أبحاث ودراسات

قراءة في مضمون قرار قاضي العجلة في صور ريان العاكوم: قانون تعليق المهل لا يمنع تثبيت الأجل التعاقدي رغم الظروف الاستثنائية/جاد طعمه

المحامي الدكتور جاد طعمه:
أولاً: أهمية القرار ما بعد حرب 2024
صدر القرار حول علاقة تعاقدية حرة ما بين مؤجر ومستأجر محددة الأجل لدراسة مفاعيل الأعمال الأمنية المرتبطة بحرب العام 2024 على العقد في ظل تراكم غير مسبوق لقوانين تعليق المهل التي شهدها لبنان منذ عام 2019، واتساع نطاقها خلال الأزمات المتلاحقة صحياً، إقتصادياً وأمنياً.
هذا التراكم وإن كان مبرّراً إلا أنه أحدث ارتباكاً قانونياً واسعاً لا سيما وأنه أثار في الأذهان مسائل خلطت بين: تعليق المهل الإجرائية، تعليق الآجال التعاقدية، تعليق تنفيذ الالتزامات ومدى امكانية انقضاء العقد ذاته بانتهاء مدته.
في هذا السياق يكتسب القرار موضوع التعليق أهمية مضاعفة، لأنه لا يكتفي بحسم نزاع إخلاء، بل يعيد رسم الحدود بين الاستثناء التشريعي والقاعدة التعاقدية واضعاً إطاراً واضحاً لمسألة توزيع مخاطر القوة القاهرة في عقود الإيجار.
ثانياً: وقائع النزاع
يتبيّن من مراجعة القرار أن النزاع ما بين المالك والمستأجر نشأ بعد انتهاء المدة المنصوص عليها صراحة في العقد، وتذرع المستأجر صاحب المشروع الاستثماري استمرار اجارته وبالتالي حقه في إشغال المأجور سنداً لقوانين تعليق المهل ولتوافر الظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان التي أدت إلى إقفال مؤسسته خلال فترة معينة.
المؤجر، بالمقابل، تمسك بانتهاء العقد حكماً بحلول أجل العقد معتبراً أن استمرار الإشغال يعتبر تعدياً واضحاً على الحقوق المشروعة مطالباً بالإخلاء الفوري للمأجور وطالباً الحكم له بسلفة وقتية.
ثالثاً: الإشكاليات القانونية التي عالجها القرار
1. هل تمتد قوانين تعليق المهل إلى الآجال التعاقدية؟
2. هل تؤدي الظروف الاستثنائية إلى إطالة مدة العقد المحدد؟
3. من يتحمل تبعات القوة القاهرة في عقد الإيجار؟
4. هل يشكل البقاء بعد انتهاء الأجل تعدياً واضحاً يبرر تدخل قاضي العجلة؟
5. ما الأساس القانوني للسلفة الوقتية بعد انتهاء العقد؟
رابعاً: اشتراط النص التشريعي الصريح لتعليق الآجال التعاقدية
أحد أهم المرتكزات التي يكرّسها القرار، هو أن الآجال التعاقدية لا تُعلَّق أو تُمدَّد إلا بنص تشريعي واضح وصريح يحسم هذه المسألة.
فالأصل في القانون أن النصوص الاستثنائية تُفسَّر تفسيراً ضيقاً، وقوانين تعليق المهل بوصفها استثناءً من القواعد العامة لا يجوز التوسع في تطبيقها أو القياس عليها. وبالتالي إذا لم ينص القانون صراحة على تعليق مدة العقود فلا يجوز الاجتهاد بتوسعة نطاقه ليشمل الأجل التعاقدي.
إن هذا التحديد يمنع الانزلاق إلى قراءة توسعية تجعل من كل ظرف استثنائي سبباً ضمنياً لتمديد العقود في الزمن.
خامساً: الإرادة أساس العقد في غياب النص
حسم القرار مسألة أنه في غياب نص تشريعي صريح تبقى الإرادة المشتركة للمتعاقدين هي مصدر الشريعة الحاكمة للعلاقة ما بينهما، فالعقد المحدد المدة ينتهي بانقضاء أجله، ومدة العقد ليست مجرد مهلة إجرائية بل عنصر جوهري في تكوين الالتزام.
القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية، من حيث المبدأ، تؤثر على إمكانية التنفيذ أو على التوازن الاقتصادي للعقد لكنها لا تمدد الأجل تلقائياً ولا تُنشئ حقاً بالبقاء بعد انتهاء المدة ما لم يحصل توافق صريح على ذلك.
بهذا التوّجه يُعيد القرار الاعتبار لمبدأ سلطان الإرادة مؤكداً أن الاستثناء لا يُفترض إجتهاداً بل للعمل بالاستثناء فلا بد من توافر نص تشريعي صريح العبارة.
سادساً: توزيع تبعات القوة القاهرة في عقد الإيجار
من النقاط الدقيقة التي يثيرها القرار ولو ضمناً، مسألة من يتحمل تبعات القوة القاهرة في عقود الإيجار.
حرب 2024 وما رافقها من ظروف أمنية أثّرت على النشاط الاقتصادي وأدت في حالات كثيرة إلى إقفال المحال والمؤسسات التجارية. إلا أن التساؤلات الجوهرية التي تُطرح: هل يؤدي توقف النشاط إلى نقل عبء الخطر إلى المؤجر؟ أم يبقى خطر الاستثمار منوطاً بالمستأجر؟
