مقالات

قانون الإنتخاب الحالي عقبة أساسية بوجه الإصلاح الديمقراطي المنشود/ خليل وفارس زعتر

المحاميان خليل زعتر وفارس زعتر:
يتطلَّع اللبنانيون عموماً، ومنهم بالأخص الذين يطمحون إلى إحداث تغيير كامل في الطاقم السياسيّ الذي يحكم لبنان، بطريقة ديمقراطيّة، إلى الإنتخابات النيابية القادمة على أنها المدخل الأساسي والأملُ الوحيد المتبقي لتحقيق هذا الإنقلاب السلمي المنشود.
لكنَّ الإنتخابات على أساس قانون الإنتخاب الحالي الصادر بتاريخ 17 حزيران 2017 والمنشور في عدد الجريدة الرسميّة 27 تاريخ 2017/6/17، لا يمكنها أن تحقِّق ما يتوقُ إليه اللبنانيّون الذين يحلمون بدولة القانون التي تقوم على أسس الحرية والمساواة والعدالة لكلّ فردٍ من أفراد الشعب بصرف النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه أو منطقته أو عشيرته أو نفوذه أو ثروته أو جنسه أو محتده أو سوى ذلك من أنواع التمييز التي تتنافى وتتعارض مع الأسس الجوهرية التي بدونها لا تقوم الدولة الديمقراطية والمتمثّلة بمبدأي الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين.
قانون الانتخاب الحالي هوَ قانون التكتُّلات والأحزاب والقوى الطائفيّة. وقد أنتجَتْهُ “وفصّلَتْهُ” هذه التَّكتُّلات والأحزاب والقوى الطائفيّة لضمانِ استمراريّة إحكامِ قبضتها على السلطة في لبنان، وترسيخ نفوذها فيه. وهوَ قانون يَسُدُّ منافذَ الخروج من مستنقع الطائفيّة والنظام الطائفي وما يتولّد عنهما ويرتبطُ بهما من فساد وزبائنيّة ومحاصصة تمزِّق وحدة البلاد وتدفعها دفعاً نحوَ الشرذمة والتفتُّت والزَّوال. وفضلاً عن ذلك، فإنَّ هذا القانون ينتهك حرَّية المواطن اللبناني، بل يُصادرها. وعجزُ الطَّبقة السياسية الحالية، التي أتت عن طريق هذا القانون، على معالجة الاُزمات السياسيّة والاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة (الخ) التي يتخبّط فيها لبنان، وبصرف النظر عن الجهة أو الجهات المسؤولة عنها، خيرُ دليلٍ على فساده.
ولا بُدَّ لنا، في هذا المجال، من إلقاء الضَّوء على بعض الجوانب اللاديمقراطية لهذا القانون وسخافته، معتمدين كمثالٍ عمليّ على الانتخابات التي جرت على أساسه في 6 أيار عام 2018 في منطقة البقاع الأوسط (دائرة زحلة). وهذا المثال ينطبق حتماً على جميع المناطق اللبنانية الأخرى. ولن نتصدى في عجالة كهذه لتفاصيل مملّة تتعلق بكيفية احتساب ما يُسمَّى بـ “الحاصل الانتخابي”، ومراحل تصفية احتساب ما يُسمى “بالأصوات التفضيلية”؛ كما لن نتصدّى لمسألة اقتراع المغتربين التي يدور حولها اللغط حالياً، بل سينصب اهتمامنا على عناصر هذا القانون الأساسية التي تظهرُه على حقيقته اللاديمقراطية.
أولاً: يُفترض بقانون إنتخاب ممثلّي الشعب أن يكونَ بحدٍّ أدنى مفهوماً من الشعب. لكنَّ قراءة نصوص أحكام قانون الانتخاب الحالي تظهرُ أنه يصعبُ حتى على المحامين من ذوي الخبرات الطويلة فهمها. وهذا ما دفع وسائلَ الإعلام، التلفزيونية منها بالأخصّ، إلى الاستعانة بخبراء من العاملين في حقل الإحصاء واستطلاعات الرأي العام لشرحها. ولا نظنُّ أن الشَّعب بسوادهِ الأعظم قد فهم أو تفَّهم أو اقتنع بأحكام قانون الانتخاب. وخيرُ دليلٍ على ذلك هوَ أنه من أصل عدد الناخبين في دائرة زحلة البالغ 493,411 ناخباً لم يقترع إلاّ ما يقارب خمسهم أي 94,082 مقترعاً، وقد بلغ عددُ الأوراق الباطلة 2,414 ورقة. فانخفاضُ عدد المقترعين من جهة، وارتفاعُ عدد الأوراق الباطلة من جهةٍ أخرى، دليلٌ قاطع على أن النّاخبين لم يستوعبوا أحكامَ قانون الانتخاب، أو على الأقل طريقة الاقتراع التي نصَّ عليها.
