مقالات

عن اعتكاف المساعدين القضائيين وحقوقهم المهدورة وتعطيل العدالة/خالد مكه

المحامي خالد محمد مكه:
يشهد مرفق العدالة منذ أسابيع إعتكافًا للمساعدين القضائيين أدّى إلى شللٍ واسع في عمل المحاكم، المدنية والجزائية على حدّ سواء، ما انعكس مباشرة على حقوق المتقاضين وحسن سير العدالة، وكرّس واقعًا خطيرًا عنوانه تعطيل حقّ التقاضي وتأجيل البتّ بمصائر الناس.
ولا بدّ، بدايةً ودون أي التباس، من التأكيد بأنّ المطالب المادية للمساعدين القضائيين محقّة، وعادلة، ومشروعة، وأنّ التضامن معها واجب أخلاقي وقانوني في ظل الانهيار المعيشي الذي أصاب العاملين في القطاع العام، ولا سيّما أولئك الذين يشكّلون العمود الفقري لعمل القضاء وانتظامه، والذين من دونهم يفقد القضاء قدرته على الإنتاج مهما توفّرت النصوص والقضاة.
غير أنّ السؤال الجوهري لا يتعلّق بالمطالب، بل بجدوى الوسيلة المعتمدة لتحقيقها، فالاعتكاف ليس قيمة بحدّ ذاته، بل أداة ضغط، تُقاس فعاليتها بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في سلوك من يملك القرار، لا بمدى عدالتها النظرية أو نُبل غاياتها. إمّا أن تُصيب الهدف فتُثمر، وإمّا أن تُفرَّغ من مضمونها فتتحوّل إلى عبءٍ إضافي على الناس، وتفقد معناها كوسيلة نضالية مشروعة.
نحن، بكل وضوح، أمام طبقةٍ سياسيةٍ نهبت أموال شعبٍ كامل على مدى عقود، من دون أن يرفّ لها جفن، بل أمعنت في ذلك نهبًا وتدميرًا، ولم تكتفِ بسرقة المال العام، بل أقدمت على تحويل وتهريب ما تبقّى من أموال المودعين في المصارف، في محاولةٍ مقصودة للقضاء على آخر رمقٍ للمواطن، وعلى جنى عمره ولقمة عيشه، وسط صمتٍ مريب وتواطؤٍ مكشوف لمؤسسات يفترض بها أن تكون حامية للحقوق لا شاهدة على اغتيالها.
فماذا يُنتظر من هكذا طبقةٍ حاكمة؟ وماذا يُنتظر، أيها المواطن، من سلوكٍ يكون لصالحك صادر عن سلطةٍ لم تسأل يومًا عن مصير شعبها، ولا عن قوته اليومي، ولا عن مستقبل أولاده؟
هذه الطبقة التي لم تبالِ بانهيار المجتمع، هل يُعقل أن تُبالي بحقوق الموظفين العموميين، ومنهم المساعدون القضائيون، وهم أصلًا من أبناء هذا الشعب المنهوب والمقهور، ولا يشكّلون بالنسبة إليها سوى أرقام هامشية في معادلة مصالحها؟
من هنا، فإنّ الرهان على حسّها الاجتماعي، أو على تعاطفها، أو على تضرّرها من تعطيل دعاوى المواطنين، هو رهان وهمي. فالسياسيون المتحكّمون بالقرار لا يتقاضون أمام المحاكم، ولا تُمسّ حقوقهم، ولا يتأذّون من تعطيل العدالة، ولا يعيشون نتائج الشلل القضائي اليومية. بل إنّ الاعتكاف الجزئي، بصيغته الحالية، لا يُقلقهم، ولا يضغط عليهم، بل يكتفي بإيذاء المواطن، والمتقاضي، والمحامي، والموظف نفسه، فيتحوّل الضغط من الأعلى إلى الأسفل، بدل أن يكون العكس.
إنّ إعتماد سياسة الاستثناءات، وعلى رأسها إستثناء ملفات الموقوفين، يُشكّل ضربة مباشرة لفعالية الاعتكاف، ويطرح تساؤلًا مشروعًا حول جدوى الاستمرار به بهذه الصيغة. فهذا الاستثناء، مهما حسنت النيّات، يجرّد التحرّك من رمزيته، ويحوّله إلى تعطيلٍ إنتقائي لا يصيب من يجب أن يُصاب، بل يُراكم الخسائر على الفئات الأضعف، من دون أن يلامس مكامن القوّة الحقيقية.
فالاعتكاف، إذا أراد أن يكون منتجًا، يجب أن يُنقل من موقع إيذاء الناس إلى موقع إقلاق أصحاب القرار، ومكمن القوّة الحقيقي لأي تحرّك ضاغط هو حيث يشعر المسؤولون بأنّ إستمرار الأزمة بات عبئًا عليهم، إداريًا وأمنيًا وسياسيًا، لا على المجتمع فقط.
