عندما يكتب قضاة باللغة العربية ويبدعون/علي الموسوي
المحامي المتدرج علي الموسوي:
لا تكفي الكتابة القانونية أنّها مشبعة بالجمود والقساوة الكلامية والعبارات الصامتة التي لا تثير وجداناً ولا تهزّ خيالاً ولا تحرّك مشاعر وأحاسيس وخفقات، حتّى يأتي قضاة ليزيدوها تعقيداً، بدلاً من العمل على تبسيط الجُمَل قدر المستطاع، والإبتعاد عن الحشو والإضافات والعبارات المعطوفة وإطالة الكلام حتّى التداخل وإحداث ضياع في ذهن المتلّقي وإلزامه بقراءة ثانية لفهم ما بين السطور، ولذلك يمكن لهؤلاء القضاة أن يضعوا نقطة على آخر السطر، والبدء بجملة جديدة يكتبون فيها المعنى المطلوب إيصاله بأسلوب سهل وممتنع ومبسّط وبعيد عن الجفاء.
فقلّما تجد قراراً أو حكماً لا يستخدم عبارات أضحت لازمة ومحطّة فيه، مثل “في ضوء”، و”عطفاً على”، وهي تأتي مكمّلة للتعقيدات الكلامية، وتطيل الجملة إلى حدّ الملل، فلماذا الإسترسال إلى درجة الإلتفاف، مسافات كلامية كثيرة من أجل الوصول إلى المعنى المقصود؟ ولماذا هذه المطوّلات بدلاً من البساطة؟ أوليس الهدف الإفهام وليس مجرّد الكلام؟!
فالقانون وإنْ كان جامداً، إلاّ أنّه ليس هو من يحرّك القلم والعقل.
هو يضبط الإيقاع بغية الإلتزام بنصوصه، ولكنّه لا يتحكّم في كيفية كتابة هذه النصوص والقواعد القانونية المثخنة بالجمود.
هو يذكّر بوجوب عدم الخروج على الأصول القانونية، وعلى وجود مواد تفرض المثابرة على تنفيذها، لكنّه لا يقول لهذا القاضي أو ذاك، كيف يصوغ العبارات من أجل إيصال الفكرة المطلوبة.
وكلّما امتلأت العبارة بالإختصار والشرح البسيط، دخلت الأذهان فوراً وسكنت في قعر الذاكرة، بينما تصبح مملّة وباعثة على الإشمئزاز عندما تكون الفكرة بسيطة، وقد أجبرت على امتطاء صهوة صياغة لغوية نافرة.
لا نتحدّث هنا عن الأخطاء اللغوية والإملائية والنحوية، فالأفخاخ هنا كثيرة وتحتاج إلى ماهر في تجاوزها، وصائغ في معالجتها، مع أنّ القاعدة اللغوية بسيطة تماماً مثل القاعدة القانونية، ولا تعوز إلاّ التنفيذ من دون لفّ ودوران على المعنى.
وطبعاً هناك قضاة يتألّقون في الكتابة وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بواقعة جزائية مرنة تلفت الأنظار فوراً بجاذبيتها وسحرها ومدلولاتها، باعتبار أنّ الناس يعشقون الحكايات والإطلاع على أخبار الآخرين تحت عنوان الفضول والحشرية والإستفادة منها كتجارب في الحياة.
وهناك قضاة يكتبون “خارج دوام العمل القضائي” الكثير من تناغم مشاعرهم مع واقع الحياة وتفاعلها مع محيطهم بقالب قصصي وروائي وشاعري في بعض الأحيان يصنّف في خانة الكتابة الإبداعية والمدهشة، وهذا ينمّ عن ثراء لغوي وعشق للحرف والحبر، واتخاذ الكتابة طريقة حياة.
والقاضي وإنْ تجلبب بالقانون إلاّ أنّه إنسان يفرح ويحزن، ويبتسم ويغضب، ويتأقلم وينأى بنفسه، ويتريّث ويخوض، ويهتمّ ولا يبالي، وبالتالي، فإنّ شريحةً لا بأس بها من القضاة تُخْرج ما لديها، عند كتابة قراراتها وأحكامها، الكثير من الألق الكتابي المزروع فيها إلى حدّ الإبداع والإدهاش.
