علم وخبر

كتاب مفتوح إلى وزير المالية: تعميمكم يمسّ نظام الملكية العقارية/أنطونيو الهاشم

أنطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
السيد وزير المالية الأستاذ ياسين جابر المحترم،
أتوجّه إليكم بهذا الكتاب المفتوح لأنّ تعميمكم تاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦ الذي أصدرتم ليس تفصيلاً إدارياً ولا جدلاً عابراً، بل يمس نظام الملكية العقارية في لبنان بما هو ضمانة دستورية قانونية واستقرار اجتماعي ، والحدّ الفاصل بين دولة القانون ودولة وضع اليد.
إنّ التعميم الصادر عنكم وما استُتبع به من التباسٍ حول عبارة “المشاعات” وآلية قيد العقارات غير الممسوحة، أثار مخاوف مشروعة لأنّه يفتح الباب، عملياً ، لمنطقٍ شديد الخطورة في المجال العقاري: “قيد أولاً باسم الدولة ثم نقل لاحقاً.”
السيد الوزير ، إنّ كلمة “أولاً” في السجل العقاري ليست كلمة عادية. لأن “لاحقاً” قد يتأخر أو يتعثر، بينما القيد إذا وقع صار حجة، وإذا صار حجة صار سلطة، وإذا صار سلطة أمكن أن يتحول إلى وسيلة تعطيلٍ أو ضغطٍ أو تحكّمٍ بحقوق البلديات والجماعات والأهالي وبالمحيط الحيوي للقرى. وهذه ليست قراءة سياسية، بل خلاصة قانونية عميقة. القيد العقاري لا يحتمل الغموض ولا التأويل لأنّه خُلق لتثبيت الحق لا لتوليد حقٍّ جديد بالأمر الواقع.
إنّ التشريع العقاري اللبناني لم يترك المسألة دون إحاطة فعلية وإطار صحيح. فالمناطق غير الممسوحة تخضع لآلية إلزامية واضحة هي نظام التحديد والتحرير العقاري بموجب القرار 1926/186 وهو نظام يقوم على أعمال مسح وتوصيف، ومحاضر رسمية، وإعلان وشفافية، وحق اطلاع، ومهل اعتراض وضمانات، ثم تثبيت النتيجة وفق الأصول، لا وفق قاعدة عامة تُفرض بتعميم. والسجل العقاري نفسه، المنظم بالقرار رقم ١٩٢٦/١٨٨، ليس سجلًا عاديًا، بل مرجع الحقيقة القانونية والواقعية للعقارات، ولا يُبنى إلا على سندٍ صحيح ومسارٍ صحيح، لا على “قيد إحتياطي” يُستولد من التباس العبارات.
وفوق ذلك كله، إنّ الملكية حقٌ دستوري صريح. المادة ١٥ من الدستور اللبناني وضعت الملكية في “حمى القانون” وربطت أي نزعٍ لها بالمنفعة العامة وبالشروط التي يحدّدها القانون وبعد تعويض عادل. أي أنّ انتقال الملكية إلى الدولة أو إلى غيرها ، لا يتمّ بتعميم بل بالأصول القانونية المحددة والمعددة حصراً ، إمّا ثبوتٌ قانوني ضمن مسار التحديد والتحرير، وإمّا سند ناقل للملكية وفق القواعد العامة، وإمّا، عند المنفعة العامة، الطريق الطبيعي الذي رسمه قانون الاستملاك رقم ١٩٩١/٥٨ .
أما الالتباس الدائر حول “المشاعات” و”الأراضي المهملة” و”المتروكة المرفقة”، فمرجعه القانون لا الاجتهاد الإداري. إن قانون الملكية العقارية (القرار رقم ١٩٣٠/٣٣٣٩) ميّز بدقة بين أنواع العقارات والحقوق، وعرّف “العقارات المتروكة المرفقة” وبيّن طبيعتها وحدود استعمالها، وقرّر أيضاً ، عند تحقق شروطه، اعتبار بعض العقارات الداخلة ضمن نطاق البلدية من الملك الخاص البلدي مع قيود على التصرف. هذا التمييز جوهري، لأنّ الوصف القانوني للعقار ليس مادةً مرنة تُبدَّل بقرار إداري، بل هو قاعدة تُحدّد المالك وحدود الحق والجهة المختصة والضمانات الواجبة.
وقد صدر بالفعل “توضيح” عن المديرية العامة للشؤون العقارية يفيد بأن المقصود بعبارة “المشاعات” هو الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي. غير أنّ التوضيح، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده ما لم يُترجم إلى نص ملزم صريح ضمن التعميم ذاته وإلى آلية تنفيذ مكتوبة تُقفل باب التوسع والتطبيق الانتقائي. فالغموض في نطاق القانون العقاري ليس ثغرة لغوية ، إنّه خطرٌ على الإستقرار القانوني، لأنه يسمح بأن تتحول السلطة التفسيرية إلى سلطة تقريرية، ثم إلى أمر واقع، ثم إلى نزاعاتٍ لا تنتهي.
لذلك ، إنّ المطلوب اليوم ليس صياغة مطمئنة، بل قرار قانوني واضح يردّ الإدارة إلى حدودها ويعيد القيد إلى ضوابطه بتعديل التعميم تاريخ ٢٠٢٥/٢/٢٦ بحيث يُحظر جعل “القيد أولاً باسم الدولة” قاعدة عامة أو مرحلة إلزامية، ويُقصر أي قيد باسم الدولة على الحالات التي تثبت قانوناً وبالأصول ضمن مسار القرار ١٩٢٦/١٨٦ وضماناته، و القرار ١٩٢٦/١٨٨ أو بسند ناقل للملكية وفق القانون، أو وفق قانون الاستملاك ١٩٩١/٥٨ حيث تتوافر شروطه. كما يقتضي تضمين التعديل استبعاداً صريحاً لا لبس فيه للمشاعات البلدية أو الأهلية ضمن النطاق البلدي، ولأي حقوق جماعية أو مرفقات لا يجوز العبث بطبيعتها، وإصدار آلية تطبيق إلزامية تميّز بين الأنواع القانونية للعقارات وتكرّس حق الاطلاع والاعتراض وتمنع أي قيد لا يستند إلى سندٍ مشروع ومسار قانوني صحيح .
لبنان يُبنى بسيادة الدستور أولاً، ثم قوانينه العقارية ، لأن الدولة التي تحمي الأرض بالقانون تحمي نفسها، والدولة التي تُربك القيد تُربك الثقة وتفتح باب الهيمنة بدل الشراكة. ومن موقع الحرص على هيبة وزارتكم وصدقية الإدارة، نضع بين أيديكم هذا الكتاب بان أعيدوا التعميم إلى حدود القوانين العقارية في لبنان، وأعيدوا للسجل العقاري وظيفته كسجل عدالة لا كذريعة سلطة .
بكل الاحترام
“محكمة” – الأحد في 2026/3/1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.