قراءة دستورية في مفاعيل توجيه رئيس الجمهورية رسالة إلى مجلس النواب/ جهاد اسماعيل
الدكتور جهاد اسماعيل*:
بعدما تصدّرت المشهد السياسي مطالبةُ فريقٍ سياسيٍّ معيّن لرئيس الجمهورية بتوجيه رسالة إلى مجلس النواب لحضّه على إجراء التعديلات على قانون الانتخاب، يُثار التساؤل حول موقف الدستور من هذا المنحى، وعن المفاعيل التي يمكن أن ترتّبها هذه الرسالة في ما لو صدرت، على اعتبار أن هذه الصلاحية من الصلاحيات الكلاسيكية لرئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية:
– من الثابت أن توجيه رسالة إلى مجلس النواب حقّ دستوري كرّسته الفقرة العاشرة من المادة ٥٣ من الدستور عندما تقتضي الضرورة، أيّ عندما يقدّر رئيس الجمهورية الظرف الذي يجده مناسبًا لتوجيه رسالة إلى مجلس النواب، عندئذٍ يجب على رئيس مجلس النواب، وفق المادة ١٤٥ من النظام الداخلي لمجلس النواب، أن يدعو المجلس للإنعقاد خلال مهلة ثلاثة أيام، فإذا كانت الرسالة مباشرة، أيّ في حالة حضور رئيس الجمهورية شخصيًا، يستمع المجلس للرسالة ويرفع رئيس المجلس الجلسة لمدة ٢٤ ساعة، على أن تستأنف بعدها الجلسة لمناقشة مضمون الرسالة لاتخاذ الإجراء أو القرار المناسب، والعلّة من تتالي الجلسات، في هذه الحالة، هي، برأينا، أنّ رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسيًا أمام البرلمان إلّا عند خرقه للدستور أو في حال الخيانة العظمى، ممّا يفسّر حظر مناقشة الرسالة بحضور رئيس الجمهورية، بهدف تفادي توجيه ملاحظات نيابية لرئيس الجمهورية فور ممارسته لحقه الدستوري، في حين أنّ المسؤولية لا تقوم إلّا وفق الحالات السالف ذكرها، أيّ عندما يمارس واجبه بطريقة تخالف الدستور وما يقع في منزلة هذه المخالفة، تبعًا للطبيعة البرلمانية للنظام السياسي في لبنان من الناحية المبدئية، حيث يُلزم مسؤولية الحكومة السياسية وحدها أمام المجلس النيابي.
أما اذا كانت الرسالة موجّهة بواسطة رئيس المجلس، فيناقش المجلس الرسالة خلال مهلة ٣ أيام لاتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب، مما يعني أن صلاحية رئيس مجلس النواب، فور توجيه الرسالة الرئاسية، مقيّدة، أيّ لا مجال للإستنساب في توجيه الدعوة أو عدم توجيهها.
– للدلالة على القوة الإلزامية لرسالة رئيس الجمهورية الموجهّة للمجلس النيابي جاء حرفيًا في قرار للمجلس الدستوري، رقم 2019/23، ما يلي: “إنّ الفقرة الأخيرة من المادة ٨٠ – من القانون رقم 2019/144 – على الرغم من عدم انسجامها مع الدستور تثير موضوعًا شائكًا مرتبطًا ولو بصورة غير مباشرة بتفسير المادة ٩٥ من الدستور. وأن رئيس الجمهورية أرسل الى المجلس النيابي طلبًا – أيّ رسالة – يرمي الى تفسير المادة ٩٥ من الدستور، وبما ان المجلس النيابي أصبح واضعًا يده على الموضوع فجرى تحديد موعد جلسة لتفسير المادة ٩٥ في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ لذلك لم يقضِ المجلس الدستوري بإبطال الفقرة الأخيرة من المادة ٨٠”، يستشف من القرار أن رسالة رئيس الجمهورية – آنذاك – في شأن طلبه في تفسير المادة ٩٥ تُلزم المجلس في وضع يده على الملّف وبالتالي تفسير المادة من دون ابطاء، مما يعني أن المجلس الدستوري أكّد اجتهادًا مفاده بأن توجيه رئيس الجمهورية للرسالة لا يُلزم المجلس النيابي في مناقشتها فحسب، انما يُلزمه أيضًا في حسم الموقف وفق ما جاء في مندرجات المادة ١٤٥ من النظام الداخلي للمجلس النيابي، وبما أن القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري، وفق المادة ١٣ من قانون انشاء المجلس الدستوري، ملزمة لجميع السلطات بما فيها المجلس النيابي، فيعني أن هذا الإلزام الدستوري ينضمّ إلى قائمة النصوص الملزمة للمجلس في مناقشة رسالة رئيس الجمهورية واتخاذ الموقف في شأنها.
