علم وخبر
قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي: وزير العدل يُمَثّل مجلس القضاء في اجتماعات لجنة الإدارة والعدل!/عليا المعلم
المحامية عليا المعلم:
بعيداً عن سبب إبطال قانون تنظيم القضاء العدلي، غير المأسوف عليه، لعدم نيله رضى من يُفترَض أنه شُرّع لتكريس استقلالهم، وقد عبَّر نادي قضاة لبنان عن ذلك خير تعبير في دراسات قانونيّة موضوعيّة، ولإقراره نتيجة لتلاقي مصالح وتحقيق مكاسب هي بعيدة كلّ البُعد عن ما هو استقلال وحُسن تنظيم؛ لا يمكن لمن يقرأ قرار المجلس الدستوري إلّا أن يتوقَّف مذهولاً أمام الكتاب الصادر عن الأمانة العامة لمجلس النواب حول دعوة مجلس القضاء الأعلى لحضور جلسات لجنة الإدارة والعدل النيابيّة المخصّصة لمناقشة القانون بعد إعادته من رئيس الجمهوريّة إلى مجلس النواب؛ فقد ورد في هذا الكتاب ما يلي:
“إنّ لجنة الإدارة والعدل قد وجّهت دعوةً لمجلس القضاء الأعلى على مدى ثلاث جلسات خلال فترة درسها للمرسوم رقم 1105 تاريخ 2025/9/5 الرامي إلى اعادة القانون المتعلّق بتنظيم القضاء العدلي وفقاً للتوقيت والتاريخ المبينين أدناه:
-عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء تاريخ 2026/11/18 (والمقصود 2025)،
-عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء تاريخ 2025/11/25،
-عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء تاريخ 2025/12/9.
حضر معالي وزير العدل الجلسة الأولى التي عقدت بتاريخ 2025/11/18 وأبلغ رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان بأنّ رئيس مجلس القضاء الأعلى قد كلّفه نقل ملاحظات المجلس وتمثيله في جلسات اللجنة المخصصة لدرس المرسوم المذكور، كما اتصل معالي وزير العدل هاتفيّاً بسعادة رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي أبلغ رئيس لجنة الادارة والعدل أنّ معالي وزير العدل يمثّل المجلس وأن مجلس القضاء الأعلى قد زوّد معالي الوزير بالملاحظات التي تتعلّق بالمرسوم المذكور.
وخلال الجلستين التاليتين تم توجيه الدعوة إلى معالي وزير العدل كما إلى سعادة رئيس مجلس القضاء الأعلى لحضور جلسات اللجنة، لكن معالي وزير العدل حضرهما شخصيّاً وبالنيابة أو ممثلاً مجلس القضاء الأعلى”.
أمام هذه الوقائع تبدو مشروعة الأسئلة: هل يُعقَل أن يَعتبر مجلس القضاء الأعلى نفسه مُمثَّلاً بوزير العدل أثناء مناقشة قانون يتعلق بتنظيم القضاء العدلي؟ هذا القانون، هو في جزء أساسي منه، يرمي إلى استقلال القضاء العدلي عن السُلطة التنفيذيّة، التي وزير العدل أحد أركانها، فهل يجوز أن يُمثّل هذا الأخير رأي مجلس القضاء الأعلى وأن يغيب هذا المجلس عن حضور جلسات المناقشة؟ هل اتَّخذ مجلس القضاء الأعلى، وفق الأصول، قراراً بأن يتمثَّل بوزير العدل؟ أم قُضيَ الأمر باتّصال هاتفي خلال إحدى جلسات المناقشة من الوزير إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما ورد في كتاب مجلس النواب؟
حسناً فعل المجلس الدستوري في حيثيّتين في قراره، وهما أبعد من حيثيّتين قانونيّتين إذ يُشكّلان درساً قاسياً للمعنييّن في استقلاليّة السُلطة القضائيّة في وجوب الوقوف على قدر من الجديّة والمسؤوليّة حيال موجباتهم في هذا الخصوص؛ فقد ورد فيهما:
“حيث إن استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى يوجب عرض مشروع القانون بصيغته الجديدة على المجلس ليتمكن من الاطلاع عليه كهيئة جماعية وإبداء رأيه فيه وفقاً للأصول، ولا يصلح الاكتفاء بمخابرة هاتفيّة مع رئيس المجلس المذكور منفرداً،
“وحيث فضلاً عن ذلك، إنّ مسألة تكليف وزير العدل بتمثيل مجلس القضاء الأعلى بإبداء الملاحظات لا تنسجم مع الغاية الأسمى للقانون المطروح ألا وهي استقلاليّة السلطة القضائيّة وفصلها عن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، وعن التدخل السياسي…”.
لا يمكن أن يمرّ ما ورد في هذا القرار هكذا، إذ يتوجَّب على مجلس القضاء الأعلى، الذي يُفترَض أنه ليس بحاجة لأن يُذكّره المجلس الدستوري بأن تكليفه وزير العدل تمثيلة يتنافى مع استقلاليّة السُلطة القضائيّة، التي ينادي بها في بياناته كافةً، أن يوضِحَ بطريقة مباشرة، وليس عبر “مصادِر”، ثلاثة أمور:
أولاً: لماذا لم يَتمثَّل مجلس القضاء الأعلى بأحد قضاته أو بأي قاضٍ عدلي في لجنة الإدارة والعدل خلال الاجتماعات التي ورد في كتاب مجلس النواب أنه تمّت دعوته رسميّاً إليها؟
ثانياً: هل فعلاً اعتبر رئيس مجلس القضاء الأعلى أن وزير العدل يُمثّل المجلس في اجتماعات لجنة الإدارة والعدل المشار إليها؟
ثالثاً: هل صدر قرار عن مجلس القضاء الأعلى، وفق الأصول، بتمثيل المجلس بواسطة وزير العدل، وفي الحالة السلبيّة؛ ما هو موقف كلّ عضو من أعضاء هذا المجلس ممّا حصل؟
هذه الأسئلة يجب أن تُلاقي الأجوبة اللازمة إذ إنه من حقّ الرأي العام، المعني الأول بوجود سُلطة قضائيّة مستقلّة، أن يكون على بيّنة من كيفيّة تعاطي من يُفترَض أنهم المؤتمنون على تحقيق هذه الاستقلاليّة مع مقتضيات إحدى محطّاتها التاريخيّة؛ وهي سَنُّ التشريع الذي يُكرّس دقائقها، وذلك ليتمكنَّ من المساءلة والمحاسبة وفق الأطُر الدستوريّة والقانونيّة، قَبلَ الغوص في التفاصيل التقنيّة لهذا التشريع، والتي سنقول فيها الكثير لاحقاً.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/2/25



