مقالات
طارق ناصر الدين شاعر العروبة في زمن العقوق/فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
طارق ناصر الدين لا يرثى لأن أمثاله هم ظل أزلي يحمي شمس رؤيانا، وأبيات شعره تقمّص أبدي يحاكي آلامنا وآمالنا .
قدره مفعم بلغة العروبة وروحها، والشعر مولود بجيناته ونسبه التنوخي، فهو ابن الاديب والعالم اللغوي نديم ناصر الدين وجده أمين من كبار شعراء النهضة.
هو القائل:
“هي العروبة أعطتني فمي ودمي
فهل كثير بها عمري وأوراقي؟”
في الثانية عشرة من عمره إرتعدت كفرمتى بلدته عندما سمعت قصيدته تصدح بصوت المذيع عبر أثير “صوت العرب” من القاهرة.
في الثانية عشرة من عمره ترأس الجمعية الخطابية في المدرسة الداوودية في عبيه حيث أطاح بالنظام الداخلي الذي يمنح الرئاسة للصف الثالث الثانوي .
فاز بالمرتبة الاولى أثناء دراسته في ثانوية علي بن أبي طالب بين طلاب المقاصد في لبنان في مباريات الشعر والخطابة.
في أروقة كلية الحقوق شارك في تأسيس أول تنظيم ناصري في الوطن العربي هو اتحاد قوى الشعب العامل، جنباً الى جنب مع إخوانه كمال شاتيلا وحسن مطر وغيرهم الذين خاضوا غمار الانتخابات وفازوا في عضوية رابطة كلية الحقوق .
صعقه نبأ وفاة جمال عبد الناصر، لكنه لم يذرف دمعة حزن لأنه عائد من كل الاشياء، ولأنه أعاد للانسان العربي ثقته بنفسه وللأمة عزّتها وكرامتها ، ولأن زرعه لن يكون مجداً غابراً، وظل جمال عبد الناصر محور قصائده .
“يأتي من بعدك حكّام
أطولهم أقصر من قدميك
ما زالت أنفاسك فينا
ما زلت حبيب ليالينــا
لو تدري يا عبد الناصر
كم هذا الشعب يحّن إليك ”
شارك عام 1971 في أول قمة شعرية مع نزار قباني ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد الفيتوري .
كان من أبرز قادة الحركة الطلابية التي أفرزت تحالف لجان العمل الجامعي الناصري مع حركة الوعي التي أزعجت القوى الطائفية .
جاء وقع أول مجزرة غاشمة في الحرب العبثية أليماً على قلب طارق ناصر الدين لم تندمل آثارها عندما أصابت في 1975/6/25 آل مطر العروبيين، وامتد فتيل الغدر والحقد ليطال مسيرة تشييعهم بالقذائف النارية فثار بركاناً وغلياناً يصدح شعراً محتدماً يعبّر في أبيات شعره عن موقف انساني .
لي في مرابعكم عمر وأخيلة
أحسّها ألماً حباً فأحتـار
أباً خليل، علي، أحمد، مطر
مالي أعد وهم موج وتيار
فكنتم الطلقة الاولى ، وكان لكم
في قصة المجد عنوان وإيثار
لقد تصدى المير طارق للعواصف العاتية الآتية من كل الجهات لأن ابداعه بقي في خنادق المقاومة لا يقل عن تأثير رصاصة مقاتل ، وسوطاً ينتقد النظام السياسي في شكل لاذع.
قارب شعره بالفكر السياسي مبشراً بالعروبة. لم تتعبه الخيبات ، واجه الانظمة العربية التي تحوّل الشعراء الى مغنين وملحنين وجواري وتغدق عليهم المال النفيس والمناصب .
لم يتسكع على عتبات السلطان، ولم يسع وراء جوائز ، بقي في الميدان لم يتغيّر ولم يتبّدل ولم ينصاع لتوجيهات زناة الحرب لأن ذاته تواقة للحرية ووهب نفسه ليكون مشروع شهيد .
تعرّض شاعرنا لعدة محاولات اغتيال في حياته لكنه بقي كجلمود صخر يسعى لتحطيم القيود ، وظل يؤذن الفجر ليقول هنا بيروت.
“بيروت .. وجهك لا يُمحى فذاكرتي من ضوء وجهك يا بيروت.. فابتسمي!
تعذبين بأشباه الرجال وكـم تعاندين سيوف الروم والعجـم
والمذهبيون في الساحات أحصنة إدفع وخيل .. ولا تسأل عن القيم
الأرض عطشى لقامات معبأة بالحق.. شماخة.. مخضرة القدم ”
ذخرت قصائده بعنفوان الانتماء مهما كان الثمن تشحن الهمم دفاعاً عن المبادئ .