– إنّ الرسالة الرئاسية ، برأينا، ليست شيئًا مقصودًا لذاته، بل هي وسيلة للتعبير عن موقف دستوري لإحداث أثر قانوني معيّن وفي موضوع محدّد ، اذ يُستفاد من النظام الداخلي لمجلس النواب أن هناك مواد اعتمدت صيغة القرار في الموضوعات الآتية: رفع الحصانة النيابية( المادة ٩٤)، انشاء لجنة تحقيق برلمانية ( المادة ١٤٣)، اتخاذ القرار المناسب إثر توجيه رسالة من قبل رئيس الجمهورية للمجلس النيابي ( المادة ١٤٥)، مما يعني أن القرارات التي يصدرها مجلس النواب هي ملزمة في كلّ مرّة تندرج ضمن الحالات التي أوردها النظام الداخلي صراحةً بصيغة “قرار” ، وبالتالي كلّ ما لا يدخل في هذا الإطار هو غير ملزم لأنه يشكّل توصيةً، بدليل أن المادة ٨٧ جاء فيها أنه “يجري التصويت على التوصيات والقرارات وسائر المواضيع غير الواردة في المواد السابقة بطريقة رفع الأيدي”، لذلك إنّ هذا النص يميّز بين التوصيات والقرارات، وهو تأكيد على القوة الإلزامية للقرارات خصوصا تلك الواردة في الحالات السالف ذكرها، بخلاف التوصيات التي تعبّر، في نهاية المطاف، عن موقف أو تمنّي للمجلس تجاه المخاطبين بها، وبالتالي لأن أثر رسالة رئيس الجمهورية مرتبط بقرار يصدر عن الهيئة العامة وفق المادة ١٤٥ – أيّ ضمن الحالات التي ذكرها النظام الداخلي – فهذا يعني أن صدور قرار عن مجلس النواب حيال التعديلات الواردة على قانون الانتخابات – سلبًا أم ايجابًا – يُلزم المجلس والحكومة في آنٍ بالمنحى الذي ذهب اليه القرار المنشود سواء في الشروع إلى تعديل قانون الانتخاب أو في الإمتناع عن التعديل، ما لم يكن موقفها – أيّ الهيئة العامة للمجلس – مقتصرًا على ابداء الرغبات بمعرض مناقشة رسالة رئيس الجمهورية المفترضة، كأن يشير الموقف إلى العبارة الآتية : “نحثّ الحكومة على اجراء الانتخابات في موعدها، ونتمنّى من الزملاء – أيّ النواب – تعديل القانون المطروح إن وجدوا ذلك ضروريًا” انطلاقًا من أن نصّ المادة ١٤٥ ترك للهيئة العامة هامشًا في منهجية التعامل مع الرسالة بمفروض عبارة “اتخاذ الإجراء أو الموقف أو القرار المناسب” ، وعلى ذلك إنّ صدور قرار عن الهيئة العامة، بمعرض الإستجابة مع الرسالة، يُلزم المخاطبين به، وفي مقدمتهم الهيئة العامة فور أن تقرّر الأخيرة، بموجب الأكثرية، الموافقة على ما جاء في مضمون رسالة رئيس الجمهورية، بموازاة تقرير الهيئة العامة برفض مضمون رسالة رئيس الجمهورية من شأنه أن يُسقط امكانية التعديل على قانون الانتخاب في حينها .