ثانياً: إنَّ قانونَ الانتخاب يفرضُ على المرشَّحين بموجب المادة 52 منه “أن ينتظموا في لوائح قبل أربعين يوماً من موعدِ الانتخابات كحدٍ أقصى ولقد رأينا، استكمالاً للفائدة، أن ندرج النصّ الحرفي لهذه المادة في حاشية في نهاية المقال كنموذج لطريقة صياغة بعض الأحكام الأساسية لهذا القانون، كدليل إضافي على ما ذكرناه في الفقرة السابقة*.
ثالثاً: وإذا كان قانونُ الإنتخاب الحالي يُصادِر حريّة المرشَّح بخوض الانتخاب منفرداً ويفرض عليه فرضاً أن ينتظِمَ في لائحة، فإنَّه، من جهة أخرى، يُصادِرُ حرّية النَّاخب إذ يفرض عليه فرضاً أيضاً أن يقتَرِعَ للائحة واحدة من بين اللوائح المتنافسة، “إذ يحقّ له الاقتراع بصوتٍ تفضيلي واحد لمرشحٍ واحد من الدَّائرة الانتخابيّة الصُّغرى من ضِمن اللاّئحة التي يكونُ قد اختارها”، مثلما تنصّ المادة 98 من القانون المذكور. وهذا يعني:
(أ) أنَّ النّاخب مكرهٌ على انتخابِ مرشَّحينَ، تضُمّهم اللائحة التي اقترع لها، لا يثق بهم، ولا يحترم آراءهم، ولا يؤمنُ بنـزاهتهم، كل ذلك لأنه اختار واحداً منهم بصوته التفضيلي.
(ب) وهذا يعني، من جهةٍ ثانية، أنَّ النَّاخب صودرَتْ حُرّيته في انتخاب مرشحين آخرين يثقُ بهم ويؤمنُ بنـزاهتهم وكفاءتهم تضُّمُّهم لوائح أخرى غير اللائحة التي اقترع لها بسبب ما سُمِّيَ بالصوت التفضيلي الذي أدلى به لمصلحة أحد المرشحين لأسبابٍ قد تكون طائفيّة أو حزبيّة أو الاثنين معاً أو لأسباب أخرى منها ما قد يتعلّق بالصّداقة التي تربطه بالمرشَّح الذي اختاره بصوتهِ التفضيلي، وأحياناً، وبكلِّ أسف لأنه باعَ صوتَه لهُ، وبعمله هذا باع ضميره (غير الموجود) ووطنه (الذي لا يعرف معناه الحقيقي حتماً).
(ج) كما أنه يعني، من جهةٍ ثالثة، حصول ما هوَ أكثر من التنافس بين اللوائح المختلفة، بل حصول تنافس داخل اللائحة الواحدة يبلغ حدَّ “التخوين”، والطعن في الظهر بين بعض أعضائها سعياً، لحصول هذا المرشح أو ذاك فيها على الصوت التفضيلي على حساب مرشَّح آخر له حظ أيضاً بالحصول على هذا الصوت. وهذا بُظهرُ بجلاء أكذوبة إنتظام المرشحين في لوائح. فهذه اللوائح خالية من روح التعاضد والتعاون. والوصف الأكثر دقة لها أنها “لوائح الذئاب المتربّصة ببعضها بعضاً”.
رابعاً: إنَّ النتائج العملية التي أدَّى إليها قانونُ الانتخاب الحالي في الانتخابات التي جرت على أساسه في دائرة زحلة عام 2018 هيَ نتائج مضحكة ومهينة لفكرة الديمقراطية والتمثيل الشعبي العادل. فالمرشَّح الأرثوذكسي، مثلاً، في “لائحة زحلة قضيتنا”، السيّد قيصر نعيم رزق المعلوف، نال 3,554 صوتاً بينما نال منافِسُه في “لائحة زحلة للكل” على المقعد الأرثوذكسي نفسه، المهندس أسعد شارل نكد 4,138 صوتاً، أي بزيادة 584 صوتاً. ومع ذلك، وعملاً بأحكام قانون الانتخاب، فاز السيّد قيصر المعلوف ورسب المهندس أسعد نكد. لكنَّ الصورة الأفظع لعدم ديمقراطية هذا القانون وسخافته المضحكة تتجلّى بفوز المرشح السيّد إدي بوغوس دمرجيان من “لائحة زحلة الخيار والقرار” عن طائفة الأرمن الأرثوذكس، بـ 77 صوتاً بينما رسبت المرشحة عن المقعد نفسه في “لائحة زحلة للكل” السيّدة ماري جان كريكور مهران بيلازكجيان رغم نيلها 3,851 صوتاً، أي بزيادة 3774 صوتاً عن المرشَّح السيّد إدي بوغوس دمرجيان الذي فاز بـ 77 صوتاً عن المقعد المشار إليه.
خامساً: لا يوجد أي منطق ديمقراطي مُقنع لإسقاط اللائحة التي لم تنل “الحاصل الانتخابي” بأكملها من الحسبان، ولو كان عدد المقترعين لها يقارب الحاصل الانتخابي، وعدم الاعتداد حتى بالمرشحين المنتظمين فيها الذين يمكنُ أن يكون قد نال واحدٌ أو أكثر منهم عدداً من الأصوات يفوق عدد الأصوات التي نالها مرشحٌ في لائحة حازت الحاصل الانتخابي.