“يعاقبني زناة الحرب
كوني لم أخنِ سنني
ولم أركع كما ركعوا
ولم أخضع لممتهني
جبيني نجمة خضراء
في منظومة الزمن
وقلبي يعربي البوح
والخفقان والشجن ”
كان يعتبر أن الأمة تنهض بسلاح مبدعيها ، وان الوطن بلا شعر مجرد عقارات عامة تنتقل لمن يملك الثمن.
إختار طارق ناصر الدين ان يحمل كفنه ، فهو عاشق للشهادة فداء للوطن ، وزاهد في دنياه لا تثنيه اغراءات أو مخاطر .
“يمرّ العام بعد العام
أمضي حاملاً كفني
أصيح بوجه جلادين
لم تشبعهم دمني
خذوا مالي خذوا شجري
خذوا ثمري خذوا غصني
خذوا ثوبي خذوا نفسي
إنهشوني مزّقوا بدني
فآخر خفقة في الروح
تصرخ : أولاً وطني ”
العروبة عنده ليست انتماء سياسياً أو خياراً فكرياً ، بل وجود وقضية ودور حضاري وانساني ، مما استدعاه أن يشهر سيفه ضد التعصب والتطرف والشعوبية .
تعيّرون انتمائي ؟ أمتي ؟ لغتـي ؟
أهلي الدعاة ؟ نبياً جاء من رحمي !
وتطلبون إقتلاعي من مخيلة
لو لم تكن وحي رب الخلق لم تدم
وما العروبة إلا زرع أنسنة
في عالم بجنون الظلم محتدم
لو أنصفوها بما أعطت وما وعدت
لاستعربت كل ما في الارض من أمم
الشاعر العربي بدون عروبة أعمى ولقيط عند شاعرنا طارق ناصر الدين الذي يرفض الشعر الحديث المستورد ولا يستسيغ سماع الشعر المكرر التقليدي ، وهو يحذر دائماً ويردد “اياك ان تتخيل العروبة دون ثلاثة: رب هو الحق ونبي يظهر الحق وشاعر يدافع عن الحق”.
فلسطين جرحه النازف ، تكاد لا تخلو قصيدة له من التواصل الروحي مع قدسها:
“القدس في بالنا مرمى النجوم ، ألم
يسر الرسول لها والليل متئد
والبدر يرمقها والشمس من حسد
تكـاد تغمض عينيها وتبتعد
وجاء حاخام ابليس يجردها
من ثوبها وهي عذرائي التي تلد”
كانت كلماته تدخر للزمن الرديء رؤى في تجليات فكره الناصري التي كانت تنساب وتتدفق سحراً في ثنايا الروح والمعتقد ليبعث الأمل الذي أفنى عمره يبشر به ويبدد العتمة ويصول ويجول بنقاء سريرته ليحذرنا ويذكرنا بالآتي :
“عدوكم يصحر انهاركم
ويحرق اشجاركم
ويحقن بالسم ازهاركم
ويشعل أطفالكم كلما برد ..”
يدعونا بأن لا نساوم على الامانة لأن شرع اليهود هو الجريمة واليهود هم الجرائم:
“في العصر معجزتان تصطرعان والديان عالم
فهناك معجزة من الشيطان حين تجسد الشيطان حاكم
وهناك معجزة من الرحمن حين تفجر الشعب المقاوم “
كان في طليعة المدافعين عن حقوق الناس ، حاملاً إرث شعبه وتراث أمته ضد الفاسدين والمفسدين .
“قبور أهلي هنا ، عظم الجدود هنا
من يسرق الموت من؟ حكامنا الجدد
المفسدون ، زناة الأرض ، لا خجل
يردهم، ركعوا، هانوا، ارتشو، فسدوا
يا سلطة الزور لن تجدي القصور، ومن
وهج القبور أرى الناطور يرتعد”
وعندما اعتقلتنا السلطة لتحمي جريمة العصر “سوليدير”، وقف على منبر نادي جمال عبد الناصر في عائشة بكار يتلو قصائدَ لا يخشى فيها جبروت وطاويط الليل. نكتفي هنا بهذه الابيات:
“طاردونا.. حاصرونا.. شردونا.. سوف نشهد
واسجنونا.. نأكل القضبان، ان الثأر مبرد ..
يا عد والله لن نجثو ، تأكد
نحن من قوم اذا اضاقت بهم
ركلوا الدنيا .. وصاحوا يا محمد “
كانت أمسياته الشعرية صومعة ، ومكتبه محراباً للمثقفين ، وجلساته تنقلنا الى عبق التاريخ المشرف.
ومنذ يومين أغلق عينيه ورحل ليلتحق بإخوة سبقوه الى دار البقاء.
“دموعي في محابركم
وقلبي في دفاتركم
فمن يومين كنت هنا ”
هنا تذكرنا انك والدنا الذي أورثنا حب العروبة حتى الذوبان .
لن تنزل قصائدك يا والدنا بأرض يباس، بل ستبقى كلماتك وقصائدك تنبت في عطش الايام ماء وزهوراً وبشائر .
“محكمة” – الاثنين في 2026/2/9



