في مدى قابلية الطعن بمرسوم دعوة الهيئة الناخبة أمام مجلس شورى الدولة؟/جهاد اسماعيل
الدكتور جهاد اسماعيل*:
بعدما صدر مرسوم دعوة الهيئة الناخبة تطبيقاً لأحكام المادة ٤٢ من قانون الانتخاب(2017/44)، أُثير التساؤل، بمعرض طرح الإشكالات عليه، حول طبيعة هذا المرسوم لجهة ما اذا كان يمكن الطعن به أمام مجلس شورى الدولة عملاً بمنطوق المادة ١٠٥ من نظام مجلس شورى الدولة، أم لجهة اعتباره من عداد الأعمال الحكومية التي تتحرّر، أصلاً، من المشروعية الداخلية والخارجية.
وهذا التساؤل نشأ، بطبيعة الحال، جرّاء تردد مجلس شورى الدولة حيال طبيعته، بحيث كان المجلس يعتبره من الأعمال التمهيدية، وغير المنفصلة عن العملية الانتخابية، الا في حال وجود نص قانوني صريح يوليه النظر في عمل تمهيدي معيّن، سنداً إلى نظرية شمولية أو “توحيد الصلاحيات” ما دام أن هناك هيئة قضائية خاصة تنظر، أساساً، في صحة الانتخابات كأعمال أصلية، واستطراداً في مرسوم دعوة الهيئة الناخبة كأعمال متصلة بها، قبل أن ينقلب مجلس شورى الدولة على هذا المنحى، ويعتبر، في قرار رقم 1998/746، بأن “مرسوم دعوة الهيئة الناخبة لا يدخل ضمن فئة المراسيم التنظيمية، كما لا يدخل في فئة الأعمال الحكومية، حيث استقر الإجتهاد على اعتبارها منفصلة عن العملية الانتخابية”، مما يعني أن المجلس، في هذا القرار، حسم مسألتين: الأولى تتمثل في اعتبار دعوة الهيئة الناخبة أعمالاً منفصلة عن العملية الانتخابية، أيّ أعمال إدارية تقبل الطعن أمام مجلس شورى الدولة كمحكمة ادارية تنظر في القضايا الادارية بموجب المادة ٦٠ من نظام مجلس شورى الدولة، أما المسألة الثانية فتكون في اخراج هذه الأعمال من دائرة المراسيم التنظيمية، وهذا الموقف يعني اجازة امكانية طلب وقف تنفيذها، على اعتبار أن الفقرة الأخيرة من المادة ٧٧ من نظام المجلس حظّرت وقف تنفيذ المراسيم التنظيمية، بحيث إن طلب وقف التنفيذ صار ممكنا فور توافر شروط المادة ٧٧، ثم عاد المجلس ليؤكد مجدداً، في قرار رقم 2012/718، صلاحيته في النظر بقانونية هذا المرسوم، وبالتالي اعتباره من الأعمال المنفصلة عن الأعمال الانتخابية.
ويصمد هذا التحليل هو أن المجلس الدستوري، في العديد من القرارات، أعلن، بدوره، مبدأ عدم اختصاصه للنظر في قانونية دعوة الهيئة الناخبة كأعمال تمهيدية، وهذا الموقف ينسجم مع أحكام المادة ٢٤ من قانون انشاء المجلس الدستوري لجهة أن المجلس ينظر في صحة نيابة المنتخب بمعرض الطعن الّذي يتقدّم به المرشّح الخاسر، أيّ في صحة نتيجة الانتخاب، لا في الدعوة للإنتخاب، وكذلك ينسجم مع اجتهاد المجلس، وتحديداً في قرار رقم 2009/18 ، حينما حصر دوره في النظر في صحة الانتخاب وصدقيته، وهذا يعني أن المجلس أعلن، في معرض النظر بالطعن، تمسكه بالمعيار المادي لا الشكلي، وهو أمر يفسّر موقف المجلس، في قرار رقم 2000/16 ، الذي أعلن فيه عدم اختصاصه للنظر في دستورية القانون الانتخابي في معرض النظر في صحة الانتخاب كنتيجة طبيعية، برأينا، لطبيعة الرقابة الأصلية في دستورية القوانين خلافاً للنموذج الأميركي، قبل أن يستقر المجلس، في مكان آخر، وعلى سبيل الاستثناء، وفي معرض النظر في صحة الانتخاب حصراً، على إعمال صلاحيته في النظر في الأعمال التمهيدية فور أن تعتريها أعمال تزوير أو غش، بحيث من شأنها التأثير في نزاهة الانتخاب.
وعلاوةً على ذلك، اعتبر مجلس شورى الدولة، في قرار رقم 2001/71، بأن “الاجتهاد الإداري استقر على أن من واجب كلّ السلطات بما فيها القضاء الاداري الإلتزام بمفاعيل أحكام المجلس الدستوري”، وهذا يعني أن المجلس الدستوري عندما أعلن عدم صلاحيته في النظر بالأعمال التمهيدية ومنها دعوة الهيئة الناخبة، وبالتالي اعتبارها من الأعمال المنفصلة عن العملية الانتخابية، فهذا بمثابة إلزام لمجلس شورى الدولة في إعمال صلاحيته للنظر بها، انسجاماً مع أحكام المادة ١٣ من قانون انشاء المجلس الدستوري التي تعتبر قرارات المجلس ملزمة لكل السلطات ومنها السلطة القضائية وتتمتع بقوة القضية المقضية.
جرّاء ما تقدّم، يمكن الطعن بمرسوم دعوة الهيئة الناخبة أمام مجلس شورى الدولة، بوصفها من الأعمال الادارية لا الحكومية أو الانتخابية، بمعزل عن موقفنا من الأسانيد القانونية والدستورية التي يمكن أن يُبنى عليها هذا الطعن، وخلافاً لأيّ تفسير آخر.
* كاتب وأستاذ جامعي متخصّص في القانون الدستوري.
“محكمة” – الاثنين في 2026/2/9