وثمّة قرارات تحكي الكثير من حيث السلاسةُ وقوّة التعبير والغنى اللغوي وغزارة المفردات. وثمّة قضاة أدباء وشعراء ومحترفو كتابة، وليسوا فقط كتّاب قرارات وأحكام تقتضي الوظيفةُ استخراجها بحلّتها العادية والروتينية والمملّة أحياناً.
ومن يطلع على صفحات بعض القضاة على مواقع التواصل الإجتماعي “الفايسبوك” يشعر بالإعتزاز بأنّ القانون لم يسرق الحسّ الأدبي من ذواتهم، وهذا مدعاة فخر يستدعي الإهتمام والإضاءة عليه وتنميته وتطويره لئلاّ يذوب في “غرف المذاكرة”، وتسلّط “الأصول الجزائية والمدنية والموجبات والعقود والتجاري والعقاري” وكلّها عناوين صارخة بالجمود إلى أبعد الحدود.
ولكنّ المطلوب من مجلس القضاء الأعلى أن يلتفت قليلاً إلى اللغة العربية عند إجراء امتحانات الدخول، فليس مهمّاً أن يكون القاضي مبدعاً في اللغة الأجنبية وبحاجة، في الوقت نفسه، إلى دورات تصقيل يومية في الكتابة باللغة الأمّ التي تصدر الأحكام والقرارات بها، وتكتب بحروفها.
وما نفع القاضي أن يكون متقناً لغير لغة أجنبية، وهو يفتقد إلى معرفة أصول لغته العربية؟ اللغة الأجنبية مهمّة بطبيعة الحال ولا مجال للنقاش حول هذه النقطة المركزية، لكن لا يجوز أن يكون القاضي ضعيفاً في لغته العربية التي ينطق بها ويعبّر بها ويكتب كلّ شيء بها ويتنفّسها مثل الهواء.
صحيح أنّ تمرين الذهن على القواعد اللغوية الرئيسية ضروري لإخراج النصوص بحلّة راقية خالية من الأخطاء الإملائية والنحوية، وهي كثيرة لدى بعض القضاة، إلاّ أنّ ابتكار مفردات جديدة وضمّها قسراً إلى اللغة العربية ووضعها قيد الإستخدام الفوري دون الرجوع إلى المجامع اللغوية ليس حلاً، كما أنّه ليس من وظيفة القاضي الإنشائية وإنشاء كلمات جديدة في آن معاً.
ومن الإبداعات اللغوية عند قضاة، القول عن إبنة فلان بأنّها “نجلة” بدلاً من كريمة، فاختراع مفردة جديدة في اللغة العربية هو سبق واجتهاد، ولكن لا يمكن الركون إليه على الإطلاق. وكلمة نَجْل لغةً تعني الإبن والنسل وتستعمل للذكر وليس للأنثى، بينما يقال للفتاة كريمة فلان، وكريمة الرجل أيّ إبنته. وقد وردت الكلمة المخترعة “نجلة” في حكم لإحدى غرف محكمة التمييز، وإذا كانت هيئة المحكمة قد تبنّتها بالإجماع فربّما بَنَت فكرتها على سماع إسم نجلاء الذي يستعمل لدى العامة من الناس من دون ذكر الهمزة، وهو لا يعني إبنة، بل يقصد به الإنسان ذو العينين الواسعتين والحسناوين ذكراً كان أم أنثى على ما تؤكّد المعاجم والقواميس اللغوية.
صحيح أنّ القانون جامد، ولكنْ يمكن تقريبه من الناس إلى حدّ الإمتاع، وعلى الأقلّ، وهذا أضعف الإيمان، المحافظة على روحيته، وليس نسف اللغة أو ابتكار مفردات تسترعي الإبتسام.. والسلام.
* ملاحظة: من القضاة الذين يبدعون في الكتابة باللغة العربية خارج إطار الأحكام والقرارات التي يصدرونها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: وزير الثقافة السابق محمد وسام المرتضى، سانيا نصر، رشا عبد الساتر، وإكرام شاعر.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من مجلة “محكمة” – العدد 53 – تشرين الثاني 2025).
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/12/2



