مقالات

قَضَاءٌ نَقِيٌّ… وَطَنٌ قَوِيٌّ!/جمال الحلو

القاضي م. جمال الحلو:
إنَّ الأُمَمَ لا تَرْتَقِي بِقُوَّةِ جُيُوشِهَا، وَلا بِغِنَى خَزَائِنِهَا، وَلَكِنْ بِقُوَّةِ عَدْلِهَا. فَالْعَدْلُ هُوَ الحِصْنُ الَّذِي يَصُونُ الأَوْطَانَ، وَهُوَ العِمَادُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الدُّوَلِ. وَإِذَا فَسَدَ القَضَاءُ، تَصَدَّعَتْ أَرْكَانُ الوَطَنِ، وَغَابَتِ الثِّقَةُ، وَتَسَلَّلَ الظُّلْمُ فِي أَوْرِدَةِ الحَيَاةِ كَسُمٍّ نَاعِمٍ لا يُرَى، وَلَكِنَّهُ يَفْتِكُ.
إِنَّ إِصْلَاحَ القَضَاءِ لَيْسَ رَغْبَةً نُخْبَوِيَّةً، وَلَا مَشْرُوعًا إِدَارِيًّا فَقَط، بَلْ هُوَ حَاجَةٌ وَطَنِيَّةٌ مَصِيرِيَّةٌ، تُقَاسُ بِهَا قِيمَةُ الحُكْمِ وَرُقِيُّ المُجْتَمَعِ. وَالإِصْلَاحُ الحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ: مِنْ نَفْسِ القَاضِي الَّذِي يَرَى فِي المَنْصِبِ رِسَالَةً لَا سُلْطَةً، وَفِي القَضَاءِ أَمَانَةً لَا مَغْنَمًا. فَالقَاضِي الَّذِي يُطَهِّرُ نَفْسَهُ مِنْ أَهْوَائِهَا، يُطَهِّرُ بِعَدْلِهِ وَطَنًا بِأَسْرِهِ.
غَيْرَ أَنَّ الإِصْلَاحَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الذَّاتِ فَحَسْب، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى بِنْيَةِ المَحَاكِمِ، وَمَنْظُومَةِ التَّشْرِيعِ، وَإِدَارَةِ العَدْلِ. فَلَا عَدْلَ بِلَا كَفَاءَةٍ، وَلَا نَزَاهَةَ بِلَا رَقَابَةٍ، وَلَا هَيْبَةَ لِقَاضٍ بِلَا ضَمِيرٍ حَيٍّ، وَتَكْرِيسٍ لِمَبْدَإِ المُسَاءَلَةِ. وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى قَضَاءٍ يُطَبِّقُ القَانُونَ بِرُوحِ العَدْلِ، لَا بِجُمُودِ النُّصُوصِ.
إِنَّ الشَّعْبَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِقَضَائِهِ يَأْمَنُ عَلَى حَاضِرِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ، وَيُقْبِلُ عَلَى الإِصْلَاحِ وَالبِنَاءِ بِثِقَةٍ وَحُبٍّ. أَمَّا إِذَا تَزَعْزَعَ الإِيمَانُ بِالقَضَاءِ، فَكُلُّ إِصْلَاحٍ سَيَغْدُو شِعَارًا بِلَا مَعْنًى، وَكُلُّ وَطَنٍ سَيَغْدُو هَيْكَلًا بِلَا رُوحٍ.
فَلْيَكُنْ إِصْلَاحُ القَضَاءِ مَشْرُوعًا وَطَنِيًّا شَامِلًا، تُسْهِمُ فِيهِ الدَّوْلَةُ، وَالمُجْتَمَعُ، وَالقُضَاةُ أَنْفُسُهُمْ، وَلْنَرْفَعْ شِعَارًا وَاحِدًا:
“لَا كَرَامَةَ لِوَطَنٍ بِلَا عَدْلٍ، وَلَا عَدْلَ بِلَا قَضَاءٍ نَقِيٍّ وَمُسْتَقِلٍّ”.
إِنَّ هَذَا المَقَالَ دَعْوَةٌ صَادِقَةٌ إِلَى إِصْلَاحٍ عَدْلِيٍّ يُحْيِي الثِّقَةَ بَيْنَ المَحْكُومِ وَالقَاضِي، وَيُرَسِّخُ فِي الضَّمِيرِ الجَمَاعِيِّ مَعْنَى الأَمَانَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ. هُوَ نِدَاءٌ لِنَهْضَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَمُؤَسَّسِيَّةٍ، تَجْعَلُ مِنَ القَضَاءِ مِرْآةً نَقِيَّةً لِرُوحِ الوَطَنِ، وَمِفْتَاحًا لِكُلِّ إِصْلَاحٍ وَتَقَدُّمٍ. فَإِذَا نَقِيَ القَضَاءُ، نَقِيَ الوَطَنُ، وَإِذَا قَوِيَ العَدْلُ، قَوِيَتِ الدَّوْلَةُ وَارْتَقَتِ الإِنْسَانِيَّةُ.
“محكمة” – الخميس في 2025/11/20

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.