سادساً: وزبدة القول، إنَّ الإصلاح المنشود الذي تتطلع إليه الفئات الواعية المستنيرة من الشعب اللبناني لا يمكن أن يتحقق عن طريق قانون الإنتخاب الحالي. والأفضل اعتماد قانون انتخاب آخر يترك للمرشحين الحرية المطلقة في خوض الانتخابات كأفراد مستقلين ويترك لهم أيضاً الحرية الكاملة في تأليف لوائح غير ملزمة للناخبين؛ كما يترك من جهة أخرى الحرية المطلقة أيضاً للناخب إلى أي طائفة انتمى في أن ينتخب المرشح المستقل، أو أن ينتقي أيَّ مرشَّح يثقُ بوطنيته ونزاهته ومؤهلاته من أي لائحة من اللوائح المتنافسة وبصرف النظر عن طائفة المرشح أو مذهبه أو حزبه.
وإذا كان النِّظام الدُّستوري الحالي في لبنان ما زال يفرض التمثيل الطائفي في مجلس النواب، فإن قانون الانتخاب يجب أن يترك للناخب إلى أي طائفة انتمى وحتى لو لم ينتمِ إلى أي طائفة، حريّة اختيار المرشح الذي يراه مناسباً لإحداث التغيير الديمقراطي الواجب التحقيق في الانتقال من النظام الطائفي المافيوي إلى نظام مدني يضمن لجميع أفراد الشَّعب الحرّية والمساواة في الحقوق والواجبات في ظل قوانين عادلة وبواسطة قضاء مستقل عادل.
وفي هذا المجال نقترح العودة إلى اعتماد النِّظام الانتخابي الأكثري الذي اعتاد اللبنانيون على ممارسته على مدى قرنٍ من الزمان، وعلى أساس القضاء. ذلك أن الناخب اللبناني يُثَمِّن الصِّلات الشخصية المباشرة بممثله في المجلس النيابي.
وإذا كانَ ثمّة إصلاح مُقترح لهذا النظام الأكثري فإن هذا الإصلاح يمكن أن يتمّ عن طريق اعتماده على دورتين. فيخوض الانتخابات في دورة ثانية من لم يحصل على عدد من الأصوات يفوق نصف عدد المقترعين على الأقل في الدورة الأولى، ويفوز في الدورة الثانية من يحصل على نسبة أكبر من سواه من عدد المقترعين.
ولا بُدَّ لنا أخيراً من الإشارة إلى أن القوانين وحدها لا تكفي لتحقيق التمثيل الديمقراطي الأمثل. فالانتخابات النيابية في لبنان لم تكن في يومٍ من الأيام نزيهة أو شفّافة بوجود الميليشيات المسلّحة أو المقنّعة، أو بوجود من يُسمونهم “أزلام” “الزعيم” أو “البيك”، أو بممارسة جريمة شراء الضمائر وتواطؤ السلطة التنفيذية المشرِفة على الانتخابات وانحيازها، وجبانة اللجان أو المحاكم الناظرة في الطعون الانتخابية لتصحيح الخلل الحاصل، كل ذلك في ظلِّ غياب رأيٍ عام مستنير متحرر، الذي من دونه لا يمكن أن تقومَ الدَّولة الحقّة، دولة الحريّة والكرامة والأحرار، لا دولة الأسياد والعبيد والقطعان البشرية الذليلة.
هامش:
* تنصّ المادة 52 على ما يلي:”يتوجّب على المرشّحين أن ينتظموا في لوائح قبل أربعين يوماً كحدٍ أقصى من موعد الانتخابات، على أن تضم كل لائحة كحدٍ أدنى 40 % (أربعين بالماية) من عدد المقاعد في الدائرة الانتخابية بما لا يقل عن 3 مقاعد، وعلى أن تتضمن مقعداً واحداً على الأقل من كل دائرة صغرى في الدوائر المؤلّفة من أكثر من دائرة صغرى، ويعتمد الكسر الأكبر في احتساب الحد الأدنى في الدوائر ذات المقاعد المفردة.
تتحمل اللائحة مسؤولية عدم استيفاء مقعد يعود لها ولم ترشّح أحداً عنه ويحوّل المقعد لصاحب أعلى الأصوات التفضيلية في اللوائح الأخرى في الدائرة الصغرى ومن الطائفة التي نقص فيها العدد.
على الوزارة أن تحترم الترتيب التسلسلي للأسماء الواردة في اللوائح التي بموجبها انتظم المرشحون في الدوائر الصغرى، ولا يُعتد بانسحاب أي مرشح من اللائحة بعدَ تسجيلها، كما عليها أن تتقيد بترتيب اللوائح على ورقة الاقتراع وفقاً لتاريخ تسجيلها.تلغى طلبات المرشحين الذين لم ينتظموا في لوائح وفقاً لنص هذه المادة.”
“محكمة” – الجمعة في 2021/12/17

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!