– يُرّد على الذين يجرّدون القيمة الإلزامية للقرارات – خلافًا للقوانين بحسب زعمهم – بمسألتين، الأولى أن رفع الحصانة، على سبيل المثال لا الحصر، يُتخذ بقرار رتّب النظام الداخلي أثره الملزم في سائر المواد وذلك انفاذًا للمادة ٤٠ من الدستور، أما المسألة الثانية التي تدلّل على القيمة الإلزامية للقرارات هو أن الدستور اللبناني ميّز بين القرارات والقوانين، وذلك تحديدًا في المادة ٣٤ (تتخذ القرارات بغالبية الأصوات) وفي المادة ٣٦ (أما في ما يختص القوانين فإنّ الآراء تعطى بالمناداة)، وهذا التمييز يؤكد بأن مجلس النواب يمارس دورًا تقريريًا بموازاة الدور التشريعي، ذلك أن وظيفة مجلس النواب، كما يظهر في سائر المواد، لا تقتصر على التشريع، بل تطاول الرقابة والانتخاب والتقرير، وبالتالي كلّ صلاحية يمارسها المجلس في تلك الحقول هي ملزمة، وإلا صار ممكنا القول – خلافًا للمنطق – أن العملية الانتخابية أو الرقابية غير مقترنة بصفة الإلزام بمجرد أنها تخرج عن نطاق التشريع!
– ما يعزّز هذا المنحى من التحليل هو أن المجلس الدستوري الفرنسي في قرار صادر بتاريخ ٢٤ حزيران ١٩٥٩، اعتبر أن “النظام الداخلي لا يمكن أن يعطي لقرارات الجمعية الوطنية إلا مفعولًا ينحصر بالتدابير الداخلية باستثناء تلك القرارات التي ينص عليها الدستور أو القوانين العضوية المتممة للدستور” ، وهو قرار يؤكد بأن الموضوعات التي تقترن بصيغة قرار، ويلحظها الدستور في مواد، ثم يأتي النظام الداخلي ليكمّلها أو يفسّرها، فتشكّل أثرًا يتمتّع بصفة الالزام يتعدى نطاق المجلس النيابي، في حين أنه لو سلّمنا جدلًا بأنّها تعدّ من التدابير الداخلية فتكون، في الحد الأدنى، ملزمة لمجلس النواب وحده، كما لو اتخذ مجلس النواب قرارًا بإحالة مشروع قانون معيّن إلى لجنة مختصة، وهكذا.
– علاوةً على ذلك، يعتبر العلّامة “أوجين بيار” – وهو أحدّ أهم شُرّاح دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة – أن “القرارات التي لا تتعلق بالتدابير الداخلية لعمل البرلمان هي أشبه بالرغبات” ، مما يدّل على أن كلّ تدبير داخلي يتخذه مجلس النواب بناءً على النظام الداخلي، هو لا يشكّل رغبةً أو توصية، بل يعتبر قرارًا ذا قيمة ملزمة، وبالتالي يُلزم مجلس النواب نفسه بموجبه، تمامًا كما لو اتخذ قرارا في شأن الرسالة الرئاسية، ما لم يتجه مجلس النواب إلى حصر موقفه ضمن إطار الرغبات أو التمنيات، عندئذٍ تكون الهيئة العامة قد عبّرت عن موقفها المناسب وفق منطوق المادة ١٤٥ من النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني، الأمر الذي يجيز الاستنتاج بأن في مقدور الهيئة العامة إما ابداء موقفها بالرغبة، أو بالإفصاح عن إرادتها الآمرة بقرار، انطلاقًا من أن المادة ١٤٥ من النظام الداخلي لم تحصر مفعول المناقشة على القرار، بل أجازت اتخاذ الإجراء أو الموقف المناسب.
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أن المشرّع لم يُعطِ رئيس الجمهورية الحقّ في توجيه رسالة للبرلمان إلّا لأنّه يتمتّع بصفة تحكيمية بموجب الفقرة الأولى من المادة ٤٩ من الدستور؛ تخوّله – على أثرها – النطق بكلمة الحكم بين السلطات أو في داخلها، لئلا يرزح الحكم في آتون الحلقة المفرغة، علمًا أن هذه الصلاحية تدخل في دائرة الاستنساب لا في إطار الإلزام، وبالتالي إنّ ممارستها ترتّب التزامًا على المجلس إن لزم نفسه بمضمونها بصيغة “قرار” ضمن قواعد وجوبية لا تخييرية.
* كاتب وأستاذ جامعي متخصّص في القانون الدستوري.
“محكمة” – الخميس في 2026/1/1



