبات الشهرية وذلك لرفع الظلم المتمادي عنهم، ومنعًا للتمييز غير المبرر بينهم وبين سائر المودعين.
2- الإعفاء الفوري لهذه الفئة من المودعين من ضريبة صيرفة، نظرًا للضرر الجسيم اللاحق بهم جراء حرمانهم منذ سنوات من السحوبات الشهرية، أو على الأقل تعليقها لحين تمكينهم من الوصول إلى ودائعهم والإستفادة من التعاميم المصرفية أسوة بسائر المودعين.
فالعدالة هي المدخل الحقيقي والوحيد للإلتزام الضريبي.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/1/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.