إنّ شمول الاعتكاف، بما في ذلك ملفات الموقوفين، هو جوهر القوّة الفعلي، ونقطة الضغط الحاسمة لأي تحرّك يريد أن يكون مؤثّرًا لا شكليًا، فحين تتراكم الملفات، وتتوقّف محاكمات الموقوفين، وتتعقّد الأوضاع داخل السجون والنظارات المكتظّة أصلًا، لا تبقى الأزمة محصورة في إطار مهني أو نقابي، بل تتحوّل تلقائيًا إلى أزمةٍ عامة تتجاوز جدران المحاكم، ويتحوّل الملف القضائي – السجني إلى مصدر قلقٍ إداري وأمني وسياسي.
وحين تعلو صرخة الموقوفين من حيث لا تريدها السلطة، من داخل السجون، تبدأ الاحتجاجات، وتتصاعد أصوات الموقوفين الذين تُجمَّد ملفاتهم وتُعلَّق مصائرهم، فتتحوّل صرختهم، بما تحمله من فوضى محتملة وقلق أمني، إلى عامل ضغط فعلي لا يمكن تجاهله أو إنكاره. عندها فقط يبدأ الضغط بالوصول إلى مسامع من يعنيهم الأمر، وتخرج الأزمة من كونها شأنًا مهنيًا محصورًا لتصبح عبئًا عامًا لا يمكن تجاهله. لا تعود السلطة قادرة على التعامل مع الاعتكاف كإجراء نقابي عابر، بل تصبح مواجهًا لأزمة تهدّد انتظامها وأمنها، فتُجبَر على السماع بعدما اعتادت الصمم.
نعم، نحن مع صرخة السجون، لكي تصل صرخة المساعدين القضائيين، لا بوصفها مطلبًا فئويًا، بل كجزء من أزمة تهدّد الاستقرار الذي لا تتحرّك هذه السلطة إلّا حين يُمسّ. عندها فقط، يصبح صوتكم مسموعًا، لا لأنّكم على حق – وأنتم كذلك – بل لأنّ تجاهلكم بات مكلفًا.
هكذا تُنتزع الحقوق في وجه سلطةٍ لا تصغي إلّا حين تشعر بالخطر، وهكذا فقط يُعاد توجيه الضغط إلى مكانه الصحيح: من كاهل المواطن الصامت، إلى مكاتب أصحاب القرار.
ليس المقصود دعوة إلى العنف أو التخريب، بل توصيفٌ واقعي لكيفية تفكير السلطة وآليات تفاعلها مع الأزمات. فالصرخة التي تُسمَع هي تلك التي تهدّد الاستقرار الذي يحرصون عليه، أو تضعهم أمام كلفة سياسية وأمنية مباشرة.
أمّا صرخة المواطن الصامت، وحقوقه المعلّقة في أروقة المحاكم، فلم تكن يومًا مصدر إزعاج حقيقي لهم، بل اعتادوا التعامل معها كأمر واقع.
وعندما تتوقّف محاكم الموقوفين بالكامل، ويبدأ هؤلاء بالمطالبة بحقوقهم، وتتّسع دائرة القلق من تداعيات الاستمرار في التجاهل، تصبح المطالب المادية للمساعدين القضائيين موضع بحثٍ جدّي، لا حبًا بهم ولا عدلًا، بل خوفًا من اتّساع الأزمة وخروجها عن السيطرة.
ولكي لا تتشوّه البوصلة، يجب قولها بوضوح، ومن دون مواربة: نحن مع الاعتكاف، لكن مع الاعتكاف المُنتِج، نعم وليكن فقط، اعتكافًا شاملًا، متماسكًا، لا يميّز بين ملف وآخر، ولا يوزّع الأضرار على الناس، فيما تبقى السلطة بمنأى عن أي ضغط فعلي.
أمّا الاعتكاف المبتور، المشروط بالاستثناءات، فهو عبث لا جدوى منه: يُبقي ملفات معلّقة، ويُعطّل أخرى، ولا يحقّق مطلبًا، ولا ينقذ حقًا، بل يُمعن في إرهاق المواطنين، ويترك السياسيين بمنأى عن أي مساءلة.
إنّ الحقوق، في مواجهة سلطةٍ اعتادت تجاهل المطالب المحقّة، لا تُستعاد بالتمنّي ولا بالاستعطاف، بل بالقرار الجريء، والإرادة الصلبة، والضغط الحقيقي. وليس المقصود بذلك العنف أو التخريب، بل وضوح الهدف، ووحدة الأداة، وعدم تفريغ التحرّك من مضمونه.
إمّا اعتكاف شامل دون إستثناءات يُوجِع حيث يجب أن يُوجِع، ويضع السلطة أمام مسؤولياتها، ويصل الضغط إلى حيث يجب أن يصل،
وإمّا لا اعتكاف، لأنّ كلّ ما عدا ذلك، ليس سوى دوران في حلقة مفرغة، وإلحاق الضرر بالناس دون أن يطال من يجب أن يُطال.
فالحقوق لا تُستعاد إلا بالضغط على من يستولي عليها، وليس على من فقدها.
“محكمة” – السبت في 2026/1/31

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.