القرار، عملياً يحمّل المستأجر تبعة الظرف الاستثنائي طالما أنه لم يثبت استحالة مادية مطلقة ولم يتوصل إلى اتفاق مع المؤجر ولم يسلك مسلكاً قانونياً لإعادة التفاوض أو فسخ العقد قبل انتهاء مدته. ولأن عقد الإيجار غير السكني بطبيعته مرتبط باستثمار تجاري، فإنّ مخاطر الربح والخسارة تقع في الأصل على عاتق المستثمر (المستأجر) لا على مالك العقار، ما لم يتفق الطرفان على توزيع مختلف للمخاطر.
وهذا لا يمنع من وجوب التعمق في البحث لمن شاء من خلال التمييز بين نظرية الظروف الطارئة ونظرية القوة القاهرة، فالقرار موضوع التعليق تعامل مع المسألة المثارة أمامه من زاوية “مخاطر الاستثمار” من أجل التوصل الى تكريس وجوب تنفيذ الموجبات التعاقدية تماماً كما تم التوافق عليها ما بين الطرفين.
هذه المسألة تستدعي تنبهاً مستقبلياً، إذ قد يكون من الضروري إدراج بنود صريحة في العقود التجارية تنظم أثر القوة القاهرة على مختلف بنود التعاقد ومنها تأثيرها على الأجل المحدد للعقد، ومدى إمكانية تمديده أو تعليقه، ووضع آليات لإعادة التفاوض عند حصول أحداث تتصف بالظروف الاستثنائية.
القرار موضوع التعليق وإن لم يخض في هذه التفاصيل النظرية، يسلّط الضوء عليها بوضوح عملي.
سابعاً: اختصاص قاضي الأمور المستعجلة في محله الصحيح
بعد حسم القرار لمسألة انتهاء الأجل وتحميل المستأجر تبعات الظروف الاستثنائية في غياب نص أو اتفاق يصبح البقاء في المأجور إشغالاً دون مسوغ.
هنا يبرز دور قاضي الأمور المستعجلة، الذي يعمل وفقاً للمعطيات القانونية المتوافرة، ظاهر الأمور، والحق الواضح غير المثير لنزاع جدي. فطالما أن تاريخ انتهاء العقد ثابت ولم يثبت وجود تجديد أو نص يعلّق الأجل فإن النزاع لا يتعلق بأساس الحق بل بإزالة تعدٍّ ظاهر.
ربط اختصاص قاضي العجلة بهذه المعطيات جاء في مكانه القانوني الصحيح، إذ لم يتجاوز حدود سلطته ولم يفصل في نزاع تعاقدي معقّد بل اكتفى بترتيب الأثر القانوني الطبيعي لانتهاء أجل العقد المحدد بالاتفاق ما بين المالك والمستأجر.
ثامناً: السلفة الوقتية كأداة لرفع الضرر
مع توافر صلاحية قاضي العجلة، تتوافر أيضاً إمكانية رفع الضرر الآني.
الحكم بسلفة وقتية عن بدل الإشغال ليس تعويضاً نهائياً، بل إجراء تحفظي يهدف إلى منع تفاقم الضرر وموازنة مركز الطرفين كما ضمان حد أدنى من العدالة الوقتية.
بذلك يكون القرار قد ربط بين ثبوت التعدي الظاهر ووجوب رفعه عبر جبر الضرر المؤقت الناتج عنه. وهذا ينسجم تماماً مع وظيفة القضاء المستعجل في حماية الحق الظاهر دون المساس بالأساس.
خاتمة
إن قرار قاضي الأمور المستعجلة في صور يتجاوز حدود نزاع فردي ليطرح أسئلة جوهرية حول مدى امتداد قوانين تعليق المهل وحدود تأثير القوة القاهرة على الأجل التعاقدي دون اغفال توزيع المخاطر في عقود الإيجار غير السكنية ودور القضاء المستعجل في إعادة التوازن عند وضوح الحق.
في مرحلة ما بعد حرب 2024 حيث تتداخل الاستثناءات التشريعية مع هشاشة الواقع الاقتصادي، يُشكّل هذا الحكم محاولة واضحة لإعادة ضبط الإطار القانوني، مكرساً لاءات ثلاث: “لا تعليق للأجل التعاقدي دون نص صريح. لا تمديد للعقد دون توافق. لا نقل لمخاطر الاستثمار إلى المؤجر بغير سند”.
إن هذا القرار يساهم في إعادة بناء الثقة التعاقدية ومنح الاستقرار للعلاقات ما بين الأطراف واضعاً حدوداً للاستثناءات وآلية العمل بها وتفسيرها فمنع فتح الباب للتذرع القانوني بالظروف الاستثنائية للانقلاب على الالتزامات والموجبات وهذا مدخل يساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في بلد يحتاج الى الاستقرار. كما أن هذا القرار يُكرّس قراءة دقيقة للاستثناء ويفتح الباب أمام نقاش أعمق حول كيفية تنظيم مخاطر القوة القاهرة مستقبلاً في صلب الإرادة التعاقدية ذاتها.

قرار قاضي العجلة في صور ريان العاكوم 24شباط 2026
“محكمة” – السبت في 2026/2/28

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.